غازي عنتاب ـ «القدس العربي»: جوان سوز: يواصل مقاتلو قوات سوريا الديمقراطية المدعومون من قبل الولايات المتحدة الأمريكية معاركهم في شمال حلب ضد عدد من الفصائل الإسلامية بينها تنظيم جبهة النصرة «ذراع تنظيم القاعدة في سوريا» وبعض الفصائل العسكرية الإسلامية الأخرى، في خطوة استراتيجية تهدف لإيجاد ممر آمن يربط المناطق الكردية الشرقية من سوريا بالمناطق الكردية الغربية منها. حيث تمكنوا من السيطرة على عدة بلدات كبيرة في الريف الحلبي كانت تعد معقلاً للمعارضة السورية المسلحة مثل بلدتي مارع وتل رفعت التي تبعد عن مركز مدينة حلب نحو 35 كيلومترا شمالاً، وذلك بغطاءٍ جوي روسي ساهم بتقدمهم العسكري مؤخراً في تلك المناطق والذي جاء بشكلٍ مفاجئ، الأمر الّذي يهدد بقطع طرق الإمدادات عن المعارضة السورية المدعومة تركياً في حلب ويؤدي لعزل الدور التركي عن الساحة السورية في الوقت الّذي أقرّ فيه التحالف الدولي ـ الغربي ـ العربي قصفه الجوي على تلك المناطق لمساعدة المقاتلين الأكراد.
وتضم قوات سوريا الديمقراطية مختلف المكونات السورية من الكُرد والعرب والتركمان وغيرهم، إلى جانب القوى الرئيسية فيها والتي تتمثل بوحدات حماية الشعب التابعة للإدارة الذاتية المدنية التي يشارك فيها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي
منذ أواخر عام 2013 بمشاركة أحزاب وتيارات كردية سورية وأخرى عربية مسيحية وآشورية إلى جانب مشاركة بعض العشائر العربية في الجزيرة السورية.
وتحاول تركيا منع قوات سوريا الديمقراطية من السيطرة على مناطق محددة من الشمال السوري خشية على حدودها الجنوبية مع سوريا، بذريعة قيام كيان كردي في سوريا يهدد أمنها القومي. وتخشى في الوقت ذاته من سقوط مدينة اعزاز السورية التي تبعد مسافة 10 كيلومترات عن الحدود التركية في يد المقاتلين الأكراد الذين يحرزون تقدماً ملحوظاً في تلك المناطق منذ أيامٍ قليلة. فسقوط تلك المدينة سوف يتسبب في تقلص النفوذ التركي داخل سوريا لاسيما وإن الحكومة التركية تدعم بعض الفصائل العسكرية التي تقاتل النظام السوري وإن كانت إيديولوجية تلك الفصائل إسلامية متشدّدة، في محاولة منها لتثبيت موقفها الداعم للاحتجاجات الشعبية في سوريا. وتتخوف تركيا من عبور المقاتلين الأكراد لنهر الفرات غرب مدينة كوباني «عين العرب» أو تمركزهم شرق منطقة عفرين بعد سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على مطار «منغ» العسكري خلال تقدمهم نحو مدينة اعزاز، وتتهم روسيا باستخدام وحدات حماية الشعب لمساعي روسية توسعية في سوريا، فيما تشن روسيا منذ نهاية أيلول/سبتمبر الماضي عملية عسكرية دعماً للنظام السوري.
وعلى الرغم من تحذيرات الولايات المتحدة الأمريكية والحكومة الفرنسية حيث طالبتا أنقرة بوقف قصف مواقع عسكرية تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية شمالي حلب، لم تتوقف المدفعية التركية عن قصف مواقع عسكرية يتمركز فيها المقاتلون الأكراد. وقد سُجلت عدة ضربات عسكرية تركية على بلدة تل رفعت ومحيط مطار منغ وكفر نايا والمالكية بعد سيطرة المقاتلين الأكراد عليها، إضافة لقصف مركز صوامع الحبوب في مدينة تل أبيض «كري سبي» شمال محافظة الرقة وكذلك مركز مدينة عفرين وبلدتي جندريس وشيّيه في ريف المدينة.
ويعود أكراد سوريا بالأذهان نحو موقف تركيا الرافض لقيام إقليم كردي شمال العراق إبان سقوط النظام العراقي بعد الغزو الأمريكي في عام 2003، ويؤكدون إن «من قام بدعم نظام الرئيس صدام حسين، هو ذاته من يدعم تنظيمي الدولة وجبهة النصرة، لمنع أكراد سوريا من السيطرة على مناطقهم».
وأكدت وحدات حماية الشعب في مدينة كوباني سد عدّة هجمات من مقاتلي تنظيم الدولة على عدة جبهات في كلّ من سد تشرين وعين عيسى، بالإضافة إلى هجماتٍ مماثلة من فصائل إسلامية على حي الشيخ مقصود ذو الأغلبية الكردية في مدينة حلب كردِ فعل انتقامي من قوات سوريا الديمقراطية نتيجة تقدمها في تلك المناطق. وصعدت الحرب الإعلامية بين تركيا ووحدات حماية الشعب الكردية عقب تفجيرات أنقرة خلال الأسبوع الماضي على خلفية اتهام تركيا لوحدات حماية الشعب بالوقوف وراءها، في الوقت الذي نفت فيه الوحدات علاقتها بمنفذي هجمات أنقرة، ودعت المجتمع الدولي لتكثيف جهوده في مكافحة الإرهاب. وترفض تركيا قيام كيان كردي في سوريا وتطالب بإنشاء منطقة عازلة تمتد من بلدة الراعي غرباً على أطراف حلب وصولاً لمدينة جرابلس قرب نهر الفرات شرقاً، وهو أمر مثير للجدل يصفه المسؤولون الأكراد بالعداء التركي. فتركيا تقوم بقصف مواقع قوات سوريا الديمقراطية التي تحارب تنظيم الدولة والفصائل الإسلامية في حين أنها تمتنع عن قصف مواقع التنظيم والإسلاميين المتشدّدين.
ويرى محللون أكراد إن تركيا تحاول من خلال اتهاماتها تلك كسب التدخل العسكري في سوريا ضدهم، مبررين ذلك إن حزب العمال الكردستاني طوال فترة صراعه الطويلة مع الحكومة التركية لم يستهدف المدنيين والعسكريين داخل المدن التركية، ولم يقم بعمليات انتحارية أو تفجيرات، فقد كانت بنادق العمال الكردستاني موجهة ضد الجنود الأتراك المشاركين في معركة يصفها العمال الكردستاني بمعركة «حياة أو موت». وكان بريت ماكغورك ممثل الرئيس الأمريكي باراك أوباما ومنسق الحملة الدولية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، قام بزيارة رسمية لمدينة كوباني منذ أسابيع وألتقى بمسؤولين أكراد فيها، وكان محور اللقاء مشروع تدريب المعارضة السورية المسلحة في منطقتي كوباني والجزيرة، وهو أول مسؤول أمريكي رفيع المستوى يزور كوباني منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا منتصف آذار/مارس 2011. ويعتبر المسؤولون الأكراد هذه الزيارة بمثابة مرحلة جديدة خاصة وإن المبعوث الامريكي وصل إلى كوباني مباشرة ولم تتم زيارته عن طريق تركيا، فقد حطت مروحيته في كوباني من مدينة أربيل وفقاً لمصادر عسكرية كردية دون أن تُنشر أي صورة للمبعوث الأمريكي خارج مدينة كوباني، ما يعني بالفعل أنه وصلها دون المرور بتركيا أو مدن كردية أخرى.
تخوف من سيطرة الأكراد على المناطق الحدودية
ومن المتوقع أن تسوء العلاقات السياسية الروسية ـ التركية أكثر فيما لو سيطرت قوات سوريا الديمقراطية على مدينة اعزاز، وهذا ما لا يستبعده المحللون الأكراد. فالكاتب والصحافي الكردي السوري خورشيد دلي، المختص في الشؤون الكردية والتركية، قال لـ «القدس العربي»: «لا يمكن النظر إلى تقدم قوات سوريا الديمقراطية في ريف حلب الشرقي وتطلعها إلى السيطرة على بلدة اعزاز التي تحتل مكانة كبيرة لدى تركيا دون النظر إلى مسألتين».
وأضاف «الأولى، الدعم الأمريكي لهذه القوات، فضلاً عن الموافقة الروسية بعد أن وصلت الخلافات الروسية ـ التركية بشأن الأزمة السورية إلى مرحلة حساسة جدا، أما الثانية، فهي طبيعة هذه القوات من حيث كونها تشكل فرقا قومية، إذ انها تضم فصائل كردية وعربية وسريانية وأرمنية وتركمانية، بمعنى انها أبعدت الحساسية القومية الكردية ـ العربية التي كانت يمكن ان تشكل عاملا معيقا لهذا التقدم. وفي ضوء العاملين السابقين ينبغي النظر إلى ان هدف هذه القوات سيشمل السيطرة على كافة المناطق الحدودية مع تركيا ولا سيما اعزاز وجرابلس، وهو ما يعني اخراج الفصائل المسلحة المرتبطة بتركيا والسعودية من معادلة الصراع على الأرض في المنطقة الحدودية».
وتابع «لعل هذا ما يفسر سبب الحساسية التركية التي تتجاوز الإحساس بخطورة صعود العامل الكردي على حدودها الجنوبية واحتمال انتقال خطره إلى الداخل التركي، إلى الإحساس بخسارة استراتيجيتها في الأزمة السورية التي اعتمدت على استخدام المجموعات المسلحة لإسقاط النظام السوري. وبسبب هذه الخسارة باتت تهدد بعملية برية مشتركة مع السعودية في الأراضي السورية بحجة محاربة تنظيم الدولة لكن ينبغي النظر إلى ان ثمة عقبات ومخاطر كثيرة تعترض مثل هذا الخيار، فأولاً ليس هناك قرار دولي بهذا الخصوص، وثانيا ليست هناك موافقة أمريكية وأطلسية على القيام بمثل هذه العملية. كما ان الجيش التركي نفسه اشترط القيام بمثل هذه العملية وجود قرار دولي وهذا غير متوفر، فضلاً عن ان مخاطر القيام بعملية عسكرية كثيرة، إذ ان مثل هذه العملية قد تشرع الباب أمام صدام سعودي تركي مع روسيا وإيران، بما يعني الانفتاح على المجهول».
ويعتقد إنّ «من يتابع سلوك قوات سوريا الديمقراطية رغم القصف التركي واعتبار اعزاز خطا ً أحمر جديداً، لا بد ان يعتقد ان هذه القوات ستواصل تقدمها ليس من أجل السيطرة على اعزاز، وانما للوصول إلى ما بعد عفرين، أي إلى البحر، وهنا لا ينبغي النظر إلى التقدم الذي يحصل بوصفه منجزا كردياً، بل بوصفه منجزا لقوى سورية ربما تطرح نفسها بديلة للمعارضة الحالية بحكم موقعها على الأرض. واعتقد ان مثل هذا الخيار ليس بعيدا عن الفهم الأمريكي والروسي لكيفية حل الأزمة السورية، وربما الاشارة الاولى إلى الأمر ستأتي من طبيعة القوى التي ستشارك في مفاوضات جنيف المقررة في الخامس والعشرين من الشهر الجاري».
وتجدر الإشارة إلى أن تركيا تخشى قيام كيان كردي شمال سوريا على الرغم من أن الإدارة الذاتية المدنية التي أعلن عنها حزب الاتحاد الديمقراطي «الكردي» أواخر عام 2013، تشارك فيها مختلف المكونات السورية من الكُرد والعرب والتركمان نتيجة ارتباطات حزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا بحزب العمال الكُردستاني في تركيا وفقاً لمسؤولين أتراك، على الرغم من أن المسؤولين الأكراد في الحزب ينفون هذا الأمر، فيما يحاول المقاتلون الأكراد توسيع مناطق سيطرتهم في الشمال السوري بالتزامن مع تقدمهم في ريف حلب الشمالي، حيث أعلنوا مؤخراً عن معركة تحرير بلدة الشدادي بريف محافظة الحسكة من تنظيم الدولة.