حلفاء أمريكا في سوريا يواجهون بعضهم البعض وحرب بالوكالة تجري بين «سي آي إيه» والبنتاغون…

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: طوال الحرب الأهلية السورية التي ستدخل الشهر المقبل عامها السادس لم تكن بلدة أعزاز سوى نقطة إنطلاق نحو الحدود التركية التي لا تبعد عنها سوى 3 أميال، فإليها تصل المساعدات العسكرية ومنها ينقل جرحى الحرب الوحشية لتلقي العلاج في المؤسسات الطبية على الجانب الآخر من الحدود.
ولم يتغير وضعها عندما سيطر عليها مقاتلو تنظيم «الدولة» لمدة ستة أشهر عام 2013 حيث ظلت الإمدادات تصل وظل الجرحى يغادرون. وحتى عندما تغيرت طبيعة النزاع إلى صراع دولي لم يطرأ تغير على الدور الذي لعبته أعزاز. قبل اسبوعين تغير كل شيء وذلك عندما حاولت قوات حماية الشعب الكردي التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي التقدم نحوها والسيطرة عليها، فعندها أصبحت أعزاز ساحة الحرب الرئيسية.
وسيقرر مصيرها وجهة الحرب ويترك آثاره على النزاع وتركيا وأبعد منها خاصة أن أنقرة استثمرت كثيراً في الحرب ودعم المعارضة وأصبحت أكثر عرضة للتغيرات التي تجري عليها منذ ان قرر القادة الأتراك دعم انتفاضة عام 2011 ضد نظام بشار الأسد.
ويصف مراسل صحيفة «أوبزيرفر» مارتن شولوف الصراع على أعزاز بأنه «لعبة عروش» تتقاتل فيها القوى للسيطرة على المناطق الواقعة جنوب المدينة التاريخية وشمالها خلف الحدود مع تركيا التي لم تعد تسيطر على المنطقة منذ نشوء الدولة التركية الحديثة.

حالة غضب

ويقول مسؤولون عرب يعملون في غرفة العمليات المشتركة في جنوبي تركيا إنهم لم يشاهدوا ضيوفهم الأتراك في حالة غضب مثل اليوم. وبدأ كل هذا في الأيام الأولى من شباط/فبراير عندما بدأت الطائرات الروسية بقصف مواقع المعارضة بين حلب وأعزاز.
وأدى القصف ضد الجماعات المعارضة لموجة لجوء جديدة إلى أعزاز لا يزال معظمهم يقيم حولها في مخيمات بدائية. وأثار قلق المسؤولين الأتراك تطور آخر وهو تحرك الجيش التابع للنظام والقوات المتحالفة معه مثل حزب الله والميليشيات المقبلة من العراق وإيران وأفغانستان. لكن تحرك الميليشيات الكردية هو الذي أثار قلق الحكومة التركية.
وينقل عن مسؤول غربي قوله «القلق لا حد له» يحاول الأكراد عملها هذه المرة، وتركيا غاضبة جداً.
ويقولون لنا أنتم خلقتم كل هذا من خلال التحالف مع الأكراد في الحرب ضد تنظيم «الدولة» والتغاضي عما تفعله روسيا».
ويعلق شولوف أن الغضب التركي يغلي منذ عام 2014 عندما بدأت الولايات المتحدة باستخدام وحدات حماية الشعب في شمال – شرق سوريا ضد تنظيم «الدولة»، فيما قامت قوات التحالف الدولي بقيادة واشنطن بتوفير الحماية لها.

خلاف حول الأولويات

ويعلق الكاتب هنا أن الأكراد أصبحوا «رصيداً» للغرب في ضوء صعود تنظيم «الدولة» الذي أصبح يمثل تهديداً خطيراً على الشرق الأوسط والعالم.
ويقول إنهم، أي الأكراد أثتبوا قدرتهم عندما ساعدوا في تحرير الأزيديين المحاصرين في جبل سنجار، شمالي العراق.
ويضيف أن تركيا رفضت السماح للتحالف الدولي استخدام قاعدتها الجوية في إنجرليك وأكدت على تهديد الأكراد لأمنها. ويرى أن الخلاف بين تركيا وحلفائها في الناتو هو خلاف على الأولويات، فلا فرق حسب واشنطن بين التهديد الذي يمثله تنظيم «الدولة» على الأمن العالمي وما يشكله تنظيم محلي إثني.
وفي الوقت الذي جادلت فيه أنقرة الغرب حول استخدام قواعدها العسكرية تحرك الأكراد وعززوا سيطرتهم على معظم المناطق الشمالية في سوريا وتحركوا أبعد قريباً من الرقة. وبحلول صيف عام 2015 اكتشفت أنقرة أن الأكراد استفادوا من الفوضى السورية ودعم حلفاء أنقرة الغربيين لهم لتعزيز مكاسبهم الحدودية. وسيطر الأكراد على عفرين في شمال- غرب أعزاز حيث تفصل بينهما مساحة طولها 100 ميل. وقاد هذا تركيا في تموز/يوليو لتغيير موقفها من استخدام قواعدها العسكرية مقابل منطقة آمنة تمنع سيطرة كردية كاملة للأكراد على منطقة الشمال. لكن الولايات المتحدة لا ترى مصلحة الآن في منع الأكراد وهؤلاء لم يتحرجوا من التحالف مع قوات الأسد. وفي الوقت الذي تعاون معهم الروس في غرب البلاد تحالف الغرب معهم في شرقها. ولم يستطع الأكراد التقدم بدون الدعم الجوي الروسي لهم، فبعد السيطرة على قاعدة منغ الجوية تحركوا الشمال نحو منطقة طولها 60 ميلاً لم يكن لهم فيها وجود قوي من قبل، أي نحو أعزاز. ويقول دبلوماسي غربي «ما يجري في أعزاز هو من فعل الروس. ففي الوقت الذي يشتكون فيه في مجلس الأمن ضد تركيا يعملون ما بوسعهم لاستفزاز الوضع».
ويرى الكاتب أن مقامرة روسيا تقوم على افتراض أن «عضة تركيا لا تتناسب مع نباحها». وتوترت العلاقات بين البلدين منذ إسقاط الأتراك الطائرة الروسية في تشرين الثاني/نوفمبر.
وتدعم موسكو إيران التي تقود تحالفاً من الميليشيات الشيعية وتقود المعركة حول حلب. ويعلق شولوف أن المحور المؤيد للأسد في تقدم لأول مرة وليس لدى تركيا ما يمكن وقفه في الشمال سوى القيام بقصف الأكراد وتحذيرهم من الإقتراب من أعزاز.
وهناك تقارير عن دخول 900 مقاتل من المعارضة السورية ونشر مقاتلات سعودية في قاعدة إنجرليك.

استثمار السعودية

وفي المقام نفسه استثمرت السعودية بشكل كبير في المعارضة السورية وزودتها بصواريخ مضادة للدبابات وهي السبب الرئيسي وراء التدخل الروسي. ونقل عن مسؤول عربي بارز قوله «ذهب الإيرانيون إلى موسكو وقدموا لبوتين صورة عما يجري، فقام بإرسال مقاتلاته إلى اللاذقية في غضون اسبوع».
ولهذا السبب يشعر الأتراك والسعوديون بالغضب من الولايات المتحدة. ويعلق مسؤول سعودي منتقداً الأمريكيين «لم يفعلوا شيئاً بل تقوية بوتين».
وتساءل «هل هذا عقم أم مجرد استراتيجية لإجبار أعدائهم على قتال بعضهم البعض في هذا الجزء من العالم؟ هل يعتقدون أنه يمكنهم التخلي عن مسؤوليتهم عن هذا؟».
ويعتقد السعوديون أن التغير في طريقة إظهار الولايات المتحدة قوتها في المنطقة هو سبب التطورات الحالية في سوريا. ولا يبدو أوباما في العام الأخير من ولايته مهتماً بتغيير المسار في نزاع طال أمده. ويقول مسؤول سعودي «يعتقد أنه يستطيع تجنب فعل أي شيء» وبالتأكيد فلن يفعل وهو يقف. ولدى أنقرة المواقف نفسها فهي تشك في الدعم المباشر لوحدات حماية الشعب في الشرق والدعم التكتيكي لروسيا في الغرب وأن وراءه خطة أمريكية. ومع استمرار الغارات الجوية الروسية لا تظهر موسكو اهتماماً بضرب تنظيم «الدولة» فيما يواصل بوتين الاستمتاع بالحرب من خلال التلاعب بالأكراد وإزعاج تركيا وتعزيز موقف النظام. وفي حالة تعرضت بلدة أعزاز لتهديد حقيقي فقد تتغير معالم اللعبة. وعلق أحمد داوود أوغلو، رئيس الوزراء التركي أن «وحدات حماية الشعب تخدع نفسها إن شعرت أنها تتحدانا أكثر، وهم حمقى» إن فكروا بهذه الطريقة. وما سيجري في هذه المنطقة من سوريا سيقرر مسار الحرب. ومن سيربجها بيده القرار. وفي الوقت الحالي من يقرر هم الروس ولكنهم يلعبون لعبة خطيرة. والأخطر منها هي اللعبة الأمريكية الحالية.

مارع

وفي هذا السياق كتب ريتشارد سبنسر محرر شؤون الشرق الأوسط بصحيفة «دايلي تلغراف» قائلاً «لو أظهر مكان نتائج السياسة الخارجية الأمريكية في ظل الرئيس باراك أوباما فلن يكون أوضح من البلدة الصغيرة مارع، شمالي حلب».
ففي السنوات الخمس الماضية شاهدت دبابات نظام السد تتقدم من الجنوب وهي ترمي القذائف على البيوت. وتعرضت للقصف المستمر من تنظيم «الدولة» في العراق والشام. وفي بعض الأحيان تعرضت للقصف من طيران النظام ومن الارض من مقاتلي تنظيم «الدولة». واليوم يواجه المقاتلون من المعارضة الذين يدافعون عنها تنظيم «الدولة»، قوات النظام والمقاتلات الروسية وعدواً جديداً وهي قوات حماية الشعب الكردي.
وهذه المرة جاءوا كلهم مرة واحدة. ويقول محللون ودبلوماسيون أمريكيون تركوا الإدارة غاضبين على مواقفها بأن احداث مارع والبلدات في الشمال هي نتاج سياسة أوباما دعم القوات المعارضة لنظام الأسد ولكن عن تردد. وقد أرسل الأسلحة لمقاتليها لكنه رفض مواجهة روسيا والنظام اللذين يملكان أسلحة متفوقة أكثر من المعارضة المسلحة.
وأضاف أوباما ان لكل هذا قراراً خلط الأوراق وهو دعمه للأكراد «فهو يريدهم لقتال تنظيم «الدولة» لكنهم يقومون بقتال كل من يقف أمام في طريق إنشاء دويلة لهم في شمال سوريا. وهذا يعني الآن مناطق المعارضة مثل مارع الواقعة بين الجزء الشرقي والغربي» للدويلة الكردية.

تاجر الحبوب

وتتلقى قوات حماية الشعب الكردي دعماً من الأمريكيين وتقوم بمهاجمة القوى نفسها التي تتلقى دعماً من الأمريكيين.
ونقل الكاتب عن طارق النجار، أحد القادة العسكريين في المنطقة قوله إن تنظيم «الدولة» حاول الهجوم على مارع في الوقت نفسه الذي كان فيه المقاتلون يخوضون حرباً ضد الحماية الشعبية.
وفي حالة سقطت البلدة بيد تنظيم «الدولة» أو وحدات حماية الشعب فسيكون بمثابة الكارثة ليس على أهل البلدة ولكن الولايات المتحدة. لأن المقاتلين فيها كانوا في قلب جهود أمريكا ودول الخليج بناء قوة موحدة. فالرجل الذي قاد الانتفاضة في البلدة كان تاجر حبوب اسمه عبد القادر الصالح الذي أنشأ «لواء التوحيد». وتحول لواحد من أقوى الفصائل المقاتلة في الشمال ولقي دعماً من الدول الغربية وتركيا وقطر. وعندما تعرض لهجوم من النظام زود بصواريخ «كونكورز» المضادة للدبابات. وظل لواء التوحيد رغم مقتل قائده مع فصائل أخرى يسيطر على شرقي حلب. ودخلت المواجهة بينها والنظام حالة من الجمود كسرها الدعم الروسي حيث تقدم النظام والأكراد على ظهر القصف الجوي الروسي لمناطق المعارضة.
ومنها مارع التي يخوض المقاتلون فيها معارك. ويرى المحلل تشارلس ليستر أن سقوط مارع والبلدة الحدودية أعزاز سيكون «كارثة معنوية» على المعارضة وكذاً إشارة عن الإستراتيجية الأمريكية. وقال «ما هو غير عادي هو تفضيل الولايات المتحدة للميليشيات الكردية المرتبطة بشكل لا يدعو للجدل مع المنظمة الإرهابية بي كي كي ويفضلها على حليف للناتو: تركيا».

حرب الوكالة

وفي الإطار نفسه كتب مايك غيغلو مراسل شؤون الشرق الأوسط في موقع «بازفيد» الأمريكي عن حرب وكلاء الولايات المتحدة في سوريا فيما بينهم. فهناك اليوم كتائب تتلقى الدعم من الحكومة الأمريكية تخوض حرباً ضد كتائب أخرى مدعومة من الأمريكيين. ويصور الحرب بأنها حرب وكالة بين وكالة الإستخبارات الأمريكية ـ سي آي إيه- ووزارة الدفاع الأمريكية ـ البنتاغون. أي حرب بين جماعات المعارضة السورية التي تدعمها سي آي إي ووحدات حماية الشعب الكردية التي تدعمها وزارة الدفاع (البنتاغون).
ويرى غيغلو أن التناقض في سياسة واشنطن تجاه سوريا انعكس على الساحة العسكرية حيث تخوض الولايات المتحدة نفسها حرباً بالوكالة. ونقل عن قائدة فرقة السلطان مراد، أحمد عثمان قوله «هذا أمر غريب ولا أستطيع فهمه» وكان يتحدث بعد تعرض مقاتليه لهجمات من الميليشيات الكردية في حلب. وتتلقى فرقة السلطان مراد مساعدات سرية ضمن برنامج تشرف عليه الإستخبارات الأمريكية (سي آي إيه). وتواجه فرقة السلطان الميليشيات الكردية. وتعتبر وحدات حماية الشعب الكردي من الفرق الرئيسية التي تعتمد عليها واشنطن في استراتيجية الكفاح ضد الإرهابيين وتنسق معها الغارات بشكل دوري.
لكن الأكراد استثمروا الفوضى التي خلفتها الطائرات الروسية والقوات التابعة للنظام في منطقة حلب وقاموا بالسيطرة على مناطق كانت تحت سيطرة المعارضة السورية المعتدلة. ودخلت هذه القوات رغم الإعتراض الأمريكي كما يقول الكاتب وبتشجيع من الروس قرى في محافظتي إدلب وحلب.
وتهدد هذه القوات بلدة أعزاز الحدودية مع تركيا والتي يتلقى عبرها المقاتلون أسلحة من تركيا. وقامت القوات التركية بعمليات قصف للمقاتلين الأكراد مما يثير مخاوف لحرب جديدة تدفع حلف الناتو للدخول فيها خاصة أن أنقرة هي عضو فيه. ويعلق غيغلو قائلاً «في الوقت الذي عبرت فيه أمريكا عن قلقها من القصف الروسي لجماعات المعارضة المعتدلة إلا أنها فشلت لوقف قوات حماية الشعب من الهجوم عليها».
وينقل عن الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أندرو تابلر تعليقه على التطورات الأخيرة بأنها «مشكلة كبيرة» ويضيف «هذه ليست سياسة فارغة ولكنها (واشنطن) تخسر التأثير لصالح روسيا حيث لم يعد أي طرف يستمع للطرف الآخر».
ويقول عثمان من فرقة السلطان مراد إن وحدات حماية الشعب حاولت دخول منطقتين واقعتين تحت سيطرة مقاتليه وهو ما قاد لمواجهة قتل فيها عدد من المقاتلين. وأضاف إن مجموعته أسرت 7 من مقاتلي الحماية الشعبية. وتتلقى فرقة السلطان مراد أسلحة من الولايات المتحدة يتم تنسيقها عبر غرفة عمليات في تركيا وتضم صواريخ مضادة للدبابات.
ويقول عثمان إنه قام باتصالات مستمرة مع المسؤولين الأمريكيين الذين يتعاون معهم «وعلى الأمريكيين وقف (الحماية الشعبية) ويجب عليهم إخبارهم أنهم يهاجمون جماعة ندعمها كما ندعمكم». ويضيف «لكنهم يراقبون ولا أفهم السياسة الأمريكية». وذكر مسؤولو ثلاث جماعات مقاتلة وهي الفرقة الشمالية وجيش المجاهدين والجبهة الشامية أنهم يخوضون مواجهات ضد الحماية الشعبية، وهذه جماعات تتلقى دعماً من غرفة العمليات في تركيا.
ويقول العقيد أحمد حمادة، من الفرقة الشمالية «هناك الكثير من الجماعات التي تتلقى دعماً (من غرفة العمليات) والتي تقاتل وحدات حماية الشعب».
وانتقد مسؤول في الحكومة التركية الولايات المتحدة وسياستها في سوريا «تسيطر وحدات حماية الشعب على أراض وقرى من جماعات تلقى الدعم من الولايات المتحدة». وأضاف «هذه جماعات لا تتلقى دعماً أمريكياً فقط بل وتدريباً».
وأضاف المسؤول أن الدعم الأمريكي للفصائل العربية تراجع فيما تستفيد وحدات حماية الشعب من الاهتمام المتزايد بها والذي تظهره كل من واشنطن وموسكو. وقال «لا يقدم الأمريكيون للمعارضة المعتدلة ما يكفي من المساعدات. ولا يقدمون لها الدعم السياسي» و»لا يمنعون قوات حماية الشعب من الهجوم عليهم» أي المعارضة المعتدلة. ويعلق «يقولون إنهم لا يسيطرون على وحدات الحماية الشعبية، وهذا هو الجواب الرسمي. وماذا أقول؟».

أوباما يدعو للتريث

وتتزامن الحرب بين حلفاء أمريكا مع مرحلة تبدو حاسمة في الحرب السورية وذلك بعد التقدم الذي احرزه تحالف النظام والميليشيات الشيعية والطيران الروسي ضد مقاتلي المعارضة السورية بشكل حفز كلاً من تركيا والسعودية على التهديد بحرب برية داخل سوريا. وزادت تفجيرات أنقرة في 17 شباط/فبراير من سيناريو التدخل. وقضى الرئيس الأمريكي باراك أوباما يوم الجمعة ساعة وعشرين دقيقة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغاون دعاه أُثناءها لضبط النفس. ونقل باتريك كوكبيرن، المعلق في صحيفة «إندبندنت أون صنداي» دبلوماسي في الشرق الأوسط قوله «يحاول الأتراك والسعوديون دائما دفع الولايات المتحدة لإرسال قوات برية إلى سوريا ولكنهما لن تقوما بتدخل عسكري واسع بنفسيهما».
ومع ذلك يرى الكاتب أن سياسة تركيا والسعودية تجاه سوريا تتسم بالتهديدات والتصريحات الصارخة وهي «زئبقية» في الوقت نفسه بشكل لا يستبعد أحد قيامهما بعملية عسكرية حتى لو لقيتا معارضة من روسيا والسعودية.
وفي المكالمة الهاتفية أكد أوباما على ضرورة عدم استغلال قوات الحماية الشعبية الوضع الذي خلقه تقدم النظام واحتلال مناطق جديدة. ومع ذلك يشكك الكاتب بتخلي واشنطن عن الأكراد بعد التقدم الجديد تحت مظلة ما يطلق عليها «قوات سوريا الديمقراطية» وهي وحدات حماية الشعب بمسمى آخر والسيطرة على بلدة الشدادي في محافظة الحسكة، شرقي سوريا.
ويزعم كوكبيرن نقلاً عن الدبلوماسي السابق أن هناك سبباً آخر يدعم بقاء التحالف الأمريكي- الكردي «ففي العام الماضي اكتشف الأمريكيون أن تركيا لن تغلق حدودها أمام تنظيم الدولة والجماعات الجهادية الأخرى من الجانب التركي» و»لهذا قرر الأمريكيون إغلاق الجزء الجنوبي/السوري بمساعدة من الأكراد السوريين». ورغم سوء تقدير إدارة أوباما لأهمية المكاسب التي أنجزها تنظيم «الدولة» خاصة بعد سقوط الموصل في حزيران/يونيو 2014 إلا أن خطواته حاولت تجنب الوقوع في شرك حرب محلية ونزاعات بين أطراف.

سياسة محسوبة

ويشير كوكبيرن إلى حوار أجراه مع ديفيد بترايوس في الموصل عام 2004 عندما كان يقود الفرقة 101 المحمولة جواً والمرابطة في الموصل عن نصيحة يمكن أن يقدمها لخلفه في قيادة الفرقة «لا تتحالف بشكل وثيق مع جماعات إثنية، سياسية، قبلية، دينية أو عناصر اجتماعية».
ويحاول الكاتب هنا تعميم النصحية على الموقف التركي الذي دعا لإنشاء مناطق آمنة في شمال سوريا لمواجهة الكارثة الإنسانية وفي الحقيقة كان الأتراك يرغبون بوقف سيطرة الأكراد على المناطق الحدودية.
ويشير إلى أن الأتراك دعموا جماعات متشددة مثل أحرار الشام وغيرها. وهو ما يذكر بأن معارضة معتدلة ليست موجودة في سوريا اليوم كما لم تكن موجودة في العراق عام 2003. ويقول إن حل الجيش العراقي بعد الغزو وإن جاء بقرار من الحاكم الأمريكي بول بريمر إلا أنه قام بالخطوة بناء على توصية من الأكراد والشيعة، وهو قرار ترك آثاره الخطيرة على العراق وعزل السنة. وفي السياق نفسه يشير إلى قرار أوباما عام 2013 التراجع عن قرار ضرب النظام السوري بعد استخدام الأسلحة الكيميائية.
ويعلق أن عدم المضي في الحرب كان مهماً لأن النظام كان يسيطر على معظم التجمعات السكانية ولهذا فحملة جوية كانت ستسير على المنوال نفسه حملة الناتو في ليبيا والنتيجة معروفة هي وصول الجماعات المتطرفة للسلطة.
ويذكر بموقف أوباما من وجود معارضة سورية معتدلة تستطيع استلام الحكم بعد رحيل الأسد بأنه «فانتازيا وأعتقد أن من المهم أن يفهم الشعب الأمريكي، واشنطن والمؤسسات الإعلامية هذا». ويقول كوكبيرن إن الإنتفاضة السورية مرت عبر ثلاث مراحل: مرحلة قصيرة في عام 2011 كان السكان هم من يقرر مسار الأحداث في بلدهم، وفي المرحلة الثانية (2012- 2014) لعبت القوى الإقليمية- تركيا وإيران والسعودية- دوراً مهماً.
وفي المرحلة الثالثة (2014-2016) تم تدويل النزاع. فظهور تنظيم «الدولة» وبدء التحالف الدولي بقيادة أمريكا حملاته الجوية ضد التنظيم وأخيراً التدخل الروسي في خريف العام الماضي.
وعليه أصبحت روسيا وأمريكا لاعبين مهمين في سوريا اليوم أما بالنسبة للسعودية وتركيا فمن الصعب عليهما تغيير دفة الأحداث، وهذا لا يمنع من محاولتهما فعل شيء.

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية