مصطلحات خاطئة في الإعلام العربي

حجم الخط
0

يعد ضبط المصطلح السياسي من أهم مفردات علم السياسة، لأن الضبط يعتبر وسيلة أولية وهامة للتخاطب بين المتخصصين والمهتمين بهذا الحقل من حقول المعرفة الإنسانية ولكن هذا الضبط اعتراه الكثير من التشوية، خاصة حينما بدأت وسائل الإعلام العربي بأشكالها المختلفة إستخدام تلك المصطلحات سواء في النشرات الإخبارية أم البرامج الحوارية دون تمحيص او تدقيق معنى المصطلح. وسنقف هنا عند تفسير مصطلحين من تلك المصطلحات السياسية التي يتم تداولها بشكل خاطىء والذي كثر إستخدامهما في الآونة الأخيرة وخاصة في الأزمة السورية وهما أولاً: ‘ المجتمع الدولي’ التي يرد ذكره في عبارة ‘آن الأوان للمجتمع الدولي ليتحمل مسؤولياته تجاه الشعب السوري’.
بالبنسبة لهذا المصطلح يمكن تعريفه: بأنه ذلك المجتمع الذي يتكون من الدول التي تسعى إلى تغليب الإعتبارات الأخلاقية على المصالح السياسية في العلاقات الدولية؛ إلا أن هذا المصطلح من خلال الممارسات الدولية فقد معناه ووظيفته ومصداقيته، سواء بعد تشكل النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، أم بعد تشكل النظام العالمي بعد نهاية الحرب الباردة، فهو بعيد عن مثاليات’ ايمانويل كانت'(1724-1804) في كتابه’ نحو السلام الأبدي’، وعن نموذجه عن نظام عالمي يعامل دوله بعضهم بعضاَ بروح الإخاء والمساواة، ويتصرفون بروح من الكياسة والانصياع الصارم للقانون الدولي العام. لو كان النظام الدولي أو النظام العالمي مجتمعيا دولياَ، كما يراه الإعلام العربي.
فعلى سبيل المثال وليس الحصر، لما استمرت معاناة الشعب العربي الفلسطيني منذ عام 1948م، وإلى يومنا هذا، مشرداً في المنافي. ولما فرض على الشعب العراقي منذ عام 1990م ولغاية عام 2003م، حصارٌ جائرٌ كانت إحدى مخرجاته الرئيسة احتلال العراق في 9 نيسان عام 2003م، لينتج لنا ‘المجتمع الدولي’ – مشكوراً!- ‘عراقاً طائفياً’. ولو كنا حقا مجتمعاً دولياً لما استطاع الصرب في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وتحديداً من شهر حزيران من عام 1992م، إلى شهر أغسطس من عام 1995م، أن يرتكبوا جرائم ضد الإنسانية في البوسنة والهرسك يندى لها جبين الإنسانية. ولو كنا حقا مجتمعاً دولياً لما ترك مسلموا البورمة يواجهون مصير القتل!
وأخيراَ، ومنذ أكثر من عامين والشعب العربي السوري يرتكب ضده عملية قتل ممنهجة، ونتساءل هنا أين هو ‘المجتمع الدولي’ الذي من واجبه أن يوقف بث مسلسل القتل اليومي، لكن من الواضح أن من يدعم السلطة الحاكمة في سورية أو من يدعم معارضيها سواء من الدول العظمى أو الكبرى أو الدول الإقليمية ترى في استمرار القتل اليومي تحقيقا لمصالحهما. فالإعلام العربي في هذه الحالة يتعامل مع مصطلح’ المجتمع الدولي’ من منظور فلسفي سياسي، بمعنى تحقيق الغاية من وجوده، بالتركيز على مبادىء المجتمع وغاياته وقيمه كالإخاء والمساواة والعدالة، في حين علم السياسة يركز على عالم الوقائع؛ وعليه يمكن أن يصطلح على النظام الدولي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية والنظام العالمي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ‘بالجماعة الدولية ‘ والتي تعرف: سعي كل دولة في النظام الدولي او العالمي بتحقيق مصالحها العليا دون الأخذ بالإعتبارات الأخلاقية!
ثانيا: مصطلح’ الحل السياسي’ فهو أيضاً يوظف بشكل خاطىء في الإعلام العربي، فكثيراً ما نسمع ونقرأ سواء في النشرات الاخبارية أم البرامج الحوارية أم بعض تحليلات الباحثين السياسيين في الصحافة العربية المقروءة عبارة ‘يسعى المجتمع الدولي الى ايجاد حل سياسي للأزمة السورية’، بمعنى عدم اللجوء الى الخيار العسكري لإنهاء تلك الأزمة، لكن المتخصص في شأن الأكاديمي يفهم عكس ذلك من الناحية الإصطلاحية فالحل السياسي يشمل البعد العسكري، والأدق هنا أن يستخدم مصطلح ‘ الحل الدبلوماسي’ بمعنى اللجوء الى الطرق الدبلوماسية كالمفاوضات، والمساعي الحميدة، والوساطة، والتحقيق، والتوفيق،لإنهاء النزاع أو الأزمة، فهذا الحل وجد في الأساس لحل الخلافات ذات الطابع الدولي ولا بأس من اللجوء إليه في النزاع أو الصراع أو الأزمة ذات الطابع الداخلي.
مما تقدم، نهدف من جـــــانب إلى نشـــر الوعــــي الثقافي بالمصطلحات السياسية التي أصبحت تهم المتخصصين وغير المتخصصين على حد سواء، نظراً لما لعلم السياسة من علاقة وأهمية ملحوظة في حياتنا المعاصرة، ومن جانب آخر، التأكيد على النهج العلمي أسلوباً في الصياغة الإعلامية.
د. معمر فيصل خولي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية