ما جرى ويجري في العالم العربي، من محاولات التغيير والإصلاح والثورة، هو مساع متأخرة عمّا كان يتطلَّبه التاريخ المعاصر من مقتضيات واعتبارات وقضايا وإشكاليات منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، التي شارك فيها بعض العرب، وكانت المؤشر القوي الذي اعتُمِد كبداية التاريخ العالم المعاصر.
فقد تأخر العالم العربي عن استيعاب واستبطان قضايا معاصرة في مؤسسات عمومية لا تقبل التمليك والاستئثار، لأنها صارت تنتمي إلى التاريخ المعاصر، مثل قضايا: المرأة، الدين والدولة، مسألة الديمقراطية، مبادئ النظام السياسي والمشروعية، وضعية المواطنة الآيلة إلى التغير والتحوّل والنماء. غياب الحسم في جميع هذه القضايا كإشكاليات عَطَّل دخول العرب إلى التاريخ المعاصر الذي جاء في أعقاب التاريخ الحديث، وهو العصر الذي حسم فيه الغرب كافة القضايا التي لمحنا إليها سابقا، ثم جاء انخراطه في التاريخ المعاصر ليعبّر عن عالمية الوضع الدولي، أي الدولة كحقيقة عالمية تحتاج إلى الشرعية الوطنية، فضلا عن الشرعية الدولية. أما العالم العربي فقد تعثر في استيفاء الشرعية الداخلية بسبب الاستبداد والتسلط وتأخر أيضا عن إحراز الشرعية الدولية للسبب ذاته.
بقيت المجتمعات العربية على هامش التاريخ المعاصر ولم تدخله كقوة فاعلة تؤثر في الوضع الدولي، إلا بالقدر الذي ساهمت فيه الحركات الوطنية ضد الاستعمار الأوروبي، حيث عدّلت من الوجه السلبي للحضارة الأوروبية الحديثة والمعاصرة نحو محاولة امتلاك المعاني والمفاهيم الجديدة المعاصرة عندما تعني الاستقلال، السيادة، الحريات العامة، الدستور، حقوق الإنسان.. غير أنه لمّا آل الأمر إلى السيادة العربية وإلى نظام الحكم العربي كل شيء توقف، بسبب العامل السياسي الذي حُرِمَت منه الأقاليم العربية زمن الوجود العثماني وحُرِمَت منه مرّة أخرى زمن الاحتلال الأوروبي، فأستأثر الحاكم العربي بالقوة العسكرية لمصادرة العامل السياسي كأفضل سبيل إلى التَّمَكُّن والتَّسَلُّط الدائم في الحكم.
في المقاربة التاريخية التي تأخذ بلحظة ما بعد الاستعمار، يمكن أن نقف على قيمة وأهمية الحركات التحررية العربية، وفي بقية العالم ضد الاستعمار، في تعديل المسار التاريخي الغربي نحو عالمية الأفكار الكبرى للثورات التي وقعت في أوروبا وأمريكا، ومن ثم انخراط العرب في سياق إنسانية العالم وإمكانية التعايش التعددي في العالم الواحد، أي زمن التاريخ الحديث والمعاصر، لكن الأنظمة العربية التي جاءت على أعقاب الحقبة الاستعمارية صادرت المجال السياسي باعتبارها هي التي كانت تمارسه زمن الاحتلال كامتداد للإمبراطوريات الاستعمارية التي كانت تسمح للأهالي بنوع من الحرية السياسية.
من جملة الاعتبارات التاريخية التي يمكن أن نفسر بها إخفاق العرب في تأسيس وتنمية الدولة الحديثة، حرمانهم كأقاليم للإمبراطورية العثمانية من المجال السياسي، ومن التراتبية العسكرية، فضلا، بطبيعة الحال من حرمانهم من تسيير الشأن العام في العهد الاستعماري، وإن كانوا قد مارسوا نوعا من الممارسة السياسية في إطار الأحزاب والجمعيات. ما يلاحظ في الفترة الاستعمارية أن كل نشاط يقوم به الأهالي مهما كان نوعه هو بالضرورة وبامتياز سياسي، لأن الأصل في الوضعية الاستعمارية أنها اغتصاب لحق الأهالي في الوطن، ومن ثم فإن أي نشاط أو مسعى يقوم به أهل البلد هو في العمق محاولة لاستعادة السلطة السياسية من المحتل. إذا انطلقنا من أن اللاحق يفسر السابق، فإن عجز القيادات العربية في إرساء دعائم للدولة المدنية الحديثة، كبنية قائمة لكل الشعوب العربية، يمكن تفسيره بتاريخ الحرمان العربي من السياسة ومجالاتها. وهذا التفسير هو بطبيعة الحال ليس حصريا، لا يمنع إطلاقا من ايراد اعتبارات وأسباب أخرى.
منطقة العالم العربي تأبَّت عن التغيير والتَّحَول والإصلاح بسبب المفارقة التي أفرزتها تجربة النظام العربي المستقل: تفاوت صارخ بين الجغرافيا العربية والإسلامية مع التاريخ العربي الإسلامي أيضا. لم يحسن العرب استثمار ذخائر ما توفره المناطق العربية من مواقع استراتيجية محلية، جهوية، ودولية، ومن ثروات ومناظر طبيعية وتنوع وقدرات بشرية، بينما التاريخ العربي بقي عند عصور التخلف ولم يتمكن من مسايرة وتيرة السير المعاصر للتاريخ العام.
الربيع العربي الراهن ليس هو أفضل فصول السنة فحسب، بل يجب أن يكون أطْوَلُها… إلى أن يدخل كافة العرب في التاريخ المعاصر الذي يعني السعي إلى امتلاك التنمية في كافة جوانبها وأبعادها وتفعيل العوامل التي كانت معطّلة : السياسة كما يجري التعاطي معها في العصر الفائق والمرأة التي يجب أن تستعيد التفاوت الذي ضاع منها بسبب وقوف الرجل على الدين والسياسة، والدين: إصغاء وتدبر العقل المعاصر إلى آيات الله في الكتاب المبين وفي الكون: آيات الله في الزمن الفائق تحيل إلى الآيات البينات التي تضمنتها سور القرآن الكريم، الكتاب المنزّل، وهو بحد ذاته معجزة، كما أن آيات الله تنصرف إلى روائع ما ينجزه الإنسان مخلوق الله الرائع، أي ما يجري في كتاب الكون. التغيرات والتحولات التي تطال العالم العربي يجب ألا تكون طارئة على ما كرسته الأنظمة العربية المتهالكة التي رَسَّمت حالة طوارئ لتأبيد الحكم التسلطي، بل السعي المتواصل إلى تعميم الحالة العادية وفق وتيرة الزمن العالمي والمعاصر، بحيث لا تتأخر منطقة عربية عن منطقة أخرى، لأن من طبيعة العصر الراهن أنه يأبى التفاوت، وما الثورات العربية القائمة في ميادين التحرير والتغيير إلا تعبير عن رفض مصادرة المجالات والميادين من سياسة واقتصاد وعلم، ورفض التفاوت بين المرأة والرجل، واحتكار الدين على فئة أو منطقة معينة، بل حق كل العالم في التفكير في رسالة الإسلام لتحقيق عالميته. لم يعد الدين في سياق التاريخ المعاصر حكرا أو وقفا على رجال الدين وحدهم، بل دائرة الدين صارت واسعة جدّا، بحيث تشمل تخصصات ومجالات من أجل إبداء رأي معين في قضايا اجتماعية واقتصادية وعلمية. فالفتوى اليوم لم تعد تحتاج إلى الفقيه الذي لم يعد موجودا، بل إلى الهيئات واللجان العلمية المتخصصة كأفضل سبيل إلى الإحاطة بموضوع الفتوى والرأي. كما أن هناك مفهوما جديدا بدأ يدخل حيز التداول المعرفي والفكري وهو، أن القرآن الكريم كتاب هداية للناس كافة، وأنه الكون كله دنياه وآخرته، وهو ما يتطلب مساهمة الإنسانية كلها أيضا.
ليس بوسع أي جهة أو منطقة في العالم أن ترصد لوحدها هلال رمضان، أو تحدد وحدها ما هو شرعي أو غير شرعي، لأن اللحظة الراهنة هي لحظة عولمة بامتياز، تأبى أن تأخذ منطقة معينة بما تأخذ به منطقة أخرى حتى إن كانت إسلامية، كأن يفرض ما يصدر عن الدولة السعودية من تشريعات وأحكام وفتاوى وكأنها فتاوى شرعية لكل المسلمين، بل كل ما في الأمر أن التشريعات السعودية هي في الأصل والمفصل تشريعات إقليمية من وحي نظامها السياسي وذهنيتها الاجتماعية القائمة، والمذهب الوهّابي المعتمد الذي لا يقبل التصدير من أي ناحية من النواحي.
لم يعد الغرب عدّوا على ما كان يلوّح به النظام العربي منذ نهاية الاستعمار، بقدر ما أن الغرب في لحظة ما بعد الاستعمار صار حالة يمكن التعامل معها على أكثر من صعيد ومستوى وناحية، تتطلب الواقعية والقدرة على الفهم والتفاهم، سواء من منطلق قومي أو من منطلق اقليمي. وعليه، وعند التحليل الأخير، لازلنا نراوح عند نقطة انطلاق النهضة العربية، ونعيد استئناف البحث في أسئلتها الأولى، لكي نخرج من الشرنقة التي لازم فيها الخطاب العربي المعاصر نفسه منذ عقود من الزمن العربي الضائع: الأصالة/ المعاصرة، الإسلام/ الغرب، التراث/ الحداثة… وهي إشكالية عبّرت عن وضع مأزوم أكثر ما عبّرت عن حالة أزمة آيلة إلى زوال، أو برسم تخطيها، كما تفعل الدول التي تمثلت قيم الحداثة وجايلت بشكل حثيث سياق التاريخ المعاصر في كل تعبيراته ومعانيه.
وإطلالة سريعة على تاريخ القرن العشرين القصير على رأي المؤرخ البريطاني اريك هابزباوم، ما يؤكد ما نقصد اليه: إن الدول الأوروبية كلها تقريبا بما في ذلك التي تحررت من الأنظمة السياسية التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية، أي الدول ذات الديمقراطيات العريقة: فرنسا، بريطانيا والدول الاشتراكية التي جاءت إلى الحياة الديمقراطية في أعقاب انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي مطلع تسعينيات القرن الماضي، كذلك بلدان المنطقة البلقانية التي انتهت الى كيانات قومية لإعادة بناء دولها والانخراط الواعي في سياق التاريخ المعاصر. والأمر نفسه بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي خرجت من الحرب العالمية الأولى كأكبر دولة في العالم، ولم تتوقف عن التطوّر إلى اليـــوم مسايرة التاريخ المعاصر. ولم تتوقـــف ظاهرة صعود الدول إلى سطح العالم والانخراط في اللحظة المعاصرة بشكل مكثف على ما تصنع دول مــــثل البرازيـــل، الهنـــــد، الصين، تركيا، ماليزيا… في كل مناطق العالم تقريبا، ما عدا العالم العربي الذي بقي مستعصيا عن الاندراج في التاريخ المعاصر وما يقتضيه من شروط الإمكان.
كاتب وباحث جزائري
د. نورالدين ثنيو