سوسيولوجيا العالم الافتراضي

العالم الافتراضي بات اليوم (واقعا) ملموسا نتعايش معه في كل لحظة، ونتعامل مع تقنياته في الكثير من تفاصيل حياتنا، فهل غير هذا العالم رؤية علماء الاجتماع إلى المجتمعات الإنسانية التي تتفاعل عبر هذا الفضاء؟ هل سعى علم الاجتماع إلى اجتراح آليات جديدة لفهم هذا العالم؟ ما هي طبيعة العلاقات الجديدة في عالمنا الذي تغيب فيه الفواصل بين الحقيقي والافتراضي يوما بعد يوم؟
علم الاجتماع وكما يعرف الجميع، علم يهتم بدراسة المجتمعات الإنسانية والتفاعلات التي تقوم بين الأفراد، والمشاكل التي تواجههم، والتغيرات التي تطرأ على المجتمعات وأسبابها، ولأهمية التغير الاجتماعي كأحد حقول علم الاجتماع، لذا انصب التركيز على هذا الحقل في النصف الاول من القرن العشرين في محاولة من الباحثين لمعرفة آليات التغير ومعرفة إمكانية التحكم بها، أو توجيهها وفقا لمخططات مسبقة يمكن أن تلعب دورا في تحريك المجتمعات باتجاه الوجهة التي تراها أمثل، وقد كان لمدرسة شيكاغو الامريكية في علم الاجتماع دور مهم في ذلك، ويقف في مقدمتها عالم الاجتماع الامريكي وليم اوجبرن 1886- 1959 الذي شغل منصب استاذ علم الاجتماع في جامعة شيكاغو في عشرينيات القرن الماضي، كما شغل العديد من المناصب المهمة في جامعات ومؤسسات علم الاجتماع في الولايات المتحدة. وليم اوجبرن هو صاحب نظرية (الفجوة الثقافية ) التي تنص على أن التغيرات التكنولوجية المادية عادة ما تحدث بسرعة اكبر من التغيرات اللامادية او القيمية في المجتمعات، ما يؤدي إلى حصول فجوة ثقافية، تصيب المجتمعات بمشاكل اجتماعية نتيجة ذلك، وقد حدد اوجبرن اربع مراحل او حقب تمر بها عملية تأثير التكنولوجيا على المجتمع، وهذه الحقب هي؛ الاختراع وهي حقبة ظهور المنتج التقني الجديد، ثم التراكم وهي الحقبة التي تتراكم فيها تأثيرات المنتج الجديد، ثم حقبة الانتشار وفيها يتم انتشار الاختراع على مستوى المجتمع او المجتمعات الإنسانية، ثم حقبة التعديل التي يحاول المجتمع أن يغير او يعدل أنساقه القيمية بناء على تأثير المنتج الجديد. وقد تأثر العديد من علماء الاجتماع في النصف الاول من القرن الماضي بهذه النظرية، ومنهم عالم الاجتماع العراقي، الذي اكمل دراسته العليا في الولايات المتحدة الامريكية في اربعينيات القرن العشرين، حيث اقتبس نظرية اوجبرن وطبقها في دراسته للمجتمع العراقي واطلق على الفجوة الثقافية اسم (التناشز الاجتماعي) في اشارة إلى ازدواجية القيم في شخصية الفرد العراقي نتيجة الفجوة الثقافية الحاصلة بين التغير التقني وعدم التوصل إلى مرحلة التعديل القيمي في المجتمع للتعايش مع التغيرات الحاصلة.
ومن تجليات العالم الافتراضي التي اهتم علماء الاجتماع بدراستها، ظاهرة العلاقات الاجتماعية الافتراضية، وتشكل المجاميع الاجتماعية الافتراضية، وأوضح مثال لها شبكات التواصل الاجتماعي كالفيسبوك وتويتر وغيرها. والعلاقات الاجتماعية في علم الاجتماع تقسم إلى مجموعتين، الاولى، وهي العلاقات الأولية او ما يعرف بعلاقات (الوجه لوجه) أو العلاقات الشخصية القائمة على معرفة الفرد بالآخر، مثل العلاقات في العائلة والمجموعة القرابية ومجاميع الجيرة، وهي علاقات تتسم بعدم الرسمية والثقة بالاخر، وتحكمها ضوابط السلوك غير الرسمية، كالقيم والعادات والتقاليد وتمثل محيطا اساسيا لنمو وتكامل شخصية الفرد. اما النوع الثاني فهو ما يعرف بالعلاقات الثانوية، التي تربط مجموعات اجتماعية كبيرة مثل طلبة جامعة أو عمال مصنع أو طبقة اجتماعية أو مواطنين في بلد، وهي علاقات تتسم بالرسمية في التعامل مع الآخر وعدم منح الثقة بدون تمحيص وتحكمها ضوابط السلوك الرسمية، كالقوانين ومؤسسات العقاب والتشريع، وتمثل محيطا غير معروف أو غير محسوس التأثير في شخصية الفرد، لذلك اعتبر علماء الاجتماع أن علاقات العالم الافتراضي الجديدة باتت تشكل نوعا ثالثا وسيطا بين النوعين، حيث يشعر مستعمل وسائل التواصل بأن مجموعته الافتراضية قريبة منه وعلاقته بهم شخصية، الا أن الواقع الفيزياوي يخبرنا بغير ذلك، فالفرد مفصول عن مجموعته بآلاف الكيلومترات، بالاضافة إلى احتماليات الكينونة غير الحقيقية لأفراد المجاميع في العالم الافتراضي المليء بالهويات غير الحقيقية (فيما يخص جنس المتصل مثلا) أو صورته أو المعلومات التي يقدمها عن نفسه، أو ادعاء الاهتمامات أو احتمالية مشاركة معلومات والادعاء بملكيتها زورا، كما أن وسائل الضبط الاجتماعي مازالت غير واضحة المعالم تتراوح بين النمط غير الرسمي القائم على الأعراف والتقاليد، والنمط الرسمي القائم على قوانين شركات الإنترنت أو شبكات العالم الافتراضي.
وقد لاحظ الباحثون أن للفضاء المفتوح تأثيرات كبيرة في حقل حرية الرأي والتعبير، فبعد أن كانت وسائل الإعلام من صحف واذاعات وقنوات تلفزيون حكرا على الحكومات، بات العالم اليوم يعيش فيما يعرف بزمن المواطن الصحافي، حيث بإمكان أي فرد أن ينشئ مدونته او جريدته الإلكترونية، أو قناته التلفزيونية على اليوتيوب أو غيرها من المواقع المماثلة، ويبث ما يشاء عليها، وهنا تعرضت منظومات القيم المجتمعية إلى هزة عنيفة، هزة تحتاج فيها انساقها القانونية إلى الضبط والتعديل، لردم الفجوة الثقافية الحاصلة بين التقدم التكنولوجي والواقع القيمي للمجتمعات التي مازالت تعيش وفق معطيات ما قبل الحداثة.
العالم اليوم بات في تسارع في تطوير وإنتاج ما يزيد هذه الفجوة ومجتمعاتنا بدورها تلعب دور المستهلك فقط، وهذا الاستهلاك يزيد من إشكاليتنا القائمة على التناشز بين التقدم التكنولوجي والأحكام القيمية القديمة، ولكن المفارقة أن هذا التقدم التقني في وسائل الاتصال كان هو المحرك الأساس فيما شهده عالمنا العربي في الحقبة الاخيرة من تمردات وتظاهرات عرفت بالربيع العربي، حيث لعبت التقنيات الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي والفضاء الافتراضي دورا محوريا في إعداد وانطلاق هذه الانتفاضات، رغم كل ما قيل بشأن هذا الحراك وكونه مؤامرات خارجية تقف وراءها أجندات تحاول تدمير استقرار المنطقة.
لقد باتت مؤسسات المنظومات المجتمعية القديمة اليوم تسعى لان تجد لها مكانا في العالم الافتراضي الجديد، فكل الصحف والدوريات والقنوات التلفزيونية انشأت لها روابط ومواقع وصفحات تواصل في العالم الافتراضي، ومن لم يفعل ذلك فإنه سوف يخرج من سباق التنافس، وحتى المؤسسات التقليدية والمحافظة في مجتمعاتنا، كالمؤسسة الدينية سعت بجد للحصول على مكانها في عالم افتراضي ما زالت تتوجس منه، ونحن نرى اليوم صفحات ومواقع انترنت ومدونات لشيوخ وقساوسة ورهبان ورجال دين من كل الأديان والطوائف يروجون لخدماتهم الدينية عبر الفضاء الافتراضي الجديد، مستخدمين التقنيات الحديثة في ذلك. ومن مفارقات هذا الاشتباك انك تسمع أو تقرأ اليوم من يطلب فتوى من رجل دين في رسالة على الهاتف المحمول، أو وصول أحدث الرنات الدينية على هاتفك المحمول، او رسائل من معبدك او كنيستك تروج لنشاط ديني معين، أو برامج دينية تروج على قنوات على اليوتيوب تتنافس فيما بينها على كسب المتابعين في الفضاء الافتراضي، ماذا يعني ذلك؟ يعني محاولة القائمين على منظوماتنا القيمية التأقلم مع الواقع الافتراضي عبر خلق تعاملات مع التدين وفق النمط الخاضع للتقنيات. وبات معلوما أن كل ظاهرة اجتماعية فيها السلبي والايجابي، فلا توجد ظاهرة سلبية بالمطلق أو إيجابية بالمطلق، فمن مشاكل العالم الافتراضي انتشار الاستسهال في الوصول إلى المعلومة، فمستخدم التقنيات الحديثة من كومبيوترات شخصية أو هواتف ذكية بإمكانه استخدام المتصفحات مثل غوغل او ياهو وكتابة اي كلمة ليجد طوفانا من المعلومات، لكن يبقى أمر الفرز والتأكد من المعلومة مهمة المتلقي الذي يجب أن يتحلى بقدرة على الفرز والتحلي بالشك نتيجة انتشار الفبركة والتزوير الذي أدى بدوره إلى انتشار الإشاعة والمعلومات المغشوشة، مما جعل البعض من الدارسين يصفون خبرات الاجيال الجديدة بالهشاشة وعدم العمق العلمي، رغم موسوعيتها. يقول بيل غيتس، عملاق ثورة التقنيات الحديثة في كتابه «المعلوماتية بعد الإنترنت»: إن التجارب والمتع المباشرة الطابع هي شيء شخصي ولا توسط فيه ولن يحرمك أحد باسم التقدم من تجربة الجلوس على الشاطئ او التريض في الغابات أو حضور عرض مسرحي كوميدي أو التسوق داخل سوق للسلع المستعملة، على أن التجارب المباشرة لم تعد مجزية دائما في عالم التقنيات الحديثة. لقد قطعت المجتمعات الغربية شوطا لا بأس به، في هدم الفجوة الثقافية بين التقدم التكنولوجي وعالمه الافتراضي الحديث، وبين الواقع القيمي لمجتمعاتها في محاولة تعديل المنظومات القانونية لتتلائم مع حقوق الملكية وشروط النشر الإلكتروني وغيرها، مما له علاقة بما بات يعرف بالجرائم الالكترونية. كما اهتم علماء الاجتماع الغربيون بتمظهرات التغيرات الاجتماعية المرادفة لشيوع الفقاعات الالكترونية التي باتت تؤثرعلى علاقات افراد العائلة وتفرض عليهم نوعا من العزلة يعيشون فيها مع عالمهم الافتراضي، إلا أن مجتمعاتنا ما تزال تتخبط في فجوتها الثقافية، ولا يوجد أي مسعى حقيقي لتجسير او ردم هذه الفجوة.

كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية