حيـاة

حجم الخط
0

يعرفُ نفسهُ جيداً، هو الآن ثقيلٌ فالجاذبيةُ عندهُ أعلى من معدَّلِها بكثير مقارنةِ مع الآخرينَ. هو مثقلٌ بطاقةِ الكونِ تجثمُ على صدرهِ بضغطِ كتلةِ نجمٍ هائلٍ، يقفُ الآنَ أمامَ شباكِ غرفتهِ ذي الأفقِ البعيدِ يتذكّر صورُها مندمجةً مع ألقِ الربيعِ.. تمرُّ أمامَهُ اللحظاتُ التي قضاها برفقتِها وكأنّها تحدثُ للتوِّ… وصورٌ أخرى كانَ يرغبُ في رؤيَتِها؛ ترقصُ كفراشةٍ من داخلِها متقدةً فرحاً مبتسمةً حوله بزهوٍّ ونضارةٍ… يقدّم كلَّ ما يستطيع لإسعادِ ونموِّ تلكَ البسمة على ثغرِها… لقد أصبح هذا من ماضيهِ الآن…
هو سعيدٌ بما استمتعَا به خلالَ تلك السنوات الثلاث عشرة.. عاشاها معاً بصدقِ روحِيهما والأويقاتُ الجميلةُ قضياها معا بلعبٍ وفرحٍ.
نعم.. إنه حزينٌ.. حزينٌ ومتألمٌ جداً… بداخله جمرٌ يستعرُ تحت الرماد.. يتحسّرُ على المستقبل الذي كان يمكنُ أن يملأهُ حنيناً وحبّاً.. أجهد نفسه بقسوةٍ صامتةٍ وحبٍّ غامرٍ ليحققَ أمنياتها، وبقناعة المقاتل الذي يدرك سؤدُدَهُ وصلابته في تحطيم المستحيل استطاع أن يحيا بفرحٍ مؤقتٍ.. كلّ ما كان يريدهُ ويحتاجُهُ هو حبّها المكنون في شغافِ قلبها الرقيق النابض بالسكينةِ والمحبّة مع كلّ خفقةٍ والمستعدِّ أبداً للعطاء. رغم صعوبة الحياة والأيام.. صعوبة الظروف والحرب المحيطة بهما يوقن أنّ الحبّ لا يهزم… هكذا فقط سافرا إلى قدرهما المحتوم.
أيقظهُ من شرودِه الغارق صوتُ ابنتهِ الملائكيِّ «غاردينيا»
بابا؟ أتلعب الشطرنج معي؟
حسناً أحضري رقعة الشطرنج بينما أغسلُ وجهي وأحضُر تبغي
جلسا متقابلين أمام رقعةِ الشطرنج وبدآ اللعبَ.

أتعرف بابا.. كانت أمّي تقولُ لي دوماً أنّك إنسانٌ رائعٌ لأنك مهما تعبتَ وأرهقتَ وكثُرت همومك تبقى معنا تبتسم وتضحك تلعب وتطلق النكات لتتركَ كل العذابات منسيةً خلفك.. عندما ذهبت ماما لمقابلة خالي سألتها عن تغير حاله ولِمَ لم يعد لزيارتنا ولا نراه في بيت جدي فأجابتني بحنانها المطلق: لا تقلقي يا صغيرة لأن خالك يحبنا وسنبقى بقلبه كما كنا دوماً، إنه يمر بظروفٍ خانقةٍ قد بدّلت شكله وثيابه، إلاّ أنّ روحه النقية تبقى كما عهدناها دوماً، يا بنيتي لقد انجرّ وراء بعضٍ من رفاقه وأبعدوه عن محبتنا لكنه سيعود إلينا ويتجاوز محنته بإذن الله. وربما يعود معي اليوم وينام عندنا، ما رأيك بذلك؟!
يلعب الأب بغضبٍ وينفث الدخان من سيجارته مطولاً.

أخبرتني كل ذلك قبل أن تخرج في ذلك اليوم وأجبتها والسعادة تملأُ قلبي: سأنتظركما في المساء…
لكن ماما كيف سيقبل والدي بذلك بعد أن قال عنه خالي إنه شخصٌ كافرٌ؟ أجابتني: يا صغيرتي الجميلة الخلافاتُ تحدثُ دائماً، لكنّ المحبة عليها أن تبقى ويجب علينا دوماً أن نسامح من نحبّ، ألم يعلمنا أبوك هذا؟ وخالك ما يزال صغيراً وليس في أحسن أحواله، يستمع لكلام الدجالين والمخادعين باسم الدين، ونسي أنّ الله محبّة والإيمان والخير هو بالسلام والحبّ كما يتعامل والدك مع الجميع وليس ما تقوله محطات التلفاز…

لقد قبلتني قبل أن تغلق الباب خلفها وأوصتني بالاعتناء بأخي الصغير وملاعبته في سريره وألاّ أصدر ضجّةً كي لا أوقظكما وأقلق راحتكما…
حرك ملكه وهو يستشيط غضباً
فحركت قلعتها وقالت لأبيها: كش ملك..

لا تغضب مني يا أبي ولكنّي سمعت جديّ يتحادثان ودموعهما تُوعِد أنهما لن يسامحا خالي لقتله أّمي. بابا: هل هذا صحيح… ألم تكن أمي تحبّ خالي وقد ذهبت لملاقاته لتساعده كما كانت تفعل في كلّ مرة؟ كنت أحبُّه، كنت أحبُّ خالي لكنه حرمني من أمي التي أحبّها أكثر.
كثيراً ما كانت تقول لي أنّه علينا أنّ نسامح الآخرين مهما اقترفوا من أخطاء فهم لا يدركونها في أغلب أوقاتهم، هذا ما علمّتها إياه وما علمّتني أيضاً.. لقد كنت تردد دوماً «لكي نستطيع الاستمرار في الحياة يجب أنّ تغمرنا المحبّة ونسامح من أخطأ في حقّنا ونترك للحياة أمر عقابهم». أليس هذا كلامك؟!.

جال في فكره كثيراً محاولاً أن يُخرِج نفسه من التناقض التي وضعته فيه ابنته غاردينيا راح يفكّر (هذه هي غاردينيتنا ورثت عن أمها جمالها وذكاءَها وأخذت مني أسلوب الحوار، وها هي الآن تحاول أن تخرجني من ألمي وحزني وصراخي الأخرس باستثمارها ما تعلمت من أمها ومني).
كسر صمته الطويل وقال لها مُطرقاً رافعاً صوته الدافئ:
حبيبتي غاردينيا: شكراً لك.. أقدّم أسمى اعتذاراتي لابتعادي عنك في الفترة الماضية.. أنت على حق في كلّ ما قلته… علينا أن نمضي بحياتنا… علينا أن نسامح خالك ونترك أمر عقابه للزمن فينال درسه الّذي يستحق.
ابتسم.. اغرورقت عيناه.. تعالي إليّ لأحضنك لقد اشتقت لك…
سمعا في هذه اللّحظة صوت بكاء غيفارة من الغرفة المجاورة… أخوك يبكي سأسرع لأرى ما به
انتظرني بابا سآتي معك لكن لحظة من فضلك… وحركت وزيرها…

شاه مات
«هذه أول مرّة تدعني أفوز عليكَ» وتطلق ضحكة انتصارها».
سُمِعَ صوت ضحكهِ في المنزل لأول مرّة منذ تسعة أشهرٍ.
دهشت فحتى الابتسامة لم ترها منذ ذلك اليوم..
ركضت.. أمسكت بيده وشدت عليها وعندما وصلا إلى سرير غيفارة الصغير رفعه أبوه إلى أعلى بيدين قويتين، آآآآآه… هذا الطفل ذو الخمس سنوات يحرك أطرافه كلها بقوةٍ في كل الاتجاهات…»لقد ورثت قوتك عني وورثت إرادتك وعنادك منها، لم تتركيني وحيداً.. لقد أهديتني أجمل ما في الوجود…غاردينيا وغيفارة؛ أعدك سأستمر لأجلهما…».
استدار نحو ابنته وسألها:
ما رأيك أن نذهب إلى البحر نحن الثلاثة؟
أجابته بسرعة
سأعدُّ سلة أغراض البحر التي كانت تحضّرها أمي..
حسناً.. وأنا سأعدّ باقي الأغراض ثمّ آتي لمساعدتك…
بعد أن انتهيا.. ركبوا السيارة وانطلقوا إلى البحر، هناك حيث كان ثلاثتهم يطفون فوق الماء يلعبون ويتراشقون بفرحٍ.. وكانت روح ياسمينة الجميلة تراقبهم بسعادة ترعاهم وتحميهم….

قاص سوري

عماد حلوم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية