خطوط الاتصال ما زالت مقطوعة في تونس

حجم الخط
3

■ قبل أكثر من عشرين عاما كتب صحافي تونسي معروف بأن الحل الأفضل والأسرع لأزمة الصحافة في بلده هو أن تقطع كل خطوط الهاتف بالكامل حتى لا يتمكن المسؤولون النافذون من رفع سمعات هواتفهم ومخاطبة المديرين ورؤساء التحرير، كلما رغبوا بإخطارهم بما يرونه مسموحا ومطلوبا للنشر في صحفهم ومطبوعاتهم أو محظورا وممنوعا من النشر فيها.
كان المقترح سرياليا إلى حد كبير ومربكا ومفزعا للجميع، ولم يكن باستطاعة أحد أن يتخيله ولو في المنام، وكل ما فعله النظام حينها، أنه جعل الوصول إلى صاحب الفكرة أشبه بالمغامرة الصعبة والمحفوفة بالمخاطر، بعد أن تركه شبه معزول داخل مكتبه الضيق في المجلة السياسية الوحيدة التي كانت تعلن على غلافها منتصف التسعينيات «انها مستقلة». وتطلب الامر سنوات طويلة من الصبر والصمت، ظل خلالها الصحافي البارز بعيدا عن الأضواء، إلى أن عرف الناس اراءه ومواقفه في وقت متأخر نسبيا، أي بعد اختفاء بن علي وغيابه تماما عن الصورة. لكن أيام الحكم المديد للجنرال المخلوع لم يلق أحد بالا أو اهتماما للنصيحة الغريبة، وبقيت خطوط الهاتف مفتوحة ومتاحة امام الجميع، رغم أن فتحها ظل مثل اشياء عديدة في تونس، اسما لامعا وخاويا بلا مسمى. لقد استمرت التعليمات والتوجيهات في الانتقال والوصول عبر الهواتف الارضية ثم الموبايلات والايميلات وكل الطرق التقليدية والحديثة، وامتد ذلك الطوفان إلى جميع مفاصل الحياة بلا استثناء، ولم يعد ممكنا أن يتقرر شيء بلا أوامر السادة الكبار أو مباركتهم ورضاهم. المفارقة التي حصلت هنا هي أن الرفض القاطع للمقترح الغريب والمجنون بقطع خطوط الهاتف، ضمانا لحرية الصحافة، جعل السلطة تقطع آخر خطوط تواصلها بالناس، وتعيش في كوكب قصي ومهجور لا صلة له ابدا بهمومهم ومشاكلهم. وكان يكفي الاطلاع على مطبوعة واحدة في تونس حتى يجزم القارئ انه قرأ كل المنشورات الصادرة فيها، لأنها كانت كلها بالنهاية نسخا مختلفة الاسماء والألوان لأصل واحد. لم يكن ذلك نشازا في عصر العزف الاوركسترالي المنضبط لقواعد النغمة الاستبدادية، لكنه صار غير مستساغ ولا مقبول بالمرة زمن البدايات الديمقراطية. وما حصل هو أن غياب الاتصالات المعتادة لإعطاء الأوامر والتعليمات لم يسمح مثلما انتظر وتوقع ذلك الصحافي الحالم بولادة صحافة مهنية وحرة، ولم يفتح الباب أيضا لعودة شبكة الاتصالات المعطوبة بين السلطة والشعب إلى الاشتغال بالشكل الصحيح والمطلوب.
لقد اكتشف التونسيون بعد تجربة قصيرة مليئة بالتقلبات والمفاجآت، أن الخلل لم يكن أبدا في الهواتف والموبايلات، ولا في مجرد نقل التعليمات والأوامر، بل في الصعوبة العملية لإعادة الروح والحياة إلى جسور قطعت وخربت بالكامل منذ عقود وصار إصلاحها يحتاج لعمل خارق لأكثر من جيل واحد. وكان قدوم الحرية بمثابة الصاعقة القوية التي أيقظتهم من سبات طويل وعميق، ولكنها لم تصنع المعجزات وتأتي باحرار جاهزين ومستعدين لفهمها واستيعابها. وربما كان الفهم الخاطئ والمزيف هو العائق الاكبر أمام نمو الحرية واشتداد عودها. والإشكال الاساسي هنا هو أنه فضلا عن أن معظم التونسيين لم يبذلوا جهدا كافيا لنيل تلك الحرية ولم يتدربوا عليها ويكتشفوا قواعدها وشروطها، فإن تطبيقاتها الزائفة والمضلة حولتها بنظر الكثيرين إلى عائق حقيقي وجزء من الإشكال الاتصالي المزمن في تونس. وهذا ما جعل الاصوات ترتفع بقوة للتحسر على ايام الاستبداد التي كان النظام والاستقرار سائدا فيها، ولاستحضار ما قاله فيكتور هوغو من أن «الحرية تبدأ حين ينتهي الجهل، لأن منح الحرية لجاهل كمنح سلاح لمجنون»، للدلالة على الأخطار المحدقة بالبلد نتيجة ذلك الاستخدام الخاطئ والمغلوط. لا يتعلق الامر فقط بفهم الجمهور الواسع للحرية، بل حتى بالإدراك الضيق والمحدود لها من جانب قسم مهم من النخب الفكرية والإعلامية. فما يفهمه ذلك الجمهور ببساطة واختصار هو أنه لم تعد هناك قيود أو محرمات وأنه صار بإمكانه الاحتجاج على كل شيء وأي شيء وبكل السبل والوسائل، مشروعة كانت أم ممنوعة، وما يفهمه الإعلاميون والصحافيون والكتاب بالمقابل هو أنه لم تعد هناك حاجة أو سبب لوجود أي نوع من أنواع الرقابة على الإطلاق فلا ممنوعات أو محظورات أو حتى حدود وقيود لما ينشرونه أو يعرضونه على الناس.
إنها عملية موازنة دقيقة بين الحاجات والإكراهات وما يحصل في معظم الأحيان هو أن الاندفاع الانفعالي الجامح لا يترك وقتا أو مجالا للتفكير الهادئ والرصين في عواقب القرارات وأثرها المستقبلي. وربما صار تكرر الاحداث بالشكل والاسلوب ذاته عاملا اضافيا لتغذية مشاعر اليأس والاحباط وحتى الكفر بالديمقراطية. وتدل حالات الاحتجاج العبثي التي صارت تحدث في أي وقت ولأي سبب على غياب الحد الأدنى من تلك الموازنة العقلية المطلوبة. وقد يكون ما نقله مراسل صحيفة «الصريح» المحلية في عددها الصادر في الخامس عشر من الشهر الجاري عينة بسيطة من تلك الحالات الكثيرة والعجيبة. فقد كتب المراسل ان «حركة المرور تعطلت في الطريق الرابط بين محافظتي القيروان وسليانة وتحديدا على مستوى المنطقة الريفية قصر حديد، التابعة لمعتمدية سليانة الجنوبية، بسبب قطع عدد من اولياء التلاميذ للطريق ومنع مستعمليها من المرور في الاتجاهين، احتجاجا على قرار يقضي بغلق مدرستهم الابتدائية إلى حين صيانة عدد من أقسامها التي ثبت تصدع جدرانها وخطرها على سلامة التلاميذ والمعلمين». هل كان التوقف المؤقت للدراسة اهم من التوقف النهائي للحياة في حال ما إذا سقط المبنى فوق رؤوس الاطفال والمدرسين؟ أم كان لا بد من الاحتجاج ولو بقطع الطريق على العابرين الذين لا صلة لهم ولا ذنب فيما حصل أو قد يحصل مستقبلا في تلك البلدة النائية؟
ربما احتاج الأهالي إلى الشرح، وربما عجز أو امتنع المسؤولون عن تفسير القرار وتقديمه للناس بالطريقة المثلى، ولكن هناك في كل الاحوال مشكلا جوهريا بين الطرفين، هو انعدام التواصل. يحصل ذلك زمن التعددية الاعلامية التي سمحت بظهور صحف ومحطات اذاعية في معظم المحافظات التونسية، ومنحت الصحافيين مجالا للمنافسة والاجتهاد خارج الحلقات الضيقة والمحدودة، التي حوصروا داخلها في السابق. ولكن كل ذلك ليس كافيا على ما يبدو حتى يلجأ الناس إلى وسائل إعلامهم المحلية والوطنية لإبلاغ احتجاجاتهم أو التعبير عن مواقفهم وارائهم. إنها ذات الازمة القديمة بثوبها الديمقراطي الحديث فلا الجمهور يثق بالاعلام ولا الاعلاميون ينظرون براحة واطمئنان إلى السلطة. مفارقة قد تكون مقبولة ومفهومة زمن الاستبداد، ولكنها عصية على الفهم في مرحلة الخروج من ذلك العصر المظلم الكئيب، وقد تصل إلى درجة الكوميديا السوداء، حين يعلن رئيس الحكومة الشهر الماضي على هامش تدشينه معرضا لوكالة الانباء الرسمية ان» الصحافيين يبدون له أحيانا وكأنهم يعيشون في عالم آخر» وأنهم «يرون دائما نصف الكأس الفارغة». ويرد عليه نقيب الصحافيين بعد ايام بان نقابته تفكر بإصدار لائحة بأعداء الصحافة في البلد، وعلى رأسهم وزير العدل الذي «استخدم الجهاز القضائي لتصفية حرية الصحافة»، على حد تعبيره. من يكسب ومن يخسر في صراع الديكة الذي لا ينتهي؟ لن تكسب الحرية ولا الصحافة والصحافيون ولا حتى الحكومة بالتأكيد، ولكن الخاسر الاكبر سيكون التجربة التونسية التي وضعها سبر آراء قامت به مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي الامريكية ونشرته منتصف الشهر الجاري في الصف الاول عربيا كأنجع نظام للحكم في العالم العربي واعتبرها الجميع الأمل الديمقراطي العربي الاول والوحيد.
ومن المؤكد أن هناك حاجة قوية الان إلى من يقدم الأفكار والحلول العملية السريعة للمأزق ويعيد الحرارة لخطوط الاتصال المقطوعة قبل أن تتحول الديمقراطية التونسية إلى صرخة عبثية في واد سحيق بلا قرار، قد لا تختلف كثيرا عن صرخة ذلك الصحافي الشجاع قبل عشرين عاما، التي لم يستمع لها في ذلك الوقت لا الصحافيون ولا النظام، رغم حدتها وقوتها المفرطة والاستثنائية.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية٭

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية