تشهد مدينة زيوريخ السويسرية يوم الجمعة انتخابات رئاسة الاتحاد العالمي لكرة القدم، أوما تسمى بالفيفا، ويتنافس عليها الأمير علي من الأردن، وبحريني وجنوب افريقي وسويسري ايطالي وفرنسي. تأتي هذه الانتخابات في أوقات عصيبة، عدا أنها تأتي لانتخاب بديل للسويسري بلاتر، المتهم بالفساد والذي أجبر على التنحي بعد فوزه بانتخابات الرئاسة للمرة الخامسة على التوالي بعد انسحاب منافسه الوحيد آنذاك، الأمير علي، من الانتخابات قبل تصويت الجولة الثانية للجمعية العمومية.
ولا شك بأن شبهات الفساد، التي تحوم حول الفيفا، لم تأت من فراغ. ولا شك بأن الرئيس القادم يجب أن تكون صفحته ناصعة البياض لطي حقبة حزينة ومؤلمة من تاريخ هذه الرياضة الكروية العالمية التي طالما تمتعت بسحر أسطوري وطابع خلاب أسر الكبار والصغار والرجال والكهول والنساء على حد سواء. كرة القدم ليست إلا كالموسيقى، لغة عالمية تسمو على الاختلافات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية وتغدو مصدر إلهام للوحدة والتكاتف والتعاضد والعمل الجماعي ولم الشمل. للأسف بعض المرشحين ليسوا إلا أتباع بلاتر ومرحلته التي اتسمت بالشح والعوز الأخلاقي. الأمير علي تحلى بشجاعة عظيمة بتحدي فساد الفيفا وبلاتر شخصيا والوقوف في وجهه كمنافس وحيد على رئاسة الاتحاد الكروي الدولي يوم ارتعد الآخرون خوفا من المنافسة. وطرح الأمير برنامجا واعدا بالشفافية والوحدة والانفتاح والمحاسبة والمساءلة وتحمل المسؤولية بين الجميع.
شخصيا أرى أنه ليست من طريقة مثلى للتعبير عن رفض العالم للعنصرية والتمييز ونبذه للعداء للسامية والاسلاموفوبيا والتهميش العرقي والديني، من انتخاب الأمير علي للشروع بتنفيذ مشروعه الاصلاحي وإعادة رونق ونضارة كرة القدم وإصلاح سمعتها المهمشة.
لكن لا أعتقد أن الجمعية العمومية ستقدم على انتخاب عربي ومسلم لقيادة الاتحاد العالمي لكرة القدم. وشخصيا لا أعتقد أن البحريني سيفوز في انتخابات الفيفا. نتابع الصحف البريطانية منذ زمن وندرك أنها تتحلى بالكثير من المصداقية والحيادية غير الموجودة في صحافتنا المحلية التي تفكر وتعيش بأزمان بعيدة عن الواقع، وما طالعناه يوم السبت الماضي بافتتاحية لصحيفة التايمز البريطانية متوقعة فوز المرشح السويسري الايطالي برئاسة الفيفا ليحل محل بلاتر.
لا يمكن التعويل على النوادي الأوروبية والأفريقية للتصويت للأمير علي هذه المرة. في المرة الماضية صوتوا للأمير علي لأنهم كانوا على علم سلفا بالفوز الحتمي لبلاتر. وكان التصويت للأمير علي ليس الا رسالة بعدم الرضى عن تصرفات بلاتر واستفراده وسيطرته على مراكز القرار ومن أجل ذلك انسحب المرشحون الأوروبيون لحفظ ماء الوجه.
هذه المرة الانتخابات جدية وحقيقية ومن دون بلاتر. وستكون لانتخاب خليفته للتربع على عرش كرة القدم الدولية وما يعني هذا من ترليونات الدولارات من الشركات والبنوك والاعلانات والاتحادات والنوادي الرياضية والملاعب وغيرها من الصاعات والتجارات والاستثمارات ومعاشات اللاعبين بأرقام فلكية، وليس من المبالغ به القول إن بعض أجور لاعبين دوليين أوميزانيات نوادي وفرق عالمية قد تتجاوز بكثير ميزانيات بعض الدول. ولتقريب الفكرة فهي تتجاوز كل ما وعد الأردن بالحصول عليه من مؤتمر لندن لاستضافته لأعداد فلكية من اللاجئين السوريين ممن تقطعت بهم سبل العيش ولاذوا بالفرار بأرواحهم من القتل والدمار والرعب والضربات الجوية على مدار الساعة. عدا عن أن الصوت العربي غير موحد والدليل تنافس بحريني على رئاسة الفيفا في مواجهة الأمير علي وما قد يؤدي هذا حتما من تشتيت الصوت العربي والآسيوي بين المتنافسين.
الأردن بقيادته الهاشمية أدى دورا كبيرا في إيواء لاجئين من سوريا والعراق وليبيا والسودان وفلسطين والشيشان والبوسنة والهرسك وكوسفو ودول البلقان على مدار التاريخ. وما يزال الأردن يؤدي أدوارا تفوق حجمه الجغرافي بكثير من أجل تقريب وجهات النظر بين الشرق والغرب وإيجاد حلول سلمية للنزاعات الطائفية والعرقية والدينية التي تجتاح الوطن العربي. وأدى أدوارا قيادية في مهمات حفظ السلام والأمن الدولي في مناطق وبؤر نزاع عديدة في العالم من هايتي وأثيوبيا إلى الكونغو وكرواتيا ودارفور، عدا عن ارسال مساعدات اغاثية واقامة مستشفيات ميدانية في غزة ومصر، وعدا عن كونه الرئة الوحيدة التي يتنفس بها الأشقاء الفلسطينيون، وكون جلالة الملك الصوت العربي الوحيد المدافع عن القضية الفلسطينية والحامي للمقدسات الاسلامية والمسيحية على المنابر والمنصات الدولية وفي عواصم القرار الدولي.
الأردن اكتسب سمعة دولية باحتواء واكرام اللاجئين ورئاسة الفيفا المحسومة من الآن لأوروبي – وقد يكون السويسري الايطالي على وجه الخصوص – لن تقدم ولن تؤخر شيئا على دولة كالأردن بالذات. الانتخابات ستجري في موعدها (هناك طلب تقدم به الأمير علي في 23 فبراير/شباط لتأجيل الانتخابات). فالعديد والكثير من أعضاء الجمعية العمومية حجزوا بطاقات السفر من والى زيوريخ من زمن عدا عن حجوزات الفنادق لهم وللعديد من الصحافيين وما قد يترتب على التأجيل من خسائر بملايين الدولارات) وسيتم انتخاب السويسري الايطالي حتما، ولا أعرف ما يفكر به أعضاء الحملة الانتخابية للأمير علي والبحريني على حد سواء غير الحصول على قروش اضافية كأجرة على خدماتهم الجليلة. واذا كنت أعرف أنا الساذج بكرة القدم هذه المعلومات البديهية فماذا يتوقع القارئ من نسبة ذكائهم. لوكنت مكان الأمير علي لانسحبت وليس الجمعة القادم الا بقريب.
الدكتور منجد فريد القطب