محاولة في فهم طبيعة الصراع الدائر في السودان

حجم الخط
1

أحداث كثيرة تدور في السودان تحتاج إلى قراءة واسعة من المختصين . ومن بين الأشياء التي استرعت الانتباه تنظيم أبناء منطقة ‘أبيي’ و’دينكا نقوك’ وأبناء جنوب السودان المقيمين في جمهورية مصر العربية وقفة احتجاجية أمام سفارة جنوب السودان بسبب اغتيال السلطان ‘كوال دينق ‘كبير سلاطين ‘دينكا نقوك’ وقد سلم المحتجون مذكرة إلى السفير لإرسالها إلى الرئيس ‘سلفا كير’، وقد وعد السفير بتسليم الرسالة إلى الرئيس ‘كير’ مؤكدا في الوقت ذاته أن منطقة ‘أبيي’ ستكون عاجلا أم آجلا جزءا من دولة جنوب السودان، واشتملت المذكرة على كثير من المطالب الانفصالية، وهي لا تنظر مطلقا إلى المشكلات التي بدأت تواجهها دولة جنوب السودان بعد الانفصال الذي فكك وحدة القطر وجعل كثيرا من المناطق الأخرى تنظر إلى تصرفات مشابهة لتحقيق مطالب النخب السياسية .
من جانب آخر رفضت الحكومة السودانية أي مساع أوغندية من أجل التوسط لحل مشكلة دارفور بواسطة الرئيس ‘يوري موسفيني’ مؤكدة أن الرئيس ‘موسفيني ‘ غير مؤتمن على القيام بهذه المهمة، وقال الدكتور ‘أمين حسن عمر’ رئيس مكتب متابعة سلام دارفور إن الرئيس ‘موسيفيني’ يتحدى الإرادة الدولية للسلام، وهو يؤوي كثيرا من الحركات المسلحة التي تعمل ضد السودان، كما أن له علاقات بالدوائر التي تعادي الثقافة العربية بصورة عامة.
وقال الدكتور ‘أمين حسن عمر’ إن مجلس الأمن غير قادر على التحرك لدعم عملية السلام في دارفور لأن بعض الدوائر التي تتحكم فيه لا ترى لها مصلحة في ذلك. ويرى الدكتور ‘أمين حسن عمر’ أن الاشتباكات التي حدثت أخيرا في دارفور هي أكثر خطورة من التمرد الذي تم التوجه لمعالجته.
من جانبه أعلن ‘الصوارمي خالد’ الناطق باسم القوات المسلحة أن الجيش السوداني تصدى إلى هجوم المتمردين في جنوب كردفان وكبدهم خسائر كبيرة، واستولى على كثير من معداتهم ومازالت القوات المسلحة تتابع عمليات المطاردة مع المتمردين.
وتقول مصادر موثوقة أن اشتباكات وقعت بين مسلحي حركة العدل والمساواة والقوات الحكومية، وأن حركة العدل استولت على كثير من المعدات الحكومية وذلك ما أنكره المتحدث باسم القوات المسلحة السودانية ‘الصوارمي خالد’، لكن المؤكد هو أن بعض الفصائل في دارفور تحاول توسيع رقعة القتال مع القوات الحكومية في خارج مناطق الإقليم وفي عمق ولايات سودانية أخرى، كما هو الشأن في ولايتي شمال وجنوب كردفان المجاورتين لدارفور وتتعاون هذه الفصائل بصورة قوية مع الحركة الشعبية في شمال السودان، وهي الحركة التي لم توضح أهدافها بصورة كاملة حتى الآن بعد أن حققت أهدافها في جنوب السودان. وقد اتهمت الحكومة السودانية تحالف المتمردين الذي شن هجوما على مدينة ‘أم روابة’ بأنه يعمل بدعم من حكومة جنوب السودان، وهو اتهام لا يخلو من موضوعية لأن حركة التحالف الثوري تهدف إلى تحقيق أهداف تقترب من تلك التي أدت إلى انفصال دولة الجنوب، وكأنها حركات موجهة ضد الوجود العربي في شمال السودان.
لكن التطور المهم هو تأكيد الولايات المتحدة أن سكان جنوب كردفان والنيل الأزرق لا يستهدفون تحقيق استقلال إقليميهما عن السودان، ولكنهم يعارضون الحكم الإسلامي في البلاد ويطالبون بدولة عالمانية، وجاء على لسان وزير الخارجية الأمريكي ‘جون كيري’ أن الرئيس السوداني ‘عمر حسن البشير’ يضغط على السكان الإقليميين لقبول صيغة الحكم الإسلامي السائد في البلاد. وقال ‘كيري’ إنه سيبعث بمندوب جديد إلى السودان ليحل محل ‘برنستون ليمان’ وستكون من أولى مهام المبعوث الجديد إيجاد حل لوضع منطقة ‘أبيي’ الغنية بالنفط .
والسبب في ذلك هو أن ‘ليمان’ كان قد أعلن من قبل أن بلاده ليس لديها تصور لحل المشكلة في ‘أبيي’ ودعا المجتمع الدولي إلى أن يشارك في وضع التصورات التي تؤدي إلى حل هذه المشكلة، ومن جانب آخر قال وزير الخارجية الأمريكي ‘جون كيري’ خلال لقائه مع وزير الخارجية السوداني ‘علي كرتي’ على هامش قمة الاتحاد الأفريقي إنه سيتعاون مع الاتحاد الأفريقي من أجل وقف العنف على الحدود بين دولتي السودان وجنوب السودان. وقال ‘كيري’ يجب أن تبنى دولة الجنوب الجديدة على السلام وليس على المشاكل، ولا شك أن موقف وزير الخارجية الأمريكي يعتبر في هذه المرحلة توجها إيجابيا بعد فترة طويلة من الجفاء بين حكومة السودان والحكومة الأمريكية، ولكن السودان يطالب بأكثر من ذلك إذ هو يطالب بأن تعمل الولايات المتحدة من أجل إقناع حركات التمرد في سائر المناطق بالجلوس إلى طاولة المفاوضات مع الحكومة من أجل تحقيق السلام في البلاد. والمعروف أن ‘جون كيري’ زار السودان عدة مرات قبل توليه منصب وزير الخارجية وحين كان رئيسا للجنة الشئون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي.
من جانب آخر وفي سلسلة هذه المواجهات أعلن وزير الدفاع السوداني الفريق ‘عبد الرحيم مخمد حسين’ أن القوات السودانية تمكنت من تحرير مدينة ‘أبو كرشولا’ التي كان المتمردون قد استولوا عليها وألحقوا بها خرابا كبيرا.
وبمناسبة تحرير هذه المدينة أعلن الرئيس السوداني ‘عمر حسن البشير’ إلغاء أية مفاوضات مع متمردي ‘الجبهة الثورية’ التي تجد دعما من دولة جنوب السودان، وهدد الرئيس السوداني بوقف تدفق النفط الجنوبي عبر دولة السودان إذا استمرت دولة جنوب السودان في دعم متمردي الجبهة الثورية، ووصف الرئيس السوداني متمردي الحركة بأنهم عملاء دون أن يحدد الجهة التي يعملون لصالحها .ووجه الرئيس السوداني كلمة إلى أهل جنوب كردفان مؤكدا أن النوبة أبرياء مما تقوم به الجبهة الثورية.
أما الجبهة الثورية فقد وسعت تنظيماتها وعقدت اجتماعا لقياداتها العليا والتي تضم أطيافا من قادة العمل السياسي في السودان منهم ‘ياسر عرمان’ و’مني أركو مناوي’ و’مالك عقار’ وغيرهم، واستعرضت الجبهة عملياتها العسكرية والوضع الإنساني في إقليم دارفور، ووجهت انتقادات لاذعة لنظام الحكم في الخرطوم .
وقالت الجبهة الثورية إنها اتبعت طريق السلام ولكن نظام الحكم في الخرطوم هو الذي دعاها لأن تسلك طريق الحرب.
ومهما يكن من أمر فإن هذه الصورة توضح أن السودان يواجه مرحلة حرجة في تاريخه، والسؤال هو هل هذه الحركات تهدف بالفعل إلى تغيير نظام الحكم أم أن لها أجندات مختلفة تشبه تلك التي أدت إلى انفصال جنوب السودان، وفي كل الأحوال لماذا يحدث مثل هذا في بلد كالسودان محكوم عليه بالوحدة بسبب تكوينه الجغرافي الذي ظهر بصورة جلية في المشاكل التي تواجهها دولة جنوب السودان في الوقت الحاضر.

‘ كاتب من السودان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية