«محاكمة غاية» للمصري حجاج نصار: إشكاليات الخطاب القصصي… البنية والدلالة

حجم الخط
0

 

صدرت مؤخراً عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت مجموعة قصصية بعنوان «محاكمة غاية» للكاتب المصري الشاب حجاج نصّار، المجموعة تتكون من تسع عشرة قصة، تشكل نموذجاً لوعي مختلف يطال الشكل والمضمون ضمن تحولات القصة القصيرة التي باتت خاضعة بدورها لتحولات الحداثة، وما بعدها، وبوجه خاص تراجع أركان القص بمفهومه التقليدي وذلك نحو مساحات رحبة تتصل بأفق قادر على عكس المقولات والمقاصد التي تتنازع عالمنا الذي تهدمت جدرانه، وتلاشت مقولاته العليا، ومركزياته.

ومن هنا تكمن أهمية هذه المجموعة التي تنهض على رؤية جديدة تنأى بنفسها – إلى حد ما- عن بعض الكتابات المعاصرة في مجال القصة التي تبدو عالقة في عوالم انقضت، من منطلق أن معظم الكتابة المعاصرة تبدو في إحالتها على العالم الخارجي قلقة، إذ لا تنطوي على أي بادرة في تحديد التوجهات الدلالية للنصوص، أو أنها تبدو غير معنية بتحقيق أكبر قدر من الانزياحات عن التشكيلات القصصية المتعارف عليها، في سبيل تحقيق مقولة ثورة الشكل القصصي، ولهذا جاءت بعض هذه الكتابات خالية من الوعي بالأزمة التي تعصف بالإنسان الذي فقد يقينية الأشياء، في حين بدا حجاج نصار في مجموعته أقرب إلى توصيف مقولته، وبعبارة أخرى الخطة التي ينبغي انتهاجها سردياً، فجاءت قصصه متصلة بتنظيم دلالي، بالتوازي مع بنية قصصية متماسكة إلى حد ما.
تنطوي المجموعة على عدد من القصص التي تستجيب لمعيارية الأفكار والبنى، حيث تتناوب القصص بإنارة تساؤلات مهمة في وعي القارئ المعاصر، وهذا يتأتى من منظور الكاتب الذي يبدو مهموماً بالواقع، أو ذلك العالم الخارجي، الذي لا نستطيع توصيفه بالطريقة المثلى، كونه لا يمتلك مساراً منطقياً لتوجهه، ومن هنا تتبدى القيمة الجمالية لقصص حجاج نصار فالشخوص، والحبكات، كما كافة الحوائج القصصية تحتكم إلى هذا التوجه، ومن هنا نفاجأ بأن العالم الحكائي يمتد بالقارئ إلى ما لا يريد، وأن توقعاته ربما لا تتحقق، فمخاض الكتابة يبدو أشبه بظلال تتخلل القصص، ومن ذلك قصة «شاعر الجيل» التي تتمحور حول حلم شاب بأن يكون شاعراً، ولكن مستوى الأحداث يجهض هذا الحلم، ولا سيما في ظل الجرثومة التي تستوطن عوالم المهمشين، أو المرتحلين إلى ضفاف العالم، وهم الباحثون عن فرصة عمل في قطاعات رأسمالية كبرى، إنها إشكالية تأشيرة العمل التي تحول مصائر البشر عن ذواتهم.
في قصص حجاج نصار ثمة مستويات من الكتابة، حيث يبدو التاريخ نسقا من التناص المحكوم برؤية ما، غير أن هذا قد تعرض إلى تشويه بهدف خلق تنازع بين مستويين، هما الزمن المعاصر القائم على مرجعية ما، والمتكآت التاريخية الاجتماعية، وهي إحالات تعتمد تقنية المرآة، أو تلك الانعكاسات التي تتخذ تبصرها من رؤى لا تستقيم، خاصة في ما يتعلق بالتاريخ، ومسيرته، فلا جرم أن يصاغ العالم على ضوئه، كما نحن نتاجه أيضا، ولعل أبرز نموذج على ذلك قصة «برديات الحرية» التي تنتهج المنظور الإسقاطي للموروث، بالتضافر مع إسقاطات معاصرة، في حين أن قصة «محاكمة غاية» تبدو أسيرة نسق تقابلي طباقي، إذ ثمة مستويات من الأحداث، والشخوص، وثمة فواصل من الفراغات، ولكن الأهم أن هنالك مساحة تحتاج إلى أن يملأها القارئ ليتمكن من كشف حجاب الدلالة، إنها قصة تتكئ على مرجعيات الحدث، ومن ثم نفيه، فلا جرم أن نعثر على تبديد القيم في حضورها الآني، ومن ثم استعادة تموضعها في سياقات أخرى، وهنا يتبدى مسار التاريخ بين غايات من سبقونا، وغاياتنا، وبين هذين النهجين والتصورين، تكمن القيمة المطلقة لمعنى السقوط، أو الانحطاط القيمي. إن توظيف الموروث التاريخي والديني في هذه المجموعة ملاحظ بشدة، فالقدرة على توصيف القلق المعاصر برؤية ارتجاعية، يبدو هاجساً لدى الكاتب، ولكن هذا تطلب الكثير من التأمل لفهم سياقات الأحداث، وتموضع الشخصيات لئلا يتعثر القارئ بالدلالة، أو ربما يحيد عنها، مما يعني ضلالة المعنى:
«وتتوسل.. وركب العرب المرتحل يأخذ بقراتك.. وتشرق شمس.. وحياة قريبة يبثها خيالك من أرض ذات نخل.. سر أيها الركب.. أسرع .. فأنا من هناك … وعندما وصلت إلى وادي القرى ..ظلموك .. وباعوك عبداً ليهودي.. لا تحزن هنا تكتمل الدائرة.. ومعمل القدر أنت عظيمه الآن.. طقوس النار كهنوت لكنائس معاشر اليهود، وأخيراً أين؟
في بني قريظة.. ترى النخلات.. تشير إليك.. نعم مدينتك.. جزيرتك واديك الخالد.. تصبر فرحتك.. وعلى نخلة اليهودي تسمع».
في مجموعة «محاكمة غاية» ثمة استكناه للواقع الذي يبدو في بعض الأحيان، وقد تنصل من الإحالة التاريخية بطريقة ماكرة، وليبقى مرتهناً للمفارقة التي تبدو في بعض القصص حيلة فنية، ولا سيما تلك القصص التي تتغذى على مآلات الثورات العربية التي تتخذ تموضعاتها الدلالية تبعاً للمنظورات التي أفضت إلى المزيد من الفوضى، إنها أنماط من الخيبات التي تحقق نظرا لتعالي التوقعات، كما القناص الذي تمرس بالقنص، وقراءة عيون الضحايا، كما في قصة «الملقاط»، فالرصاصة الأخيرة التي أطلقت كانت موجهة لمدرب القنص، إنها مفارقة نتجت بسبب تمرسنا باقتناص ذواتنا التي تتكاثر على تخوم ثنائية العنف والسلطة، والتي تعيد إنتاج الجلاد والضحية ضمن سلسلة لا متناهية حيث جاء: «وبدون أن تردي كما علمتني، قنصتك، برصاصتي وأنا أصرخ كالصاعقة، وأشعر بها تحرق حواجز جسدك، انطرحت على وجهك، تهتز اهتزازات طلوع روحك، ترتعش تنتفض، وتستلم، شعرت بفرحتي تتورم، وراحة تغمرني، بقيت، أمضغ اللذة، وأختم شهادة تفوقي بدمائك وعيونك المخترقة بطلقتي من الخلف».
تحتكم قصص المجموعة في مجملها إلى النسق الدائري، وهنا تنبثق الرؤية التي تؤطر القصص، فثمة قيمة منقوصة عند اكتمال الدائرة، وهي كناية عن تلك المعاني التي لا يمكن أن تكتمل لأن التساؤلات أكبر، هكذا تتخذ القصص معالجتها للكثير من القضايا التي تبدو أسيرة التذبذب بين مناخات التسارع المعاصر، وتثاقل التاريخ، إذ تسير دوائر الحدث، كما الشخوص في سياقات محددة، بيد أن تقدمها نحو الاكتمال لن يتحقق؛ لأن ثمة قيمة مفقودة، فالعالم قد غدا أكثر انحطاطا، إذ لم يعد يتسع لبعض الأحلام الصغيرة والهشة. إن قصص محاكمة غاية في تشكيلها الدائري المبتور تتأسس على تلك الغايات التي نحرص عليها، ونسعى إليها، غير أنها ربما تنحرف بنا، أو ننحرف بها، وربما ترتد بما لا نتأمل، فلكل منا غاية، وبين هذه الغايات يتشكل هذا العالم، ولكن غير المكتمل، أو المشوه كما في قصة «مقررات الخيانة» حيث يبدو الطفل المحمول سفاحاً نتاج الغايات المبتورة، أو الشيطانية، وهذا يتكرر مرة أخرى في قصة «خمسون ألف كلب»، و»على تراب هذه الأرض».
ومن الثيمات التي تبدو رائجة في التشكيل القصصي إشكالية الاغتراب التي تبدو هاجساً، وذلك لكونها قد صاغت أقدار الإنسان المعاصر، وبوجه خاص الساعي إلى الهجرة لأوطان بديلة لتأمين لقمة العيش، ما يجعله عالقاً بين أوطان مقوضة وأوطان طارئة، وهو سؤال وجودي يعمق مفهوم ضيق المساحات التي يمكن أن نطل عليها، كما في قصة «مكتوب بيدي»، وغيرها من القصص التي تنزع نحو بيان هذا القلق الذي بات يشمل قطاعات كبيرة من المواطنين العرب نتيجة هيمنة عوالم الفوضى، والقتل والتدمير، أنه مبدأ الأواني المستطرقة.
مما لا شك فيه بإن معظم قصص «محاكمة غاية» تتصل بتلك الأفعال التي صاغت مساراتنا في الماضي، غير أن الحاضر أفضى بها إلى تتحول ما لا نرغب، ولهذا لا بد أن نحاكم ما نبتغيه في بعض الأحيان، ومن هنا فقد تعددت المستويات الدلالية للقصص، وهو ما أحدث قلقاً على مستوى ثيمات العمل تبعاً لتعدد موضوعاته، وأنساق المقاربة، ولهذا خلت المجموعة من الجو العام الدلالي على الرغم من سيطرة الغايات المبتورة التي أطرت مقولة الخطاب القصصي، فضلاً عن استغراق بعض القصص بالتفاصيل والاستطراد، مما أسهم في تداعي بعض البنى، ومع ذلك تبقى هذه المجموعة عملا مبشراً، فهي لا تعدم عمقاً وتبصراً لإشكاليتنا الفكرية، والاجتماعية، والنفسية، والإنسانية، علاوة على الرغبة بمحاولة تمثل الأسباب والدوافع ضمن تشكيل قصصي ينهض على توظيف موفق لآليات السرد التي تراوحت بين توظيف ضميري المتكلم والغائب، فضلا عن لغة تمكنت من نقل قيم التوتر عبر الجمل المبتورة المفتوحة على التأويل، وهو ما أفضى إلى إيقاع بطيء في بعض المواقع، وهذا نظراً لارتهانها لعوالم الموروث والاستعارة التاريخية القائمة على تقنية القناع، وهو ما يحيلنا إلى القيم الأيديولوجية، وموقف السرد منها، أو الشخص المتمركز خارج النص، وعلى كل حال تبقى «محاكمة غاية» نصاً إشكالياً، ولا سيما على مستوى الخطاب والمقاصد الدلالية.

كاتب فلسطيني – الأردن

رامي أبو شهاب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية