التدخل التركي في سوريا: محاربة الإرهاب في منابعه قبل التحول للدفاع عن أنقرة وإسطنبول

حجم الخط
1

إسطنبول – «القدس العربي»:: بعد أن كان الحديث يدور في بدايات الثورة السورية عن تدخل تركي لإسقاط نظام الرئيس السوري بشار الأسد، تحولت مخططات أنقرة إلى محاولة الحصول على غطاء دولي للبدء بعملية عسكرية لمحاربة خطر الإرهاب المباشر عليها في منابعه ـ خاصة في سوريا ـ قبل التحول إلى موقع «الدفاع» عن العمق التركي في العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول.
محللون سياسيون أتراك وعرب شددوا على ضرورة التدخل التركي لإنقاذ ما تبقى لنفوذ أنقرة السياسي والأمني في سوريا، لكنهم شددوا على أن الحكومة التركية لا تستطيع الدخول في مغامرة سياسية وعسكرية مع محور ـ الأسد وإيران وروسيا ـ في سوريا بدون الحصول على غطاء دولي قوي، وهو ما لم تنجح أنقرة في توفيره منذ بدء الثورة السورية حتى اليوم.
ومع تزايد التكهنات بشكل غير مسبوق عن احتمال بدء الجيش التركي عملية برية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا، انفجرت سيارة مفخخة، الأربعاء، في حافلات نقل جنود أتراك قرب رئاسة هيئة الأركان في قلب العاصمة أنقرة، الأمر الذي أدى إلى مقتل 28 شخصاً وإصابة العشرات، في هجوم اتهم مسؤولين أتراك حزب العمال الكردستاني التركي والاتحاد الديمقراطي الكردي السوري بالمسؤولية عنه.
وعقب التفجير فُتح الباب واسعاً أمام تساؤل وتكهنات جديدة، أبرزها هل سيدفع التفجير الحكومة التركية إلى تسريع وتوسيع تدخلها في سوريا لمواجهة التحديات المتعاظمة القادمة لها من سوريا، أم سيدفعها للتراجع عن مخططاتها وإعادة حساباتها خشية تنفيذ المزيد من الهجمات في الداخل التركي؟.
الكاتب والباحث في الشأن التركي سعيد الحاج أكد على أن التدخل الروسي في سوريا في ايلول/سبتمبر الماضي ضيق هامش المناورة العسكرية – الإستراتيجية التركية فيها إلى أبعد الحدود، وإن التوافق الأمريكي – الروسي على خريطة طريق للحل قد همّش كثيرًا القوى الإقليمية الداعمة للمعارضة، لافتاً إلى أن التطورات في كل من اليمن وجنوب شرقي تركيا ألهت كلًا من السعودية وتركيا بملفات داخلية شائكة ومتفاعلة وقلصت من إمكاناتهما للمبادرة خارج الحدود.
وقال الحاج في تصريحات خاصة لـ»القدس العربي»: «أي مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا ستكون مغامرة خاسرة في الميزان العسكري والإستراتيجي سيما في ظل الموقف الأمريكي – شمال الأطلسي المتحفظ، فضلًا عن أنه قد يرقى فعليًا لدرجة الاستدراج والتوريط أكثر من كونه مبادرة فاعلة ومؤثرة» معتبراً أنه «بعد كل التطورات الأخيرة في سوريا غدت كل من أنقرة والرياض في موقع الدفاع لا الهجوم، لمحاولة إيقاف تدهور الأوضاع وانعكاساتها عليهما، ولتقليل الخسائر قدر الإمكان».
ولفت إلى أن «أي تدخل بري من تركيا أو السعودية لا يمكن أن يكون منفردًا دون غطاء دولي عبر قرار من مجلس الأمن، أو على الأقل تحت سقف التحالف الدولي، وهو ما لا يمكن تصور وقوعه حاليًا» مؤكداً أن أسهل الخيارات المطروحة أمام تركيا والسعودية تتمثل في «رفع مستوى التنسيق بينهما لحالة تحالف إستراتيجي، وتوحيد المعارضة السورية، السياسية والعسكرية، وخرق السقف الأمريكي بإيصال أسلحة نوعية وتحديدًا مضادات الطائرات للمعارضة السورية، ما يعينها على تحييد سلاح الطيران جزئيًا، دعمًا لصمودها وحماية لداعميها في نهاية المطاف».
وفي إشارة إلى تعاظم المخاوف التركية من التوسع المتسارع للوحدات الكردية على حدودها مع سوريا، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان: «لن نسمح بإقامة قنديل (جبل يضم معسكرات منظمة بي كا كا على المثلث الحدودي مع العراق وإيران) جديد جنوب حدودنا، ولن نسمح أبداً بالأمر الواقع الذي تحاول منظمة «ب. ي. د» أن تفرضه شمالي حلب». وأكد أن كل من لا يتفهم ويحترم موقف تركيا بخصوص سوريا «سيدفع الثمن» مشدداً على أن تركيا ليست بلداً ينسحب أو يستسلم أمام الأسلحة الموجهة إليه، وموضحاً أن «موقف تركيا حيال سوريا هو دفاع عن النفس، لذلك فكل خطوة اتخذتها مشروعة» – في إشارة إلى قصف القوات التركية أهدافاً لـ «ب. ي. د» في سوريا.
الصحافي والمحلل السياسي إبراهيم العلبي توقع وجود تحركات تركية فعلية للقيام بعمل ما في سوريا، لكنه اعتبر أن الموقف الأمريكي ما زال العائق الأكبر أمام أي تحرك سعودي أو تركي في سوريا.
وقال لـ»القدس العربي»: «الموقف الأمريكي لا يزال على حاله في رفض الحل العسكري ضد النظام، وتقاوم بشكل متواصل كل عروض الحلفاء والأطراف الإقليمية المعنية بالملف السوري في هذا الصدد، ولهذا السبب يبحث الأتراك والسعوديون عن عمل ما لتقوية المعارضة وتعزيز موقفها ضد النظام ولكن فقط من بوابة الحرب على داعش وهي اللغة الوحيدة التي تفهمها واشنطن هذه الأيام».
من جهته، شدد المحلل السياسي التركي باكير أتاجان على ضرورة التحرك بأسرع وقت لمواجهة الإرهاب في منبعه، قائلاً: «لا بد من التدخل، بعد وصول التفجيرات ليس لقلب تركيا فقط وإنما قلب العاصمة وبجانب رئاسة الأركان والبرلمان والوزارات والجيش يجب أن يتم التدخل البرى الآن، وإذا لم يحدث الآن متى سيحدث؟».
وأضاف لـ «القدس العربي»: «إذا لم تتدخل تركيا الآن ستكون الخاسر الأكبر.. لا بد من التحرك الفعلي في سوريا وأي بلد آخر يشكل تهديداً على تركيا».
في السياق ذاته، رأى الصحافي والمحلل السياسي التركي محمد أون ألمش أنه «بات من اللازم على تركيا أن تتحرك بأسرع وأقوى طريقة لمواجهة التهديدات قبل ان تضطر لمواجهتها على أرضها». وأضاف في تصريحات خاصة لـ «القدس العربي»: «على تركيا أن تفكر بأمنها واستقرارها في اتخاذ قرار المواجهة بدون الركون كثيراً إلى المجتمع الدولي الذي يحاول عرقلة جهود تركيا في محاربة بعض التنظيمات الإرهابية مثل وحدات حماية الشعب الكردية».
والجمعة، واصلت المدفعية التركية دكّ مواقع تنظيم الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، في محيط مدينة اعزاز، بمحافظة حلب شمالي سوريا، واستهدفت المدافع التركية المتمركزة على الشريط الحدودي مع سوريا، مواقع التنظيم في مطار «منّغ» العسكري جنوب غربي اعزاز، إضافة إلى استهداف نقاط تابعة لعناصر التنظيم في قرية عين دقنة الواقعة بين قرية مرعناز، وبلدة تل رفعت.

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية