شخصية أبو نواس وشعريته في النقد الغربي

حجم الخط
0

يذهب النقاد والباحثون الغربيون، الذين تناولوا شخصية أبي نواس ومذهبه الشعري، إلى أن شعره يقوم أساسا على الثقافة الكونية لزمانه. فهو لم يكن ملمّا فقط بآداب عصره، وإنّما بفقه الدين والفلسفة ومختلف التقنيات، كتقنية إنتاج وتقطير الخمور، على نحو ما نجد في أشعاره من تداول أنواع وأسماء الخمور، التي تدل على مسميات تقنية كانت تصل بسهولة لمتلقيه المعاصر، لأنها تشكل جزءا من المعرفة المقتسمة مع النخبة، ما يسعف القول بأن هذا الشعر يتسم بمظهر ديداكتيكي وتفسيري أحيانا.
في هذا السياق نعرض لبعض الآراء التي تستعرضها الناقدة الفرنسية ماري بونود، حول الموضوع في كتابها الموسوم: «شعر أبي نواس الخمري: الدلالة والرمزية الاستهلالية»، من جهة تحت مرجعية تراثية عربية موصولة بموسوعات الأدب وفهارس الأدباء، وعلى رأسها «عيون الأخبار» لابن قتيبة و»البيان والتبيين» للجاحظ، ومن جهة ثانية تحت مرجعية الثقافة العامة المرتبطة بالأحوال الإنسانية والأبعاد الكونية في العصور الحديثة.
1. مذهب أبي نواس في الشعر مذهب المتعة واللذة: تذهب ماري بونود في بحثها إلى القول بأهمية المتعة والابتهاج في شعر أبي نواس، ولكن بشرط اقتلاعه من مخالب النقد الديني والأخلاقي الغربي والشرقي على نحو سواء. وهي تؤكد بالدليل أن المتلقي لهذا اللون الشعري الموسوم بمديح اللذاذة هو ما تسميه (الرقيب) الذي يتجسد في فقيه الدين والفيلسوف والزاهد. وتبين بالتدقيق أن أبا نواس يجتاح شعريا صنفين من المتعة، متعة الجمال ومتعة الخلود. فبلوغ الأوّل يتم عبر النظر أو بتدقيق أكثر عبر التأمل البصري. أما الوصول إلى الثاني فمن خلال الخمرة والمأدبة التي تعلق لحظة الزمن وتنزّل الموضوع في الخلود الجذري. ومع ذلك ترى بونود أن كل هذا التكوين يقوم على نوع من الحضور الطيفيّ للشعر الجاهلي، حيث يمكن القول باستثمار قاعدة التحليل الماركسي، إن الفن الفعلي لفئة المشركين يكتسح شعر أبي نواس. وبناء على ذلك تبين ماري بونود بكثير من التركيز أن توصيف الخمر في شعر أبي نواس يستحضر التوصيف المقرون بالأطلال الجاهلية، ذاهبة إلى القول بأن هذا الارتباط هو السمة المائزة لشعره، بل هي السمة المؤسسة. ولكن هذا العمق يظل مخفيا عن إرادة وقصد، وأحيانا من خلال أخذ المسافة أو استثمار الصور الزائفة للأبعاد.
2. أبو نواس شاعر نبذته فراسة النقاد: في هذا الإطار تستعرض الباحثة رأي شارل بيات، من خلال مؤلفه عن الجاحظ ، حيث يقضي بالحكم على أبي نواس بأنه أحد الشعراء العرب الذين نالوا قليلا من الحب والتقدير من نقاد الشعر والأدب المجايلين، وعلى رأسهم الجاحظ الذي تجاهله في بعض تصنيفاته للشعراء. وأما النقاد المعاصرون – في رأيها- فلا يمكنهم أن يثيروا شعر العصر الكلاسيكي أو الشعوبية من غير أن يذكروا أبا نواس. ولكنّهم غالبا ما يقرنون ذكره بنوع من الحسرة لعدم التلاؤم بين حضور براعته الفنية الراقية في الكتابة وغياب النفس العبقري من رؤيته الشعرية. وكلّ ذلك في نظرهم مرتبط بحياة السفالة التي اختارها. ومن ثم ينعته ش. بيّات بشاعر الرذيلة، من حيث أنه يعكس نوعا من النباهة لا مثيل لها مقابل نوع من السفاهة التي لا حدود لها أيضا. وهو يدرجه ضمن صنف الشعراء الذين لا يبحثون إلا عن الإثراء. وبالنسبة لروجير أرننديس، صاحب كتاب «عصور بغداد الكبرى» فإن أبا نواس كان مثقفا بقدر كاف لكي ينظم الشعر في كل شيء وفي لاشيء. ولم يكن ينتج سوى أبيات صغيرة تجاري موضة الزمن. وإزاء هذه الصرامة النقدية يضطرّ بيّات أحيانا إلى الانحناء لعبقرية أبي نواس، والاعتراف به ضمن شعراء البصرة الكبار بفضل تميّزه في الصّنف الخمري، مستغربا عدم ذكر الجاحظ له في كتاب البيان ضمن شعراء البصرة الكبار، قائلا بأنه خيار غير منصف، ينزع بالخصوص إلى حذف أشخاص من عيار أبي نواس، الذي كان الجاحظ يعرفه ويقدر فنه، رغم تحفظه الضمني على أخلاقه التي لم تكن بقدر السمو المتمثل في قدراته الشعرية.
3. شعرية أبي نواس موصولة بثقافة الجشع وسلطة المال: في علاقة بالمال يبيّن شارل بيّات الأثر الذي تنامى في عصر أبي نواس جراء نشوء ارستقراطية حقيقية تقوم على تقديس المال والمجد، حيث صار الكثير يفضل منذ ذلك الوقت الاغتناء السريع وتشييد الثروات بكل الوسائل مع إحداث القطيعة مع الكرم التقليدي، والسقوط غالبا في متاهات البخل والجشع، جراء تراكم رؤوس المال وإثمار الأموال. وقارن ش. بيات تلك البرجوازية الجديدة بالبرجوازية الغربية في القرن العشرين، واختار أبا نواس للتعبير عنها من خلال قوله المأثور «أنا أبحث عن الغنى سواء برفقة خليفة حين أكون عديله، أو أن أبعث الرعب في الحارات». وبالتأكيد فهو لا يسِم أبا نواس بالبخل، ولكنه يختار هذه القولة لكي يميّز جشع العصر، بينما القارئ العادي لا يسعه من خلالها سوى الحكم على الشاعر وتصنيفه في فئة الأثرياء الجدد منعدمي الضمائر، إزاء سلطة المال. وقد استقصى ابن قتيبة هذا المظهر في «باب الهمّة واعتبار النفس»، حيث ربطه بمعنى الأنانية أو مذهب المتعة أكثر من دلالته على الجشع، محيلا في ذلك أيضا إلى الأثر المنقول عن يزيد بن المهلّب (وقيل ليزيد بن المهلب ألا تبني دارا؟ فقال: منزلي دار الأمير أو الحبس). لكن ابن قتيبة لا يقف عند حدود هذين المثالين بل يصلهما ببيت الحطيئة الشهير:
دع المكارم ولا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
على اعتبار أنّ هذا البيت يعكس قمة الفساد وانحراف قيم الحياة واختلال توازنات السلوك الاجتماعي. ويربط شارل بيات جانبا من هذا النزوع الجشع في حياة ابي نواس وشعره بظاهرة الغيرة والضغينة تجاه بعض معاصريه من الشعراء وعلى رأسهم زميله في المجون والتهتك عبد الحميد بن أبان اللاحقي لِما كان عليه من مظاهر الحظوة والرّعاية، فكان ذلك مدعاة لأن ينظم فيه النواسي قصيدته الهجائية متّهما إياه بالزندقة والكفر. ولكنه لم يجن من ذلك سوى أن ألـّب عليه النقاد وعلى رأسهم الجاحظ الذي لامه على ما ألحقه بمسلم من تهمة الكفر الخطيرة.

كاتب مغربي

عبد السلام ناس عبد الكريم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية