لندن ـ «القدس العربي»: في 17 شباط/فبراير 2016 أحيت ليبيا المقسمة بين حكومتين الذكرى الخامسة للإطاحة بنظام الرئيس الليبي معمر القذافي. والملمح الرئيسي لليبيا ما بعد الثورة ليس الإنقسام بين طرابلس وطبرق ولكن ظاهرة صعود تنظيم «الدولة» الذي يتمدد في البلاد مستفيداً من الفوضى.
ولخص طالب طب نقلت عنه صحيفة «الغارديان» وضع بلاده قائلاً «في الماضي كان الأمر بسيطاً، فقد قاتلنا من أجل الحرية» و»لكنك تتساءل أكثر من مرة هل كان الأمر يستحق القتال». وكان طالب الطب قد حمل السلاح في الثورة ضد القذافي والآن يحيي الثورة وهو يعالج الجرحى الذين يحاربون تنظيم «الدولة». وعندما لا يخوض المقاتلون الحروب ضد الجهاديين فهم يقاتلون بعضهم البعض. ففجر ليبيا المدعومة من حكومة طرابلس تخوض حرباً ضد الحكومة التي تعمل من طبرق ويقيم فيها البرلمان المعترف به دولياً وتدعم قوات الجنرال المتقاعد خليفة حفتر.
وخلف القتال بين الطرفين حوالي 5.000 مقاتل وترك الاقتصاد منهاراً وهناك نصف مليون مشرد فيما تبددت أحلام ثورة عام 2011. فقد كان الجميع متفائلاً في حينه بدولة مؤسسات وحرية وديمقراطية. إلا ان الليبيين حصلوا على تنظيم «الدولة» بدلاً من الحرية والعدالة.
سيناريو ثلاثي
ويثير توسع تنظيم «الدولة» مخاوف الدول الغربية التي تفكر بعمليات عسكرية في ليبيا. وأكدت مثلاً وزارة الخارجية البريطانية أن المقاتلات التابعة لسلاح الجو الملكي تقوم بطلعات جوية في أجواء ليبيا.
ويقول الدبلوماسيين أن الغارات الجوية على تنظيم «الدولة» لن تبدأ إلا بعد ان تتفق حكومتا طبرق وطرابلس على حكومة وحدة وطنية يمكنها السيطرة على الميليشيات ونزع أسلحتها. ولكن موعد الأمم المتحدة لتحقيق سلام ونهاية الحرب الأهلية جاء ومضى يوم الإثنين بدون حكومة حيث لا يزال قادة الحكومة الوليدة في المنفى في تونس والمغرب ويواجهون عداء من طبرق وطرابلس.
وبحسب لودوفيكو كارلينو المحلل في مؤسسة «أي أتش أس جين» للتحليل الأمني «أصبحت ليبيا سيناريو مكوناً من ثلاث حكومات». مضيفاً أن أي تدخل بدون حكومة وحدة وطنية سيؤدي إلى فوضى». وينقل عن دبلوماسيين قولهم إنه لا يوجد بديل عن الوساطة الدولية. وتحدث المبعوث البريطاني إلى ليبيا جوناثان باول أمام لجنة برلمانية قائلاً «لو فشلت الجهود التي نقوم بها، فخطة «ب» ستكون مثل خطة «أ» وهي البحث عن حكومة مناسبة للبلد. لكن الوضع الفوضوي في ليبيا بدأ يثير قلقاً لدى المخططين العسكريين.
وقالت وزارة الدفاع الأمريكية أن لديها قوات خاصة تقوم بالبحث عن «شراكات» مع ميليشيات محلية جاهزة لقتال تنظيم «الدولة». ومع ذلك هناك من يتهم البيت الأبيض وإدارة الرئيس أوباما بعدم الجدية في مواجهة تنظيم «الدولة».
البيت الأبيض متردد
وفي تقرير «خاص» نشره موقع «دايلي بيست» وأعدته نانسي يوسف تحت عنوان «أوباما يرفض ضرب عاصمة تنظيم الدولة في ليبيا» في إشارة إلى أن إدارة أوباما ليس لديها خطط لملاحقة تنظيم «الدولة» في عقر داره. وتقول يوسف إن البيت الأبيض رفض الموافقة على خطة للهجوم على مركز التنظيم في ليبيا.
ونقل الموقع عن ثلاثة مسؤولين دفاعيين قولهم إن الجيش الأمريكي بقيادة قوات العمليات الخاصة في أفريقيا قد دفع باتجاه شن غارات جوية ونشر قوات نخبة أمريكية في مدينة سرت الليبية ومسقط رأس الزعيم السابق القذافي بعد تحولها لمركز نشاطات وخطط تنظيم «الدولة» للتوسع في شمال أفريقيا. والهدف من الغارات الجوية هو ضرب مصادر ومواقع التنظيم فيما تقوم الفرقة الصغيرة من قوات العمليات الخاصة بتدريب الليبيين الذين سيصبحون لاحقاً جزءاً من الجيش الوطني الليبي. وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نقلت عن مسؤولين دفاعيين قولهم إنهم يقومون برسم خطط لشن غارات ولكنهم يريدون تطوير وجمع معلومات أمنية تساعدهم على شن حملة مستمرة وناجحة ضد تنظيم «الدولة» في سرت. وبحسب الموقع فقد تم وضع الخطط هذه على الرف. ويقول مسؤول «لا توجد شهية لدى الإدارة للقيام بهذا».
وبدلاً من ذلك ستواصل الولايات المتحدة القيام بغارات متقطعة تستهدف من خلالها قادة الجماعات المتطرفة مثل غارة تشرين الثاني/نوفمبر والتي قتلت فيها أبو نبيل الأنباري، أحد قادة تنظيم «الدولة» في ليبيا. ويقول مسؤول دفاعي آخر «لا شيء قريب الحدوث فيما يتعلق بالعمليات العسكرية الكبيرة وسيقتصر الأمر على غارات مثل الغارة في تشرين الثاني/نوفمبر ضد أبو نبيل».
وتعلق يوسف أن الخلاف حول ما يجب على الولايات المتحدة وما يجب على المجتمع الدولة فعله في ليبيا يعبر عن حالة من التشوش حول وقت ومكان مواجهة تنظيم «الدولة» في ليبيا. وتظل المواجهة ملحة بالنسبة لأوروبا القريبة من ليبيا، فمنها يغادر المهاجرون غير الشرعيين على سفن وقوارب باتجاه الشواطئ الأوروبية. وهناك مخاطر من إمكانية استغلال التنظيم الهجرة غير الشرعية هذه وإرسال عدد من مقاتليه إلى أوروبا.
وتكشف دعاية تنظيم «الدولة» أن روما العاصمة الإيطالية باتت قريبة منه. وبالنسبة للولايات المتحدة هناك مخاوف كبيرة من نشوء مركز نشاط جديد للتنظيم والذي يسيطر على مدينة سرت الآن التي قد تتحول إلى مركز عمليات كما هو الحال مع الرقة السورية والموصل في العراق.
وألمح قادة أوروبا إلى ضرورة القيام بجهود كثيرة ولكنهم لم يقدموا تفاصيل محددة. ففي مقابلة مع مجلة «دير شبيغل» تحدث الموفد الألماني الخاص لليبيا الشهر الماضي محذراً «لا يمكننا ببساطة التخلي عن ليبيا».
ويقدر قادة الجيش الأمريكي عدد المقاتلين التابعين لتنظيم «الدولة» في ليبيا بحوالي 5.000 مقاتل. وهو رقم مرتفع عن 1.000 مقاتل قبل شهر.
ويعتقد المسؤولون في شؤون الدفاع أن مقاتلي تنظيم «الدولة» يتحركون صوب ليبيا بعدما أصبح المسار صعباً أو مغلقاً باتجاه سوريا والعراق. ولهذا السبب تتزايد الدعوات لعدم ترك سرت التي يعاني أهلها من ممارسات التنظيم ورجاله الوحشية والتحرك بسرعة وعدم السماح للتنظيم بالتوسع في مناطق جديدة، خاصة أنه يقوم باستهداف المنشآت النفطية. وتشير تقارير إلى أن سكان مدينة سرت لا يستطيعون مغادرة المدن بحرية ويتعرضون للتفتيش من قبل جنود تنظيم «الدولة» ومعظمهم من الأجانب الذين جاءوا من مصر والنيجر وتشاد وتونس.
وكما هو الحال في الرقة والموصل يمنع المقاتلون على السكان استخدام الهواتف المحمولة أو شبكات الإنترنت ويطبق عليهم أحكام الشريعة ولكن بطريقة قاسية.
ويواصل التنظيم هجماته على منشآت النفط حيث قام بتدمير مبان نفطية في راس لانوف، بشكل يؤثر على عائدات النفط. ولم يخف مقاتلو التنظيم طموحاتهم بالتوسع في مصراتة في الغرب ودرنة في الشرق.
حملة عسكرية
وهناك من يعتقد أن تمترس التنظيم في سرت هو جزء من حملة عسكرية قادمة. كل هذا في وقت أكدت فيه الحكومة الأمريكية أنها لن تتدخل في ليبيا طالما ظل الإنقسام الحالي بين الشرق والغرب. وأكد الرئيس أوباما يوم الثلاثاء في مؤتمر صحافي عقد على هامش قمة دول «آسيان» الذي استضافته الولايات المتحدة هذا العام أشار أوباما إلى الجهود التي تقوم بها الأمم المتحدة لحل المعضلة الليبية.
واقترح أن اي عمل عسكري سيسهم في تفكيك البلاد أكثر. وقال إن بلاده تنتهز الفرص المتوفرة لها وتلاحق مقاتلي التنظيم. ومع أن الرئيس قال إن بلاده ستلاحق تنظيم «الدولة» في أي مكان يظهر فيه إلا أنه لم يقل إن بلاده ستقوم بالتدخل عسكرياً لوحدها في ليبيا.
وقال «سنواصل العمليات عندما تتوفر لدينا عملية وهدف واضح ونعمل مع شركائنا في التحالف لتحديد فرص تمنع تنظيم «الدولة» من التمترس في ليبيا.
وفي الوقت نفسه فنحن نعمل بجد مع الأمم المتحدة من أجل تشكيل حكومة في ليبيا». مؤكداً أن الحكومة هي المشكلة هناك.
ويرى عدد من المسؤولين العسكريين أن إدارة أوباما تتنظر دولاً أخرى مثل فرنسا وإيطاليا وبريطانيا لاتخاذ دور قيادي في محاربة تنظيم «الدولة» خاصة أنها ألمحت للتدخل. وكانت فرنسا وبريطانيا محوريتين في الحملة التي قام بها الناتو عام 2011 للإطاحة بنظام القذافي. وهناك من يعتقد أن الولايات المتحدة راغبة بتحديد حملتها ضد تنظيم «الدولة» في العراق وسوريا، مع ان ليبيا تحولت منذ عام 2011 لمنطقة جاذبة للمتطرفين. وينظر آخرون لغياب الحسم الأمريكي في ليبيا كعلامة على التردد الذي يطبع سياسة الرئيس أوباما الخارجية وكلفته سوريا والعراق، ففي الأول أصبح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو من يدير أوراق اللعبة. وفي العراق خسرت أمريكا نفوذها هناك وتركت الساحة للإيرانيين.
عليه التحرك
ولهذا السبب دعت صحيفة «واشنطن بوست» إدارة الرئيس باراك أوباما التحرك سريعاً وضرب ما أطلقت عليها عاصمة «الدولة الإسلامية» في ليبيا قبل أن يتمكن من السيطرة على مناطق جديدة في هذا البلد الذي تسوده الفوضى.
وقاربت الصحيفة بين الوضع الحالي وما جرى في بداية عام 2014 حيث وقف أوباما متفرجا وترك تنظيم «الدولة» يسيطر على المدينة تلو الاخرى في كل من العراق وسوريا.
وراقب أوباما الإرهابيين وآلافاً من المتطوعين الأجانب وهم يدخلون الموصل وتكريت ويهددون كردستان العراق. وعندما قررت الولايات المتحدة متأخرة التحرك كان التنظيم قد توسع بما فيه الكفاية ووسع مناطق نفوذه وأصبحت له مصادره الإقتصادية وغنم كميات كبيرة من المعدات العسكرية.
ورغم مضي 18 شهراً على الحملة الجوية الأمريكية إلا أن الجهاديين وخطرهم لم يتراجع. وبناء عليه حذرت «واشنطن بوست» من سيناريو مشابه في ليبيا التي تحالف فيها المتطرفون الإسلاميون مع «الدولة الإسلامية».
وأشارت إلى تدفق المقاتلين إلى ليبيا «بناء على توجيهات من سلطات الدولة الإسلامية في سوريا ووصلوا إلى سرت من أجل بناء «إمارة» جديدة وحتى يبتعدوا عن الضربات من القوات الغربية». ويسيطر التنظيم على منطقة تبلغ مساحتها 200 ميل ولديه خطط لمهاجمة أوروبا. وتعلق الصحيفة أن مستشارين بارزين في شؤون الأمن القومي حثوا الرئيس لاتخاذ الإجراءات الضرروية ومنع ظهور قاعدة جهادية جديدة في ليبيا. ونقلت ما قاله الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة «من الأمانة القول إننا نفكر باتخاذ فعل عسكري حاسم».
ومع ذلك فالبيت الأبيض لا يزال يتحدث ولم يتوصل إلى قرار كما حدث في اجتماع عقده الشهر الماضي. وتحذر الصحيفة من أن التردد سيكرر كارثة العراق. فقد حاول أوباما الانتظار على الهامش في العراق وسوريا ويجب أن لا يرتكب الخطأ نفسه في ليبيا حسب الصحيفة. وتعتقد أن لا حاجة للإنتظار حتى يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية في ليبيا. لأن تشكيلها يبدو صعباً، خاصة بعد رفض الأطراف المشاركة في المحادثات التي ترعاها الأمم المتحدة للخطة.
فالمشكلة الحقيقية هي المقاومة التي يبديها طرفا النزاع خاصة من خليفة حفتر، الذي تقول إنه شخصية انقسامية ويقود قوات في الشرق تلقى دعماً من النظام القمعي لعبد الفتاح السيسي في مصر. وبسبب عدم شمل الجنرال حفتر في الحكومة الجديدة فقد رفض برلمان الشرق الخطة الشهر الماضي مع أن تصويتاً متوقعاً في الأيام المقبلة.
وقد تؤدي المصادقة عليها للتحرك خطوة للأمام في محاولات إعادة بناء الدولة الليبية إلا أن العملية تظل طويلة في وقت تواصل فيه «الدولة الإسلامية» بناء قواعدها في ليبيا.
وكانت الدول الغربية قد ناقشت خططاً للعمل العسكري والتي قادتها على ما يبدو إيطاليا لحماية النظام الجديد فيما يتعاون المدربون العسكريون مع الجيش. ويمكن أن يتم استهداف مدينة سرت ضمن هذه الخطط بغارات جوية.
من خسر ليبيا؟
وفي النهاية مهما فعلت إدارة أوباما من أجل ليبيا، أخرت مواجهة تنظيم «الدولة» أم استهدفته فقد خسرت الرهان هناك ومنذ عام 2011. ففي المقالة التي نشرتها مجلة «فورين أفيرز» العام الماضي من إعداد ألان كوبرمان «مهزلة أوباما في ليبيا»(آذار/ إبريل 2015) ناقش فيها أن العملية التي قادتها الولايات المتحدة في ليبيا للإطاحة بنظام القذافي انتهت بفشل ذريع. فهي التي فتحت مخازن السلاح الليبي للميليشيات وتجار السلاح ومهربيه وهي التي أدت لصعود الجماعات المتطرفة وبل وزادت حدة الأزمة السورية اليوم وتحولت ليبيا نتيجة للتدخل إلى ساحة لا يحكمها أحد.
واعترف أوباما بأن ما جرى في هذا البلد هو واحد الفصول التي يندم عليها ويتعلم منها عندما يريد التفكير بعمل عسكري.
ورغم أن الرؤية التي قدمها كوبرمان وافتراضاته تظل صحيحة. ولكن أفكاره عن مبالغة الناتو في خطر الكارثة الإنسانية تظل محلاً للرفض والقبول. كما أن الرؤية العامة حول الدور وتداعيات العملية الغربية في ليبيا سواء نتائجها أم التزام الدول التي شاركت بتغيير النظام في ليبيا صائبة.
فالتدخل الغربي في ليبيا أدى إلى تعزيز رؤية روسيا التي شجبت الغرب على محاولات تغيير الأنظمة في منطقة الشرق الأوسط. وبعبارات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف «أعدم صدام فهل أصبح العراق أحسن حالاً. وقتل القذافي فهل أصبحت ليبيا أحسن حالا». ويجب أن يفهم كلام لافروف في سياق دفاعه عن النظام الديكتاتوري في سوريا.
فالفوضى التي حدثت في ليبيا لا تبرر عودة الاستبداد. والمهم في الحالة الليبية أنها تعبير عن سوء فهم للظروف ولغياب الخطة لما بعد الحرب. فبعد مقتل القذافي قالت هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية في حينه «جئنا وشاهدنا ومات» حيث كانت تبرر الحملة ونتائجها نيابة عن إدارة أوباما. فقد كانت تعتبر هي وزملاؤها ان الحملة العسكرية كانت نجاحاً مذهلاً مع أنها تحولت إلى فشل ذريع.
وكما تعلم جورج دبليو بوش قبلها في العراق فالإعلان عن «نهاية المهمة شيء ولكن الأحداث التي تتلو المهمة ستظل حاضرة وتلاحقك».
إبراهيم درويش