■ بتاريخ السادس عشر من فبراير الجاري نشر موقع «ديفنس وان» مقالاً مشتركاً لكل من سارة شيس وأليكس دو وال بعنوان مثير: لنبدأ في التأهب لانهيار المملكة السعودية.
يكتسب هذا المقال أهمية لعدة أسباب، أولها التوقيت، وثانيها هو أنه لا يبدو لمن يتابع ما ينشر في مراكز العصف الذهني كمقال منفرد بقدر ما يبدو جزءاً من سلسلة طويلة من المقالات المعادية للمملكة، التي تصدر خاصة في الولايات المتحدة التي يفترض أنها الحليف الأهم والداعم الأكبر للسعودية. نقطة أخرى جديرة بالملاحظة وهي أن المقال لم يكتبه هواة أو كتاب رأي مغمورون، فالسيدة شيس، وبالإضافة إلى عملها الأكاديمي في معهد كارينغي المرموق وإشرافها على برنامج حكم القانون، فهي أيضاً باحثة وكاتبة معروفة ومستشارة سياسية. أما أليكس دو وال البروفيسور في مدرسة فليتشر، فقد تنوعت اهتماماته من ملف السودان، الذي درسه بتعمق إلى شؤون القرن الأفريقي، وهو ما أهّله لحمل لقب خبير في شؤون الأمن والسلم، ما جعله يترأس مؤسسة السلام العالمي التي منحت اسمه حضوراً مميزاً على الصعيد الحقوقي وعلى صعيد البرامج الإنسانية.
هناك نظرة عربية تنظر للكتاب المعادين على أنهم مجرد مأجورين، للأسف نحن هنا في إطار أكثر تعقيداً لا يمكن حله بطريقة المزايدة والدفع أكثر. خطورة هذا التعقيد تكمن في مواجهة العشرات، بل المئات من الباحثين وصناع القرار الذين، ليس فقط يساندون المعسكر المعادي للسعودية، لأسباب اقتصادية ومصلحية، ولكنهم يؤمنون بكل وعيهم بالدعاية الإيرانية، أو على الأقل بأن الانحياز لإيران هو أكثر موضوعية من الانحياز للمجموعة العربية. قد يستغرب المرء من أن الطرح الإيراني المبني على «الانخراط البناء» والرغبة في السلام وخلق علاقات إقليمية تتجاوز الأبعاد الطائفية، من أجل علاقات إقليمية تشاركية فاعلة، قد نستغرب أن يكون هذا الطرح المليء بالخداع طرحاً مقنعاً لباحثين متخصصين في الشؤون الدولية، ولكنها حقيقة لابد من الاعتراف بها وتحليل أسبابها، وهنا نتذكر على سبيل المثال أن المجلس الوطني الإيراني الأمريكي، استشهد إبان المفاوضات مع إيران بشأن برنامجها النووي بتوقيعات لأكثرمن 73 باحثاً معروفاً، على رأسهم نعوم شومسكي للتدليل على أن هذا الاتفاق لن يؤدي إلا إلى استقرار المنطقة.
العدد الذي قارب الثمانين لاحقاً كان يحوي أسماء لامعة فعلاً فشومسكي المعروف بآرائه المنتقدة للإدارات الأمريكية، وبتعاطفه مع القضايا العربية، وفهمه المتعمق لخفايا السياسة الدولية، لم يمنعه كل ذلك من الوقوف مع الاتفاق النووي، والدعوة لمنح إيران فرصة لإظهار حسن نواياها. أحد الأسباب التي يمكن طرحها لتفسير سهولة تقبل الدعاية الإيرانية في الولايات المتحدة خاصة، هي حرص إدارة أوباما على تحسين صورة إيران حتى قبل توقيع الاتفاق النووي، وهو ما جعل الدعاية الإيرانية مدعومة من ملالي إيران من جهة ومن شخصيات أمريكية نافذة من جهة أخرى. قد يقول قائل إن هذا المنطق يتنافى مع الحرية المكفولة أمريكياً، التي تمنح الجميع حقوقاً متساوية للتبشير ونشر الأفكار وحتى الدعاية، وأن العرب هم الذين قصروا عن تقديم الدعم الإعلامي لأنفسهم، وفي الوقت الذي سعى فيه الإيرانيون لتكوين لوبي خاص بهم ومجموعات ضاغطة، كان أولئك يقدمون خدمات مجانية للاقتصاد الأمريكي.
هذا الرأي صحيح في بعض جوانبه، لكن الانطلاق من نقطة الحياد الإعلامي الأمريكي الكامل، يوصل دائماً إلى نتائج خاطئة، فالإعلام الأمريكي موجّه بامتياز، ليس طبعاً على طريقة دول العالم الثالث التقليدية وغير المقنعة، ولكن بطريقة أكثر ذكاء ومهنية. الواقع أن المساحة التي يمنحها الإعلام الأمريكي للكتاب المقربين من طهران لا تقارن بنظيرتها الممنوحة لمن ينتقد سلوك إيران العدواني، كما أن الحماس لترجمة كل ما هو إيجابي عن طهران، يقابله فتور في ما يتعلق بشؤون العربية السعودية أو غيرها من دول المنطقة. المقال الذي أخذناه مجرد مثال يتميز بالتطابق مع الدعاية الإيرانية وترديد ما تنشره، فهو يتحدث عن العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية بشكل سلبي، تظهر فيه الأولى مجبرة على غض الطرف عن استبداد حليفتها، في سبيل استمرار التمتع بالبترول والشراكة الاقتصادية، كما ينتقد «مذهب السعودية الوهابي» الداعم للمتشددين قبل أن يتجاوز كل ذلك ليصل حد الإساءة المباشرة حين يقول، إن السعودية ليست دولة وإن بالإمكان وصفها بالشركة الاقتصادية أو المنظمة الإجرامية، ولإثبات أنها، رغم ما تملكه من ثروة، في طريقها للنهاية، يشبهها المقال بدولة جنوب السودان التي لم تستطع ثروتها النفطية أن تمنع تحولها لدولة فاشلة.
بعد التشبيه الغريب بدول كجنوب السودان والصومال يحمّل المقال السعودية المسؤولية عن تصرفات أشخاص مثل بن لادن، ويتهمها بنشر الإرهاب وسط السنة في العالم، ويختم بنصيحة للإدارة الأمريكية بأنها يجب أن تجهز خياراتها منذ الآن لمرحلة سقوط السعودية. هذه الأفكار، كما قلت، متكررة وقد اعتدنا سماعها في الإعلام المقرّب من المحور الإيراني، لكن الجديد هو سماعها من قبل شخصيات بارزة وباحثين يفترض بهم الحياد. حتى الأزمة الأخيرة بين السعودية وإيران، التي صعدتها الأخيرة بعد إعدام السعودية لنمر النمر مع زمرة أخرى ممن صنفتهم كإرهابيين أغلبهم من السنة، تم استغلالها لانتقاد السعودية التي تستمر في تنفيذ أحكام الإعدام في تجاهل لحقيقة أن إيران متفوقة على السعودية في عدد المحكومين بالإعدام، الذين يعاقب أغلبهم لأسباب طائفية لا علاقة لها بالإجرام. تم تناسي ذلك وتجاهل حماقة التعدي على المقار الدبلوماسية التي لا يمكن أن تقبلها أو تمررها أي دولة تحترم نفسها. قرار السعودية كان حاسماً حينما قررت قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهو ما ساهم في تحويل الصراع الذي كان مكتوماً منذ سنوات ولأسباب متعددة، إلى صاخب.
يقول الإيرانيون أن تصرف بعض المواطنين الطائش يجب ألا يؤثر على علاقات تاريخية بين بلدين شقيقين. الواقع أن أولئك لم يكونوا معزولين عن السلطة التي كان بإمكانها توقيفهم، والواقع أن العلاقات التاريخية والضرورات الجغرافية تم اختراقها عشرات المرات، من خلال الجار الإيراني، الذي يحترف سياسة المؤامرات والأعمال العدائية والتخريبية. قد يكون السبب غير كافٍ لقطع العلاقات إذا كان مجرد سبب وحيد، لكن الأمر يبدو هنا أشبه بالقشة التي قصمت ظهر البعير.
هكذا سقطت ورقة التوت الدبلوماسية التي كانت تغطي الاختلافات المبدئية بين الطرفين المتنافسين. رغم ذلك فإنه لا يزال من المستبعد دخول الطرفين في حرب مباشرة، والأرجح هو تكوّن أجواء شبيهة بأجواء الحرب الباردة المعتمدة على الدعاية والإعلام والتصارع على مواطن النفوذ.
لقد تولد لدينا، كما كان الحال إبان الحرب الباردة، معسكران يخطط كل منهما لضم أكبر عدد من العناصر إليه، وهي عناصر تدخل فيها الدول والجماعات والوسائل الإعلامية وحتى الأفراد، ومن المهم في هذه المرحلة التعرف على هذين المعسكرين وقراءة أطرافهما بموضوعية بعيدة عن التضخيم والتزوير.
لأول وهلة تبدو إيران خاسرة في حرب الدعاية التي وجهتها للعالمين العربي والإسلامي، فوسائل الإعلام المهمة القريبة من إيران، التي يمكن عدها على أصابع اليد الواحدة لا يمكنها بأي حال أن تنافس العشرات من القنوات في المنطقة العربية، التي وإن كانت تختلف في بعض الأحيان مع بعض التوجهات السعودية، إلا أنها في الأخير وحينما يتعلق الأمر بعداء بين السعودية، التي تمثل السنة، وإيران، فإن الغالب منها سيقف مع السعودية. إضافة إلى أن التعلق الروحي والعاطفي ببلاد الحرمين التي زارها بالفعل عشرات الملايين من الحجاج والمعتمرين تجعل الأمر غير قابل للجدل بالنسبة لرجل الشارع البسيط، الذي لم تستطع إيران كسب تعاطفه رغم تحولاتها وتلوناتها ومتاجراتها بالقضية الفلسطينية وملف المقاومة.
بالمقابل، فإن إيران تملك قوة على الأرض.. تملك حزب الله، وتكاد تتحكم في الملفين اليمني والسوري، كما تملك الكثير من الخلايا المستعدة لتنفيذ توجيهات الولي الفقيه. من طرائف السياسة العربية هنا أن عدداً كبيراً من القوميين العرب ونكاية في الإسلاميين، الذين يجعلون السعودية جزءاً منهم، فاق ولاؤهم لطهران ولاءهم لمشروعهم القديم المبني على توحيد العرب على أساس القومية اللغوية، وهو ما تراجع لصالح مشروع المقاومة المزعوم، الذي سيضم ليس فقط إيران، ولكن أيضاً روسيا التي ستدخل حلف المقاومة بشروط قاسية أهمها المحافظة على مصالحها وعلى أمن الكيان الصهيوني.
هروباً إلى الأمام اتجهت إيران لترويج دعايتها في أماكن بعيدة عمن يعرفونها ويحفظون ألاعيبها، فاستغلت عداء الكثير من شعوب العالم للإمبريالية لتظهر نفسها لهم كمعادٍ قديم للتسلط الرأسمالي وللنظام العالمي المبني على قهر دول العالم الثالث. من هنا كانت علاقة إيران المبكرة بدول أمريكا اللاتينية، في الوقت الذي كانت فيه تلك الدول بعيدة عن دائرة الاهتمام العربي، وقد بدأت إيران تحصد ثمار تلك العلاقة الآن بتعاطف أولئك وغيرهم معها، ما سهّل عليها مهمة إظهار خلافها مع السعودية على أنه خلاف بين الديمقراطية المنفتحة والاستبداد الرجعي.
يصلح كل ما فات ليشكل مقدمة لتسليط الضوء على خفايا الحرب الدعائية التي يبدو أن إيران بدأتها منذ وقت مبكر وباحتراف، كما تأتي تفاصيل مثل ذلك الفيلم الوثائقي الذي يمجّد الزعيم حسن نصر الله والذي يعرض حالياً على قناة إخبارية سعودية ليؤكد إلى أي حد يمكن أن يصل الاختراق الإيراني البارد.
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح