تسييس البرامج الفنية العربية… فضاءات الألب الأردنية… ولماذا لا نملك أنجلينا جولي عربية؟

الفضاء الإفتراضي والإعلامي في الأردن مختلف عن واقعه الجغرافي، فأقرب «كسر جغرافي» له بما فيه وسائل التواصل الإجتماعي هو جبال الألب الأوروبية، خصوصا الجانب السويسري منها، ولا أقصد هنا بمنسوب الحرية، بل بمنسوب السفوح المناسبة لتشكل كرات الثلج في ذلك الفضاء، التي تكبر وتكبر وتكبر وهي تتدحرج حتى تصل السفح وترتطم به، لتنتهي رذاذ ماء، وهكذا دواليك.
وآخر كرات الثلج في فضاءات الألب الأردنية، كانت قد بدأت بالتشكل فورا بعد إدراج عادي وطريف لمنتج الفيلم الأردني «ذيب» الصديق ناصر قلعجي، وقد كتب على صفحته الـ»فيسبوكية» ما نصه :من باب هل تعلم؟
هل تعلم يا صديقي أن أحد الجوائز التي حصدها «ذيب»، تم إرسالها لنا عن طريق البريد، وقامت الجمارك الأردنيه مشكوره، بجمركتها بمبلغ 97 دينارا؟
كاتب هذه السطور، كان أول المدحرجين لأول كرة ثلج، على صفحتي الـ»فيسبوكية» بإعادة نشر الإدراج، لتتوالى إعادات النشر، وتلتقفها مواقع الصحافة الألكترونية في الأردن، كقذيفة خارقة حارقة موجهة للدولة الأردنية عبر مؤسسة رسمية مثل الجمارك، ويتحول الإدراج البسيط والعفوي إلى كرباج بيد الجميع يتم فيه جلد الحكومة، ومؤسسات الدولة، والتعليقات تتفاعل بحماس شديد، ويصبح الكل غيورا على كرامة الفيلم الأردني، وقد أريق دمه على جوانب الجمرك، بل ذهبت المواقع بعمومها إلى نقل الخبر لفكرة أن جائزة «البافتا» نفسها هي التي تم جمركتها مع أن إدراج قلعجي يتحدث عن «إحدى الجوائز» وهي حوائز كثيرة لم يكلف موقع صحافي واحد، ولا صحافي واحد حتى (وأنا ضمنهم) خاطره بالبحث عن تلك الجوائز التي حصدها الفيلم، وهو خبر أهم بحد ذاته من قصة الجمرك.
أين كانت الصحافة الأردنية لسنوات قليلة خلت حين كان الفيلم وطاقمه يدربون أبناء قرى نائية على فنون التمثيل، ويعقدون ورشا تدريبية في الصحراء، وأين كان الصحافيون المتحمسون لنهضة السينما الأردنية حين كان الفيلم يتم إنتاجه في تلك الصحراء، وأين هؤلاء كلهم بعد أن تم عرض الفيلم وقد نال جوائز أوروبية لا تقل أهمية عن «الأوسكار»، و»البافتا»، لكنها غير معروفة لديهم، وهل تكفل موقع إعلامي أو صحافي أردني بتسيير طاقم صحافييه إلى قرى الجنوب، حيث يسكن الممثلون الذي شاركوا في اجتراح المعجزة؟ هل فكر أحدهم بإعداد تقرير صحافي عن قرية الشاكرية مثلا؟ وهي مسقط رأس نجوم الفيلم.
البعض، وقد لمس انتقاد القلعجي ودهشته من أخذ إدراجه بهذا الشكل، وبعد ذلك نشر نص حوار هاتفي بينه وبين مدير الجمارك الأردنية يعكس تفهم هذا المدير ومرونته ودبلوماسيته، هذا البعض انتقد قلعجي وطاقم الفيلم أنهم يجب أن يعرفوا طبيعة الإعلام الأردني وحساسيته بالتقاط الأخبار حتى لو من مواقع التواصل الإجتماعي.
بصراحة، أعتقد أن الدرس يجب أن يكون لتلك المؤسسات الإعلامية بضرورة تغيير نهجها الخاطىء، والانتباه لمعايير إعلامية مهنية أكثر وضوحا واحتراما لها وللقارىء.
أتابع مسيرة الفيلم باعتزاز، وأتعلم منه ومن مسيرة متابعتي الحية له الكثير، ومما تعلمته مؤخرا وشخصيا بأن أنتبه لما أكتب أو أنقل، حتى في استخدام وسائل التواصل الإجتماعي، كي لا أصبح من مدحرجي كرات الثلج في فضاءات الألب الأردنية.

وفي الليلة الظلماء نفتقد أنجلينا جولي

برنامج ET الأمريكي الأصلي المشهور صارت له مؤخرا نسخته العربية المسروقة كغيره الكثير من قبل المحطات العربية، التي عربته بطريقة لا بأس بها، ليصبح «ET بالعربي» على «أم بي سي»، لكنه منحاز فقط لبعض الفنانين، وتحكمه السياسة نفسها، التي تحكم برامج الفضائيات السياسية، رغم أن طابعه فني بحت، فأنت لا تشاهد فيه إلا الفنانين المعتمدين في الغالب من قبل «أم بي سي» أو «روتانا»، وهم محتكرون حصرا لهما، فصرت تراهم أنفسهم في برامج المسابقات وفي المهرجانات وهم ضيوف دائمون على هذه المحطات، بل يفرضون أحيانا على محطات لبنانية ومصرية، وبعد قليل سيصبحون مقدمي برامج، وربما سيدات أزياء وخبيرات مطابخ، وللمفارقة أيضا صار يلمع فنانات خليجيات على حساب أخريات، تماما كما يتعامل مع باقي الفنانين والمطربين العرب المهمين المغيبين كليا من على شاشته.
ET الأصلي تحدث عن الفنانة أنجلينا جولي من زاوية غاية في الإنسانية، حينما قال إن ركابا في طائرة من الدرجة الإقتصادية الرخيصة الثمن فوجئوا بالنجمة العالمية وزوجها الشهير براد بيت وأولادهما، وأغلببهم أطفال متبنون، وهم يصعدون على متن الطائرة وبين الركاب. إحدى المسافرات الحشريات سألت أنجلينا: لماذ تركبين في هذه الدرجة الرخيصة؟
فأجابتها: الفرق بين جلوسي في الدرجة الإقتصادية والدرجة الأولى يوفر مبلغا من المال نستطيع أن نوفر به خمسين خيمة للاجئين والنازحين، الذين ينامون في العراء ولا يملكون شيئا!
أيا ليت قومي يسمعون ويعون ويتواضعون قليلا فالغنى في التواضع. ويا ليتنا نحظى بواحدة فقط من هؤلاء الفنانين الحقيقيين الإنسانيين في أي برنامج فني أو سياسي أو اقتصادي عربي، فهل عقمت أرحام العرب أن تلد مثل هؤلاء؟!

«ذا فويس كيدز»

بالعودة إلى فضائنا العربي الباهر، من محيطه إلى خليجه، فإنني وبحكم أني أب لطفلة صغيرة، أدمنت على متابعة أطفال «ذا فويس كيدز»، بشغف واندماج إلى درجة أن نسبة استهلاك المناديل الورقية في منزلي زادت منذ الحلقة الأولى لهذا البرنامج، وهو ما كشف أمام أسرتي الصغيرة عن جانب الضعف في داخلي وهشاشة مشاعري أمام انكسار قلب طفل يقف هذا الموقف الجلل.
من هنا، وكأب، ومتابع وأعمل في مجال الإعلام، أتساءل، هل تم استشارة مختصين في التربية وعلم نفس الأطفال حول تلك البرامج، التي تضع هؤلاء الصغار في مواجهات من هذا النوع؟ هل تساءل أحد من منتجي تلك البرامج عما بعد البرنامج، وأثره على نفسيات هؤلاء الأطفال.
كنت أتابع على سلسلة «تيد» التلفزيونية العالمية المشهورة حلقة مع العجوز لاعب الخفة «جيمس راندي»، وهو من أشهر لاعبي الحيل والخفة في العالم، وأكبرهم سنا الآن.. ويصر على أن تسمية ما يقوم به هو وأقرانه يجب أن لا يوسم بالسحر، بل بالحيل، مشيرا إلى أن محطات التلفزيون وشبكاتها الضخمة، لا يهمها إلا الربح من الإنتاج، فلا تهتم بأثر ما تقدمه على الجمهور، نفسيا أو ماديا، وهي تقدم لهم الهراء إن أمكن أن يكون مردوده المال.
هذه التساؤلات، تجعلني أفكر بالمسوؤلية التي تقف خلف إنتاج برامج كتلك، خصوصا مع الأطفال.
فنحن – البالغون الناضجون- حسبنا الله ونعم الوكيل في ما يلحق بنا من ضرر، نستطيع تجنبه بإدراكنا ونضجنا المفترض، ويعلم الله أن إرادتي بعد إرادة الله هي التي حمتني وحمت نفسيتي من التهتك جراء متابعة الفنانة أحلام كل أسبوع.. لكن ماذا عن الأطفال، وتعريضهم لمواجهات قاسية كتلك؟ هل من مجيب؟

كاتب أردني يقيم في بروكسيل

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية