مأزق الشرطة المصرية يرجع إلى ثقافة سادت بين كافة مستوياتها؛ أدت إلى ممارسات شاذة؛ على مدى أكثر من أربعين عاما.. ونبتت بذرتها مع تقلد أول شرطي منصب رئاسة الوزارة هو اللواء ممدوح سالم في 1976.. واستفحلت في زمن «الرئاسة الموازية»، التي تولاها جمال مبارك.. وصارت دولة بوليسية صريحة؛ دستورها قانون الطوارئ، ونهجها الإجراءات الاستثنائية، وصلاحياتها مطلقة.. ومع ذلك سقطت في 25 يناير / كانون الثاني 2011.. وها هي تعود بعد 30حزيران / يونيو 2013..
وهذه الثقافة نمت مع الحاجة لحماية حكم عائلة مبارك، ثم أصبحت الآن أداة انتقام من الشعب.. وحال ذلك دون التعلم وأخذ العبرة من درس الهزيمة التي منيت بها في 28 كانون الثاني / يناير 2011.. ولو وعت الدرس لحصلت على رصيد، كالذي كسبته القوات المسلحة بعد هزيمة 1967.. بعد أن غيرت نهجها، وطورت أداءها وقدراتها، واستردت كرامتها، واستعادت ثقة الشعب فيها بحرب 1973.. وثقافة الشرطة وهي تركز على حماية نظام الحكم لم تكترث بتحقيق الاطمئنان للمواطنين.. وتمارس الانتقام منهم عقابا لهم على ثورتهم العظيمة.
وتحدي هذه الثقافة لا يكون بالأحاديث المرسلة عن »تجاوزات فردية»، رغم حقيقتها كظاهرة متجذرة واضحة للعيان. فحين أسفرت عن وجهها باعتداء »الأمن المركزي» على محتجي »حركة كفاية» ووقفتهم أمام نقابة الصحافيين في مايو / ايار 2005؛ نُكِّل بهم، وتم اصطياد الفتيات المشاركات معهم وتعرضن للتحرش وتمزيق الملابس؛ في مشهد همجي لمخلوقات متوحشة.. وراح ضحيته الصحافية نوال علي، بعد أن تركت مصر؛ تخلصا مما لحقها من إهانة، ولقيت ربها وتوفيت غريبة عن أرضها وبلدها… وكي لا تضبط الشرطة متلبسة بمثل هذا العار أقامت تنظيما من البلطجية وأرباب السوابق والساقطات للقيام بالأعمال القذرة والمشينة بدلا منها..
وفي تلك المرحلة شهد المجتمع حالات تعذيب بشعة، كالتي جرت لـ»عماد الكبير»، واستهدفت إذلاله وإهدار رجولته.. وتوالت الحالات، وكانت حالة خالد سعيد قشة قسمت ظهر البعير.. تبعها انفجار مصر كلها؛ معلنة بأعلى الصوت: كفى.. طفح الكيل.. ونفد الصبر.. واستُهلك الرصيد. وأثرت »الثقافة البوليسية» على الخطاب الرسمي، الذي بدا متهافتا؛ يغطى عجزه بالإصرار على أن جرائم الشرطة مجرد »حالات فردية»، وكان ذلك عنادا طبع السنوات العشر الأخيرة من عمر حكم عائلة مبارك.. وكل ما فعله أنه أوحى لـ»أباطرة المال» بتقديم المال اللازم لجمع البلطجية وتنظيمهم في جماعات تتولى ترويع الناس وإرهابهم بعيدا عن الشرطة!!. وامتدت هذه الثقافة إلى اختيار الوزراء والمسؤولين.. وأدت إلى تراجع شروط الكفاءة والنزاهة والاستقامة، أمام سيطرة النهج الأمني الداعم لتشجيع تدخل المؤسسات الاقتصادية والمالية الغربية في الشأن الاقتصادي الوطني.. وخدمة أباطرة التطبيع، وأنصار الخصخصة.
وأزمة السياسة الراهنة هو عجزها عن مواجهة هذه الثقافة.. والسبب أنها بلا ذاكرة؛ تجهل حجم ما دفعته مصر من حريتها واستقلالها حين غرقت في ديون عصر الخديوي اسماعيل.. وتدخل »صندوق الدين».. وقيامه بالتحكم في موارد ومصارف مصر الخديوية.. وكان الاحتلال الاقتصادي والمالي مقدمة حقيقية للاحتلال العسكري وفقدان الاستقلال السياسي.
والعارفون بالتاريخ البريطاني يعلمون دور »شركة الهند الشرقية» في استعمار العالم وقيام الامبراطورية؛ فتحت طريق الهند، وامتدت به إلى باقي أنحاء العالم، وتأسست الامبراطورية، التي لا تغيب عنها الشمس. وتراهن قوى كثيرة؛ محلية وإقليمية وخارجية على محو الذاكرة الوطنية؛ فالشعوب التي تفقد ذاكرتها تسقط من الحساب.. وإذا كان الذكاء الفطري وحده لا يكفي لاكتمال النضج وسعة الأفق الفردي فإن الذكاء المكتسب أو الاجتماعي هو أداة النضج وتوسيع المدارك السياسية والعامة.. والدول يجب أن يتوفر لها هذا النوع من الذكاء.. وهو يُكتسب بالعلم والمعرفة والخبرة وتنمية المهارات، ويتولد بذلك الخيال الخصب والاجتهاد الحر والإبداع، والحصيلة تصنع الذاكرة الوطنية.
ابتليت مصر، بعد ثورتين عظميين، بحكومات لا تهتم بمثل هذا الكلام وقد لا تعرفه؛ تحركها »الثقافة البوليسية»، ومنها الوزارة الحالية، وقد منحها الرئيس السيسي مباركته وتأييده.. وقال: »انتو حتعرفوا الحكومة أكثر مني».. بدلا من أن ينبهها إلى أن انخفاض أسعار النفط إلى الثلث خلال السنتين الأخيرتين فرصة لضبط العجز والتخفيف من معاناة الناس.. وتَرَكها تطلق غول الأسعار، بدون ضابط أو رادع..
وأشاد الرئيس السيسي بمشروعاته.. وليس هناك غضاضة في ذلك.. وبعضها ليس له أولوية، وغاب التفسير المقنع للبعض الآخر.. مثل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة.. وكذلك المشروعات ذات المردود الذي يعود على فئات وشركات واحتكارات أجنبية.. وغيرها الممول بالقروض الضخمة.. والدول لا تنمو ولا تتقدم بغير الاعتماد على النفس، أما الاعتماد على القروض فأمر محفوف بالمخاطر.. فضلا عن أن ميزان العدل والثروة ما زال على اختلاله، ويُحمل الشعب فوق طاقته.. ويقلل من أثر الجهد المبذول لحماية الدولة، ويذهب به أدراج الرياح..
والملفت للنظر أن ذلك أتى مصحوبا بتحول غير متوقع في الخطاب الرئاسي؛ انتقل من اللغه الناعمة، وإن كانت غير حاسمة، إلى لهجة خشنة غير مبررة.. والرئيس رأى أن الوقت ما زال مبكرا على الديمقراطية.. ولم يفصح على أي توقيت ضبط ساعته السياسية؟ هل ضبطها على أناس حصلوا على حريتهم وأساءوا استخدامها؟ هل جرب وطبقها وقابله الشعب بالجحود؟.. فليجرب أولا ثم يحكم!!..
وصدر الرئيس، وقد بدا يضيق بالنقد، يسمح لنا أن نقول أن طرح الرأي وممارسة النقد حق لا يقبل المقايضة.. وقيل لنا إنه حق له قواعده وأصوله.. قلنا نعم؛ فقواعده هي أن يكون المواطنون سواء أمام القانون بدون تمييز يضع قلة من أباطرة المال والمسؤولين الكبار فوق القانون، وأغلبية تداس بنعاله. والرئيس يعلم بوجود وزير »داعشي» في وزارة شريف اسماعيل؛ له نهج خاص في تطبيق القانون. أما الأصول هي ألا يكون النقد خَصما من حساب الدولة، لكن يعمل على تطهيرها من الفساد، ولا يسحب من رصيد القوات المسلحة، ويحرص على ألا تتورط في ما ليس لها، وهذا تقدير ممزوج بوعي وطني صادق.
وليسمح لنا الرئيس بطلب التقليل من الخروج على النص، فذلك يشوش الأفهام.. والارتجال يخلط المعاني.. والتنبه إلى أن لغة الجسد، وهي بلا لسان، تفصح عن الكثير؛ ليعلم أن الخطاب الرئاسي مصدر للوعي بتوجهات الحكم وإدارة الدولة. ومخفف من مشاعر الظلم الغالبة على بعض الأوساط، وهو ما يؤْذِِن بخراب العمران على حد قول ابن خلدون.
وليسمح لنا أن نضيف أن مصر في أمس الحاجة لاستئناف التصنيع والاهتمام بالإنتاج وتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء على الأقل؛ فمغاليق المشروعات الريعية والاستهلاكية المستوردة بيد الاحتكارات والمصدرين في البلدان البعيدة متى تعطلت اختنق الوطن وجاع المواطن. ومصر منذ الانفتاح تعتمد على السياحة؛ حتى عادت في وضع أشبه باعتمادها على محصول القطن، الذي كانت تصدره للمصانع البريطانية وتحصل على مقابله لتأكل!!..
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب