جمال الوجود وعشق الشقاء

حجم الخط
0

 

لما أراد القدماء من الفلاسفة أن يعرفوا كيف نشأ هذا العالم بنظامه العجيب المبدع استلهموا خيالهم وعقولهم وذكاءهم ومعارفهم طويلاً جداً ثم خرجوا بنتيجة رأوها صحيحة قيّمة. هذه النتيجة هي أنهم زعموا أن العالم إنما نشأ وإنما ينشأ بدافع من العشق والغرام، فقد اعتقدوا أن كل حركة في هذا الوجود سببها العشق: فالأفلاك السيارة إنما تسير بعامل من هذا العشق، وهكذا كل تحرك وكل سير وكل تفاعل… وقد قسموا الوجود إلى عاشق ومعشوق، فالعاشق إنما يتحرك ويسير ويتفاعل تشبهاً بالمعشوق وشوقاً إليه، إلى فلسفة لهم طويلة لا طائل اليوم تحتها.
ولكن غرضهم من هذا هو تعليل حدوث الحوادث ووجود الأشياء بعضها من بعض وتوالدها. وهذا لأنهم يعلمون ـ كما يعلم جميع العقلاء ـ أن كل حادث أو كل حدوث أو كل فعل وحركة لا بد له من هدف ودافع، وإلا فإن الأشياء لا تحدث بدون أهداف وغايات. لماذا تتحرك الشمس والقمر والنجوم وكل ما يُرى متحركاً، ولماذا لا تبقى ساكنة بدون سير وحركة ودوران إذا لم يكن لها غاية وفائدة في سيرها وحركتها ودورانها، فإن السير والحركة والدوران أعمال تُنفق وطاقات تُصرف وأعمال تؤدى، وهل يمكن أن تُبذل الجهود وتُؤدى الأعمال وتُبدد الطاقات بدون ثمن وبدون ربح يفيده الباذل المؤدي؟ وهذا كله على حسب رأي القدماء.
والذي نريد أن نستفيده من هذه الفلسفة القديمة هو الإشارة إلى أن من الثابت المركوز في جميع الأذهان والعقول أن الأهداف والغايات والآمال هي التي تحمل على العمل وعلى السير والحركة والدوران في هذه الحياة. ومن فقدوا هذه الأهداف والآمال والغايات فليس من الممكن أن يكون لهم في وجودهم اضطراب ولا حركة ولا عمل يمكن أن يحدث في الحياة حدثاً باقياً أو حدثاً جليلاً، وكذلك من صغرت وضؤلت آمالهم وغاياتهم. والذين ينتظرون منهم ولهم أن يؤدوا الأعمال الكبيرة الخالدة وأن يبتكروا ويبتدعوا، وأن يتقدموا بالحياة وأهلها وبالوجود ومن فيه، وأن يحرصوا على السير والدوران هم أصحاب الغايات والأهداف السياسية العظيمة التي لا تعترف بالحدود ولا بالقيود، هم أولئك الذين ينشدون دائماً الكمال ويرون أن الكمال أمر يُطلب ولكنه لا يُبلغ، إذ يعلمون أنه ما من كمال إلا وبعده كمال. فهم يطلبون أبداً الكمال في كل شيء، في الثراء وفي الجاه، في العلم، في الصناعة، في الزراعة، في التجارة، في الصحة، في الجمال، في الحب، في القوة، في كل شيء يتناولونه.
وليس من الممكن أن يكون إنسان أكبر من أهدافه وآماله ولا أن تكون أمة من الأمم فوق أهدافها وآمالها. فإن من غير المعقول أن تكون أهداف المرء صغيرة ثم هو يكون عظيماً، أو أن تكون أهداف الأمة صغيرة تافهة ثم تصبح هذه الأمة كبيرة عظيمة، بل لا بد أن يكون الإنسان ـ فرداً أو جماعة أو شعباً ـ إما دون أمله وغايته، وإما أن يكون مثلها وعلى قدرها، وهذا يكاد يكون نادراً أو مستحيلاً.
والأمم التي تنهض إنما تنهض لأن آمالها نهضت، والتي تهبط وتبقى في الرغام والتراب إنما كانت كذلك لأن آمالها لم تسم على التراب والرغام… فالذين يدخلون في هذه الحياة وهم لا يقبلون لهم أهدافاً سوى الثراء المطلق أو الكمال المطلق أو الجمال المطلق، قد يبلغون يوماً ما أهدافهم لأنهم يعملون لها لا محالة إن لم يقف في طريق العمل ما لا يمكن غلبه، ولا شيء يغلب التصميم غلباً مطلقاً. أما أولئك الذين لا يريدون من الحياة سوى الفقر والبؤس والضراعة والجوع والمرض وكل هاتيك النقائض فلن يرتجى لهم سواها لأنهم لم يطلبوا سواها.
ونحن لو نظرنا إلى الأفراد والجماعات وجدنا الفرق بين فرد وفرد، وبين جماعة وجماعة، هو الفرق بين هدف هذا وهدف هذا، وبين أهداف هذه وأهداف تلك، ووجدنا أن الأفراد الذين يسمون وينبغون، والأمم التي تسمو وتنبغ وتسود هم أفراد وأمم عظمت آمالهم وغاياتهم، وأن الأفراد والأمم التي تذل وتهون هم أفراد وأمم لا غايات ولا آمال لهم. فالآمال الكبيرة هي التي تقتحم بأصحابها الأهوال وتهون عليهم أشق الأعمال، بل تهبهم اللذة والسرور في تناولهم الأعمال الشاقة وفي اقتحامهم المخاطر، لأن الأمل الباسم الحار ينسي كل ألم وكل تعب. أما الآمال الصغيرة الفقيرة فإنه ليس فيها القوة الدافعة ولا الروح الملهمة، ولا الحرارة الملهبة، ولا الإشعاع المضيء للطريق، ولا الوقود اللازم للطيران أو الدوران أو الاستمرار في العمل الكبير.
فالذين يرون أقصى ما يبغون هو الفقر والجوع والمرض والعري والزهد واجتناب كل طيب وكل عظيم والإزورار عن كل جمال وجميل، الذين يبغون القناعة المطلقة، الشقاء المادي العام المطلق، الذين يبغون ما يذكره هؤلاء الهدامون المدمرون، لا يمكن أن يكونوا أكثر ولا أكبر مما كانوا، ولا يمكن أن يكونوا سوى هذه القطعان الآدمية التي تساس بما زعمت أنه هدفها وغايتها من الحياة، أي تساس بالفقر والجوع والمرض والجهل وكل النقائض الاجتماعية، ثم لا تزداد على هذه السياسة إلا تمسكاً بأهدافها ولصوقاً بغاياتها وإيماناً بشعارها، رافعة أيديها وأبصارها إلى السماء، قائلة: اللهم زد وبارك، مادة أعناقها النحيلة المعروقة إلى الذين يسوسونها هذه السياسة، قائلة: شكراً لكم أيها السادة فإنكم أنتم الذين تبلغوننا درجات القرب والرضوان، لما نلقي لكم من الشقاء والحرمان.
من «هذه هي الأغلال»، 1946

من الوهابية إلى الليبرالية

حين رحل المفكّر النجدي عبد الله القصيمي (1907 ـ 1996) كان ـ في ميدان التفكير النقدي الحرّ والجسور، على صعيد الجزيرة العربية والخليج خصوصاً، ثمّ العالم العربي خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي عموماً ـ قد خلّف تراثاً فريداً نسيج وحده حقاً: مقاربات عديدة وتعددية، متجانسة تارة ومتناقضة طوراً، متباعدة هنا أو متجاورة هناك، تتناول مسائل فقهية ودينية وسياسية واقتصادية وأخلاقية وفلسفية، وتنطوي على نزعات عدمية وعبثية ومنطقية ووجودية وإيمانية وإلحادية وإرادية. وعلى امتداد آلاف الصفحات التي سطرها القصيمي، لا تفوت القارئ ملاحظة أفكار المعتزلة والمتصوفة والقرامطة، ثم ديكارت ونيتشه وهيغل وماركس وهايدغر وسارتر.
فكر ظلّ يسير على إيقاع متقطّع نَزِق، لا يعبأ بحدود ما يمارسه من تشريح وتطهير، ودون أن يكون التبشير بالخروج والانشقاق مسقوفاً بأيّ خطوط صارمة تفصل بين المنظومات والمقاربات. تفصل موضوعياً (لأنها أساساً تتجاوز التأمل المحض، لكي تهبط إلى قاع الواقع الفعلي المحض)؛ بين مادية كارل ماركس التاريخية، التي تريد للفلسفة أن تتصدّى لتغيير العالم بعد أن نامت طويلاً على حرير تفسيره؛ ووجودية هايدغر الظاهراتية، التي تقتفي خطى الكائن في دائرة ضيقة من اقتران الوجود بالزمن وعجز الكائن عن مغادرة الدائرة أو حتى المشاركة في أطوارها.
ولقد استهدف القصيمي العقل العربي بكلّ ما كان يتعايش أو يتصارع في جُنُباته من تيارات وأفكار، سلفية كانت أم ثورية، يمينية أم يسارية. وكان لهيب نجد وجزيرة العرب يزيد من سخونة التأملات الحارقة التي بَدَت على حافة التفكير العقلاني لكلّ وجدان، ولامست التحصين الوجداني لكلّ عقل. صدمات أفكاره أخذت تتوالى مع صدور كل كتاب جديد، مغفلاً كالعادة من اسم دار النشر أو مكان الصدور، ومحتوياً ـ ضمن ما يشبه العادة الاستفزازية المزمنة ـ على سلسلة الألغام الناسفة الكبرى، التي تبدأ من سطور الاستهلال على صفحة الغلاف الخارجية. في كتابه «العالم ليس عقلاً»، يقول الاستهلال: «الثوار والقادة والفنانون والمفكرون قوم من المرضى والمتعبين، يعالجون آلامهم بتطبيب الآخرين»، فيبدأ من هجاء الجمهرة ذاتها التي ينتمي إليها القصيمي نفسه. وأما كتابه «العرب ظاهرة صوتية»، وهو العمل الأشهر رغم أنه ليس الأبرز، فقد تصدرته الفقرة التالية: لا أَضيَع أو أخسَر أو أردأ حظاً ومجداً من كتاب عظيم أو جيد يتكلم اللغة العربية ويكتب بها مخاطباً الإنسان العربي.. إن اللغة العربية لن تكون إلا كفناً غير مجيد أو نظيف لكل فكر أو معنى عظيم أو حرّ أو صادق أو شجاع أو مبدع يكتب بها، أي لو كَتبَ بها.. وهل حَدثَ أن كَتبَ بها؟».
وهذا الذي كان في شبابه وهابياً وسلفياً متزمتاً، غادر عالمنا هذا وقد اتكأ على طرائق، في المحاججة العقلية والوجدانية، تحررت بدرجات عالية من وطأة المحرّم أياً كان؛ وباتت ليبرالية منعتقة من أي عقال يلجم قواعد التفكير العربي، في المسائل الفلسفية أو الاجتماعية أو السياسية أو الأخلاقية أو الفقهية.

نصّ: عبد الله القصيمي

اشترك في قائمتنا البريدية