تغييرات العائلة المالكة السعودية… كابوس بوتين وأوباما

حجم الخط
5

في 23 يناير 2015 تمت مبايعة الملك سلمان بن عبد العزيز ملكاً على المملكة العربية السعودية، لتبدأ معه سياسة إقليمية جديدة لم تكن لتخطر على بال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والولي الفقيه الإيراني علي خامنئي وخلفهما الرئيس الأمريكي باراك أوباما.
مع بداية عام 2013 والفترة الرئاسية الثانية للرئيس أوباما كانت الخيارات السياسة الخارجية الأمريكية قد استقرت على التجاهل التام لكل مشاكل الشرق الأوسط، مهما بلغ حجمها ومهما اتسعت آثارها ومضاعفاتها، لدرجة أن الرئيس الأمريكي لم يفعل شيئاً في شهر أغسطس 2013 بعد استخدام النظام السوري الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين في الغوطتين الشرقية والغربية، والذي كان قد وضع بنفسه خطاً أحمر لاستخدامها. وكان رأي الإدارة الأمريكية قد فضل إحالة الملف السوري إلى روسيا لحل الموضوع بالطريقة
التي تراها مناسبة، باعتبار سوريا منطقة نفوذ روسية منذ عشرات السنين، المهم أن يريحوا إدارة أوباما منها.
وفي تلك الفترة نفسها كان التمدد الإيراني قد بلغ مداه، فحكومة المالكي تواصل سياستها وجرائمها الطائفية الاستفزازية في العراق، رغم مظاهر استياء العرب السنة التي طفت على السطح. والميليشيات الشيعية التي ترسلها إيران توسع تدخلها في سوريا وعلى رأسها «حزب الله» والعراقيون الذين يتم تنظيم إرسالهم عبر حكومة المالكي نفسها، وتقوم بعمليات تطهير عرقي في مناطق واسعة في سوريا، بينما في لبنان تم التسليم التام بسيطرة المحور الإيراني على مفاصل الحياة السياسية اللبنانية، وفي اليمن استمر التمدد الحوثي حتى سيطر على أغلبية الأراضي اليمنية. وصرح قادة إيران أنفسهم بأن دولتهم العظمى تسيطر على أربع عواصم عربية، كما سيطرت شعارات الثأر القومي والطائفي على إعلام المحور الإيراني. وفي هذا الوقت كانت الإدارة الأمريكية تبرر تجاهلها للسلوك الطائفي والتوسعي لدولة ولاية الفقيه، عبر الادعاء بأنها تركز الآن على نجاح المفاوضات النووية مع إيران. في عام 2014 كان الملك سلمان وليا للعهد ووزيرا للدفاع، وكان على ما يبدو غير راض تماما عن ثقة
الملك عبد الله بالتطمينات والتعهدات الأمريكية، وهناك مؤشرات إلى أن هذه المواقف كانت معلنة ومعروفة للقادة الإقليميين، لأنه عند وفاة الملك عبد الله كان من ضمن المعزين الرئيس التركي أردوغان وأمير قطر تميم، وهما أيضا غير راضيين عن التمدد الإيراني والصمت الأمريكي الأقرب للتواطؤ، بينما تأخر لأيام وصول الرئيس المصري والإماراتي، اللذين يشتركان باعتبار الإسلام السني السياسي هو الخطر الأول بالنسبة لهما وليس التمدد الإيراني.
كان من الواضح أن بعض التغيرات ستطرأ على الموقف السعودي بعد وصول الملك سلمان للسلطة، ولكن حجم هذا التغيير لم يتوقعه أحد، فبعد شهرين فقط في 26 مارس 2015 بدأت الطائرات السعودية والتحالف الذي
شكلته المملكة بقصف الوحدات العسكرية للحوثيين وحلفائهم في عملية سموها «عاصفة الحزم»، وهذا تصرف نادرا ما تلجأ إليه المملكة السعودية التي تتبع عادة سياسة يمكن تصنيفها معتدلة ورصينة، وكان حسن نصر الله قد وصف الدول العربية، قبل هذا التدخل السعودي، بالتنابل والكسولين والفاشلين، وما على المسلمين والعرب سوى الارتماء في أحضان إمبراطورية إيران العظمى. أربكت هذه العملية إيران والروس والأمريكيين خصوصا، الذين لم يخطر أبدا على بالهم أن تتصرف السعودية على هذا النحو، ورغم كل الحملات الإعلامية التي شككت بهذه الحملة وأبواق الممانعة الذين بدأوا بالترويج للخسارة السعودية المحتومة وعن الكيفية التي ستنزل بها السعودية «عن الشجرة» التي صعدت عليها، بدون إدراك للعواقب حسب وصفهم، إلا أن الحملة أصبحت اليوم على أبواب نصرها الحاسم على الحوثيين وحلفائهم وتم التأكد من أن التهديدات الإيرانية وقتها لم تكن سوى ظواهر إعلامية صوتية. أما في الوضع السوري ففي شهري مارس وأبريل، ونتيجة زيادة الدعم الإقليمي، وبالتحديد السعودي للمعارضة السورية، تم تحرير عشرات المواقـــــع والحواجز الكبيرة، بينها مدن إدلب وجسر الشغور وبصرى الشام ومعبر نصيب. كانت هناك مؤشرات واضحة على مدى الضعف والإنهاك الذي وصل إليه النظام السوري، رغم الدعم الإيراني، ما دفعهم للخيار الأخير وهو دخول روسيا بنفسها الحرب لدعم نظام الأسد.
كانت الساحة السياسية في الدول الإقليمية عام 2014 مقسمة حسب رؤيتها للموضوع السوري إلى ثلاثة محاو : المحور الإيراني، ويتضمن العراق ولبنان بشكل مكشوف وخلفهم دول أخرى بشكل غير معلن. ومحور معتدل تمثله الأردن والإمارات ومصر، وتعتبر السعودية قريبة جدا منه. ومحور يتبنى مواقف أكثر وضوحا تجاه نظام الأسد ويتضمن تركيا وقطر. وكان الإعلام الإقليمي والعالمي، خاصة الأمريكي يعتبر المحور الأخير
ذا طابع إسلامي مع ترويج دائم لشكوك وروايات عن دعم هذا المحور للإسلاميين المتطرفين، بمن فيهم «داعش» و«النصرة». ولكن في عام 2015 ومع انضمام السعودية بثقلها البشري والاقتصادي وسياستها المعتدلة لهذا
المحور ترتب عليه الكثير من النتائج، فلم يعد بإمكان المصريين والإماراتيين والأردنيين المجاهرة بمواقفهم الملتبسة بدعم الثورة، كما أن الإدارة الأمريكية نفسها أصبحت في موقف أكثر إحراجا لدى تبرير سياستها المتواطئة مع الموقف الروسي والإيراني، ووصلت الأمور إلى عدم ذهاب الملك سلمان لقمة كامب ديفيد بين الرئيس الأمريكي ورؤساء دول مجلس التعاون الخليجي لشرح السياسة الأمريكية، بعد الاتفاق النووي، بل لم يذهب سوى اثنين من قادة هذه الدول في حين غاب عن القمة أربعة قادة. وفي الوقت نفسه قامت الحكومة السعودية الجديدة بنشاط سياسي كبير تجاه الموضوع السوري، وأمسكت بزمام المبادرة ونالت دعما واضحا من بعض الدول الأوروبية المستاءة من اللامبالاة الأمريكية، وعلى رأسها فرنسا، وبدرجة أقل بريطانيا وألمانيا، ما أدى لتشكيل محور واسع لديه رؤية محددة عن أن الحل السياسي يعني انتقال السلطة، ولا يوجد أي دور لمن ارتكب كل هذه الجرائم، أي نظام الأسد في مستقبل سوريا، بالإضافة لذلك شكلت السعودية تحالفا إسلاميا واسعا لمحاربة التطرف وهو الموقف المنطقي، إذ لا يمكن محاربة التطرف السني بواسطة المتطرفين الشيعة، الذي يصبح كصب الزيت على النار، كما أن السعودية تضغط اليوم لتوسيع مشاركتها بالحرب على «داعش» عبر إرسال قوات برية، ولن يكون من السهل رفض ذلك وقبول الوجود الإيراني والروسي في الوقت نفسه.
ومن ناحية أخرى عندما بدأت بوادر تراجع أسعار النفط بفعل زيادة المعروض، رفضت المملكة أي نقاش حول تخفيض الإنتاج، باعتبارها أكبر مصدر للنفط في العالم والدولة الرئيسية بمنظمة أوبك، حيث أن إنتاجها
يشكل 1/3 إنتاج كل المنظمة، ما دفع الأسعار لهبوط تاريخي مستمر حتى اليوم، وما ترتب عليه من ضغوط كبيرة على الاقتصاد الروسي والإيراني.
عند إجراء عملية جرد حساب عما فعلته السعودية خلال السنة الأولى من عهد الملك الجديد، نرى روسيا وإيران وقد تورطتا تماما بشكل واسع في الموضوع السوري وبموقع الدفاع العسكري والسياسي عن نظام عائلي طائفي لديه سجل هائل من الجرائم ضد الإنسانية، لا يستطيع أي طرف القفز فوقها مهما كان، مع وضع اقتصادي بالغ الضعف لدرجة الخطر، لكن الانعكاس الأهم للسياسة التي اتبعتها السعودية خلال هذا العام كان بوضع الإدارة الأمريكية أمام امتحان لتوضيح موقفها الحقيقي من الموضوع السوري، وهذا ما حاولت الإدارة الالتفاف عليه طويلا عبر خطابات وبيانات تصب بجهة، وأفعال تصب في جهة أخرى. أداء السعودية خلال السنة الأولى من حكم الملك سلمان كان كابوسا حقيقيا لبوتين وخامنئي وبدرجة أكبر للإدارة الأمريكية، حيث فضح ازدواجيتهما حتى أن أحد الصحافيين الأمريكيين المرموقين كتب في «النيويورك تايمز» قبل أيام: «سوريا الآن هي عار إدارة أوباما».

٭ كاتب سوري

د. عماد بوظو

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية