فيلم «موقف 48»: الراب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال

حجم الخط
0

برلين: من إدريس الجاي
يرصد فيلم «موقف 48»، للمخرج الإسرائيلي أودي ألوني ، الذي عرض ضمن برنامج «بانوراما» لمهرجان برلين الدولي، صورا دقيقة، عن الضياع، التعسف، العنصرية، العداء، وعن الحب والعنف والقمع الممارس بكل أشكاله على المجتمع الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، عبر مواقع اختيار الكاميرا للمشاهد الداخلية أو الخارجية، وأيضاً لناحية لغته السينمائية غير المستترة.
الفيلم يسرد قصة حياة كريم الشخصية (تامر نفار، كاتب قصة الفيلم مع أورن موفرمان، والمغني اللامع في أول فرقة فلسطينية لموسيقي الراب DAM داخل الأرض المحتلة.
تنفرج لقطات الفيلم الأولى عن هذا الشاب الفلسطيني، الذي يعيش في بلدة اللد الفقيرة، الواقعة على بعد بضعة كيلومترات من شرق تل أبيب. إذ يقضي يومياته يتجول بلا هدف محدد وهو ينتقل بين وظيفة عابرة في مكتب الاتصالات الهاتفية وتسكعه مع زملائه، المتاجرين في المخدرات. في هذا المسعى اليومي تتجول بنا العين السينمائية الصامتة عبر شوارع اللد، هذه البلدة، التي تحتوي على مجموعة مختلطة من عرب ويهود. ندخل عبر أزقة كلها ضياع إنساني صارخ، صخب، انقاض، قدرات، برك ماء آسنة، أحياء سكنية لا تملك أدنى شروط مقومات الحياة. مقابل غياب يعكسه كريم الغارق في عالم سماعته، مغمضا عينيه عن هذا العالم القاتم من حوله.
عبر الصور الافتتاحية للفيلم نشعر بتوتر يسود الأجواء العامة لهذه البلدة. كريم ينتمي إلى أسرة يسارية ذات إرث موسيقي، فالأب عازف قانون والأم مغنية والاخ الأصغر حسام (عايد فضل) موسيقي هو الآخر. أثناء عودة الأبوين من إحدى الأمسيات الموسيقية، التي أحيياها في ناد شيوعي، تحصل لهما حادثة سير تقضي على حياة الاب وتحصر نشاط الأم (سلوى نقارا) في كرسي متحرك. هذا الحدث يحدث تغييرا جذريا في حياة الأسرة بكاملها. كريم يجد ملجأ في عالم الهيب هوب والأم تتحول من قناعات شيوعية إلى طقوس خرافية وشعوذة شعبية. بعد مجهود عسير تمنح الفرقة أخيرا فرصة إقامة حفل موسيقي في أحد الأندية الليلية، حيث تحرض صديقة كريم منار (سمر قبطي) بكلماتها هجمة من مغني الراب اليهود، العنصريين، الذين يرفعون شعارات معادية ومحرضة وقتها تتحول الأمسية الى معركة.
هنا تتكشف خطوط قصة حب تجمع بين منار، ذات التوجهات اليسارية وكريم ذي التوجهات العبثية غير المحددة. حب تقف أمامه حواجز من الأعراف والسلطة الأبوية، باسم الشرف، الذي يمارس على هذه العلاقة من خلال ابناء عمومة منار، الرافضين لفكرة وقوفها فوق الخشبة وغنائها إلى جانب كريم مهددين بإنهاء حياة الحبيبين.
على الجانب الآخر، يسلط الفيلم الضوء على التعسف، الذي تمارسه السلطة الإسرائيلية من هدم المباني وتشريد العائلات. ففي الحي الذي يسكنه كريم، تهدد الحكومة بهدم منزل أحد الجيران الأصدقاء بدعوى بناء متحف للتعايش. لهذا يقرر كريم ومنار استخدام أغانيهما كمقاومة فنية لمحاربة الظلم الإسرائيلي وكذلك العنف الاجتماعي ويحولان أنقاض البيت المهدوم إلى خشبة يصدح من خلالها صوتاهما المناهض. «أنا لست مسيسا»
شهد الفيلم حضور جمهور كثيف، سواء الألماني أو اليهودي الألماني، الذي وقف مصفقا وبحرارة لطاقم الفيلم مخرجا وممثلين، ولجرأة طرح قضايا الواقع الفلسطيني داخل الأرض المحتلة، ولدقة تناول هذا الواقع مستعملا لغة واقعية مريرة خلفيتها الموسيقى كتعبير عن جملة من الإشكالات الراهنة، التي يعاني منها ليس الشباب الفلسطيني فحسب، بل كل الأجيال الفلسطينية والشرائح الاجتماعية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية