حول اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية

حجم الخط
1

خلد العالم اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية الذي يصادف 20 فبراير / شباط من كل سنة طبقا لقرار سابق للأمم المتحدة.
العدالة الاجتماعية هي محصلة منظومة من الاختيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الهادفة إلى إزالة الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين طبقات المجتمع في أفق بناء ذلك المجتمع الذي تسود فيه العدالة في كافة مناحيه، بدلا من انحصارها في عدالة القانون فقط.
إن العدالة الاجتماعية لا تنحصر في التوزيع العادل للثروة بين كافة فئات المجتمع وتحقيق الاستفادة من خيرات المجتمع بين الجميع، ولكنها ذلك الشعور بالكرامة الإنسانية، ذلك الشعور بالآدمية، والآدمية تقترن – حتما – بالكرامة. قال تعالى: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا».
العدالة الاجتماعية هي محور الرسالات السماوية والنظريات الفلسفية والأدبيات الفكرية المختلفة. فخاتمة الرسالات السماوية وهي رسالة الإسلام الخالدة، هي في جوهرها نضال من أجل العدل والتضامن والتزام الأغنياء بأداء حقوق الفقراء، وتحرير المرأة وتحقيق المساواة والاهتمام باليتيم والمسكين والأسير: «ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا».
إن ما يشهده العالم اليوم من اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية ومخاطر بيئية جمة، أثرت بشكل ملموس على أمن واستقرار الأفراد والجماعات وعصفت بإمكانيات العيش المشترك في عدد من البلدان. وزاد الوضع تفاقما تنامي الجرائم العابرة للقارات كالإرهاب والاتجار في البشر والتلوث وتجارة المخدرات وتزايد أعداد المهاجرين من طالبي الحماية هربا من الحروب ومن ضيق الحاجة وانعدام الاستقرار وتضاؤل فرص الشغل.
كل هذه العوامل تنذر بانسداد الآفاق وتستدعي التعاون والتنسيق الفعّال بين الدول والحكومات والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين ومنظمات المجتمع المدني من أجل تحصين المكتسبات التي راكمتها البشرية منذ إعلان ميثاق سان فرانسيسكو المؤسس للأمم المتحدة سنة 1945، وفي أفق بلورة منظور مشترك وفعال لتدبير الأزمات وتعزيز الدعم الدولي للتنمية.
إن هذا التحدي يفرض أولا على الدول والحكومات بلورة سياسات عمومية وطنية تتناسب مع إشكاليتها المحلية، وتتطلع للتعاون الدولي من منطلقات صلبة.
اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية هو فرصة لمساءلة المؤسسات الدولية والإقليمية والوطنية حول حصيلة جهودها في تعزيز التماسك الاجتماعي داخل البلدان، وفي ما بينها ومدى قدرتها على وضع سياسات اجتماعية منصفة وآليات قانونية فعالة ترتكز على إلزامية تأمين الولوج للمواطنين والمواطنات للاستفادة من الحقوق الأساسية، خاصة التعليم والصحة والتشغيل والسكن اللائق، في أفق تحقيق الدمج الاجتماعي وتوفير الحماية الاجتماعية خاصة بالنسبة للفئات الأكثر احتياجا.
إلى أي حد تتوافر بلداننا على عدالة توزيعية وضريبية منصفة، خاصة على مستوى إعادة توزيع الدخول وطريقة توزيع الأعباء الضريبية وتأمين الخدمات الاجتماعية اللازمة للعيش بكرامة وخلق فرص الشغل الضرورية لامتصاص البطالة؟
أليس من مسؤوليتنا كدول ومجتمعات العمل على صيانة وتطوير شبكات التضامن الاجتماعي التقليدي القائم على مركزية الأسرة في الهرم الاجتماعي وتطوير مضامين الإحسان والتضامن والتكافل العائلي والعناية بالفئات الهشة من فقراء ومساكين ومحرومين وعابري سبيل، وتركيز هذه القيم في وعي الناشئة من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية ومن خلال مناهج التعليم والتربية؟
هناك الكثير من الإشكالات التي تفرض نفسها لمساءلة حالة العجز والضعف التي وصلت إليها الآليات المؤسساتية الخاصة بالتماسك الاجتماعي والعدالة التوزيعية لنتائج النمو الاقتصادي في أفق وضع منظومة للعدالة الاجتماعية فعالة ومنصفة ومستدامة، يساهم فيها الجميع من منطلق الإيمان العميق بمفاهيم الكرامة والعيش المشترك والعدالة الاجتماعية.

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية