كم من سكان دول المغرب العربي المئة مليون تذكروا أن هذا الاسبوع يصادف الذكرى السابعة عشرة لإعلان ميلاد إتحاد دول المغرب العربي؟
هناك الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الوفي لرسائله الجوفاء الموجهة سنويًا بالمناسبة للملك محمد السادس. وهناك بعض السياسيين والإعلاميين الذين، في الغالب، يستغلون حلول الذكرى لإعادة شحذ أحقادهم وروحهم التدميرية. لكن لا أحد من العامة ربما.
يجب بدايةً استثناء تونس وليبيا وموريتانيا من الموضوع كله، وحصر النقاش في الجزائر والمغرب لأنهما أصل المشكلة ومفتاح حلها.إلى أن يثبت العكس، يختار البلدان أن يكونا المشكلة لا الحل.
يستطيع المرء ان يحلل طويلا الأسباب التي تجعل الرباط والجزائر بكل هذا الإصرار على تغذية الكراهية والتشرذم في المنطقة، واستنتاجا إبقاء إتحاد المغرب العربي في حالة الموت السريري.
هناك الباطن وهناك الظاهر. أبرز الباطن تلك الرغبة الدفينة لدى كل من البلدين في الهيمنة والتفوق وعدم الاعتراف بحقيقة الآخر، ثم النظر إليه كخصم بدل الحليف المكمل.
والظاهر مشكلة الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليزاريو المدعومة من الجزائر، وبعض التفاصيل المبعثرة هنا وهناك على بساط علاقات البلدين ببعضهما.
للخلاف بين الجزائر والمغرب عُمْران ومستويان: الأول 54 سنة هي عمر استقلال الجزائر. وهي حقبة تغطي الباطن من النزاع المزمن بين البلدين. والثاني 40 سنة هي عمر مشكلة الصحراء الغربية منذ غادرها الإسبان تاركين إياها لشعوب المنطقة قنبلة موقوتة.
بقدر ما منحت الأقدار الجزائر والمغرب ما يقربهما من طبيعة وجغرافيا وتناسق اجتماعي وبشري، بقدر ما اجتهد البلدان في البحث عمّا يفرقهما لتكريسه والتمسك به، فوجدا التاريخ والجغرافيا والاقتصاد والحدود والعسكرية وحتى الزوايا والكتاتيب والدروشة والطرق الصوفية. من ينظر إلى المجتمَعَين الجزائري والمغربي يجدهما أقرب إلى بعضهما من أغلب الشعوب والمجتمعات التي تدّعي القربى والتقارب. لكن مَن ينظر إليهما كبلدين وكيانين سياسيين يجد أحدهما أشد عداوة للآخر من الأعداء الحقيقيين.
ولسوء الحظ تغلبت الأحقاد والعداوات على ما دونها من أشياء جميلة مشتركة. هنا يتحتم القول ان لا أحد أفضل من الآخر، ولا طرف يتحمل مسؤولية أقل من الآخر. كلا نظامي الحكم على مسافة واحدة من العار وقدرة واحدة على إيجاد الأحقاد وتغذيتها. وكلاهما يعتقد خطأ بأنه الأفضل والأقدر على زعامة المنطقة وقيادتها وبسط هيمنته عليها.
لكي يخرج البَلدان والشعبان من هذه الحفرة يحتاج نظاما الحكم في المغرب والجزائر إلى تصالح داخلي وإقرار بالآخر كجار يجب تقبله والتعايش معه لأنه لا يمكن انتزاعه من الخارطة أو محوه من الوجود.
يحتاج الأمر إلى قليل من التواضع والإيمان بأنك لست أفضل من الآخر. ويحتاج إلى الثقة في النفس تحميك من الخوف من اختلافه عنك أو تفوقه عليك في مجال ما. ويحتاج إلى ثقافة القبول بالآخر وتحمله كما هو. آنذاك يمكن الحديث عن بداية رحلة علاج.
أما مشكلة الصحراء فهي الشجرة التي تغطي الغابة. وهي تجسد العجز الفادح وتجذره، إذ لا أحد من الأطراف المعنية بها استطاع إقناع الآخرين بحل ما، لا المغرب ولا الجزائر ولا إتحاد المغرب العربي ولا الجامعة العربية ولا الأمم المتحدة. كلهم أخفقوا في إيجاد الحرب وفي خلق السلم.
العجز هنا يجسد أيضا العناد الكبير الذي تتسم به الأطراف الثلاثة المعنية مباشرة بالمشكلة وهي المغرب والجزائر والبوليزاريو. عناد يقود بسهولة إلى رفض المبادرات الخيرية والمساعي السياسية والدبلوماسية، وإلى رفض بحث أي حل أو فكرة تأتي من الغير. والرفض، بالذات من الجزائر والمغرب، يخفي التركيبة النفسية والمزاجية لأهل الحكم هنا وهناك والمبنية على الرغبة الدفينة في الهيمنة وتعطي الانطباع بالتفوق والتعالي على أي مبادرة أو مسعى حل.
في هذه المشكلة يحاول النظام الجزائري تكريس الانطباع بأنه مرتاح ومتحكم في أوراقه، لكنه في العمق في ورطة أمام نفسه وشعبه والمجتمع الدولي والتاريخ. أربعون عاما عجز طيلتها هذا النظام عن تقديم أي إشارة إيجابية مهما كانت بسيطة. كل ما يفعله هو شراء الوقت والرهان على إهدار مقرات وتصميم خصم لا يبدو أنه يريد الاستسلام بسهولة.. خصم اسمه المغرب تعلم التقاط أنفاسه مستفيداً من واقع دولي يؤيده في النزاع بأكثر من طريقة.
الأربعون عاما التي مضت من عمر هذا النزاع منحت المغرب الفرصة والظروف ليكرس الأمر الواقع السياسي والإداري في الصحراء الغربية. بالمقابل لم تحقق جبهة البوليزاريو أي نقاط سياسية أو دبلوماسية تستحق الذكر، ولم يبق أمامها غير تأمل خارطة الدول المنسية التي مرة تعترف بها وأخرى تسحب اعترافها بها. أما الحاكمون في الجزائر فيواصلون التمسك بشعارات جوفاء من زمن الحرب الباردة لم تكن كلها صائبة حتى في وقتها.
أربعون عاماً نجح «المخزن» في المغرب خلالها في الإبقاء على قضية الصحراء قضية رأي عام داخلي، وفشل نظام الحكم الجزائري في بيعها داخليا، علاوة على تراجع سوقها أمامه خارجيا فأصابها الكساد، ومعه تكلست كل المنطقة وتحطمت آمالها وتبخرت أحلام شعوبها.
عند الأسوياء يبدأ الحلم أو الطموح بعيدا ثم يبدأ في الاقتراب. في حال اتحاد المغرب العربي بدأ قريبا ثم أخذ يبتعد حتى أصبح من ضروب المستحيل. التاريخ سيحاكم من تسببوا في هذا الانسداد.
٭ كاتب صحافي جزائري
توفيق رباحي