مغامرة رومانسية من المترجمة الفلسطينية ريم غنايم: مختارات شعرية لجيمس جويس وأخرى للشعر الأفرو ـ أمريكي

حجم الخط
4

 

نادرة هي المختارات الشعرية التي تترجم بلغة سلسلة وواضحة ودقيقة، فالناقل عليه أن يلم بروحية النص، مستقصياً المرام والقصد والمعنى الكامن في جوّانية النص الشعري، ويكون أي المترجم على قدر من المسؤولية الثقافية التي تتيح له التصرف بدقة وأمانة وتبصّر، لكي لا يخون النص الشعري، ويقع في المثل الإيطالي حول خيانة النص. فالشعر يحمل حساسية ما، ودفقات من الشعور وشلالات من الأحاسيس التي تجعل من المغامرة في الإقدام عليه في غاية الصعوبة والحذر والتأني.
المترجمة الفلسطينية ريم غنايم أقدمت على هذه المغامرة الجميلة والرومانسية في ترجمة كتابين شعريين، الأول مختارات للروائي الشهير جيمس جويس صاحب الرائعة الفريدة «يوليسيس» و «الدبليون» و»صورة الفنان في شبابه»، وكذلك أشعاره ومسرحياته، من بينها «المنفيون».
يُقسِّم جويس أشعاره إلى عنوانين، الأول يحمل عنوان «موسيقى الحجرة»، والثاني جاء بعنوان «أشعار رخيصة» الكتاب برمته يجمع قرابة الست والثلاثين قصيدة.
تتكئ أشعار جويس الناثر في سردياته المعقدة والغامضة والتي تعتمد اللغة الملتوية،المبهمة ذات الأوساق الرمزية منفذا لها. تتكئ أشعاره هنا وعلى عكس سردياته الروائية هذه،على النبرة الغنائية الموسيقية، غناء العاشق المتوله بفتاة ما، والشاعر الرومانطيقي اللاهث في البراري باحثاً عن سرّ الطبيعة ووجودها الذي دعم الشعراء طويلاً وألهمهم أجمل الأغنيات والأبيات الشعرية، وما الشعراء شلي ووردز وورث وييتس إلا شعراء ملهمين ألهمتهم الطبيعة والوجود فرائد رومانطيقية لا تموت، ما زالت تطبع ويعاد طبعها في مئات الطبعات في اللغة الإنكليزية.
إن جويس الناثر والروائي الفذ أقدم مثل غيره من الروائيين والمسرحيين على كتابة الشعر الذي يحتاج إلى مواهب خاصة، لكي يقتحم بعبقريته هذا المجال.
وأشعار جويس المبكرة تتميز أيضا بحس الدعابة واللغة الكوميدية ـ السايكولوجية لكي تكشف باطن الآخر، باحثة في طواياه عن السرّ الوجودي الذي سيحمله الإنسان معه، ولعل هذه اللغة المستفسرة والمتسائلة في أشعاره، هي ليست لغة صوفية، تهجّديّة، بل لغة اللاعب باللغة ضمن المجالات النفسية للكائن البشري.
نشر جويس مجموعته الأولى «موسيقى الحجرة» عام 1917، وبعد مرور عشرين عاماً نشر ديوان «أشعار رخيصة».
كلا العملين يعتمد سياق العاشق والمحب والمتولّه، فهي أشعار موسيقية، عذبة، تناجي الآخر لكي تتداخل معه في وشيجة واحدة.
حس السخرية في الأولى يطغى على بعض جوانبها الفنية، بادئا بذكرياته مع عالمه الدبلني وحياته آنذاك بين الناس ومن عايشهم وشهد تفاصيل حياتهم.
وعن المنحى الرومانسي الذي يتمتع به شعر جويس نلمس هذه الصيغ في «موسيقى الحجرة « بسهولة جلية:
«أوتار في الأرض والجوّ،
تَهِب للموسيقى عذوبة،
أوتار بمحاذاة النهر، حيث يحتشد الصفصاف،
ثمة موسيقى على طول النهر، حيث الحب يهيم هناك،
أزهارٌ شاحبة على معطفه، أوراق داكنة على معطفه»
بينما في «أشعار رخيصة» يذهب جويس ليسجل مشاهداته شعراً عن عوالم تلك الأيام بكل توهّجها وتوتّرها وغناها، مستعيناً بخياله البارع ورؤيته الجمالية المكينة:
ومن قصيدة «على شاطئ في مونتانا» التي كتبها كتقريظ لابنه أثناء رحلة معه يقول:
«تئنّ الريحُ
ويئنّ معها الحصى،
أوتاد الرصيف المجنونة تتأوّه».
الكتاب الشعري الثاني وهو كتاب مهم ويسدّ ثغرة في ترجمة الأدب الزنجي، جاء حاملاً عنوان «الموت في أرض حرة»، وهو كتاب جامع وملمّ بالتجربة الشعرية السمراء في أمريكا، وجل شعرائه هم من الأسماء المعروفة وبينهم شعراء كبار، مثل لانغستون هيوز وريتا دوف وريفرز وكلود مكاي وغيرهم من الأسماء اللامعة في سماء الشعر الأمريكي الذي يشكل بمفرده قارة شعرية كاملة. ضمّ الكتاب أكثر من سبعين شاعراً من أجيال مختلفة ومتنوعة ومتباينة، في طرائق التعبير والأساليب والأشكال الفنية والجهود الجمالية التي طرحوها، حسب ذائقة وحساسية كل واحد منهم، فهناك المؤسس والداعي للتجديد، وهناك الناشد لعالم الحرية والتشوّف إلى الانعتاق من جميع الأغلال الفنية والوجودية والإنسانية التي يقيمها الآخر، تجاه كائن بشري مثله، بسبب لونه وشكله وجذوره. شعراء كثيرون سيمرّون في هذه الأنطولوجيا الضخمة وهم يحملون هموم مواطنيهم وذكرى الأيام السود للعبودية والأغلال البشرية التي كانت تميّز بين فرد وآخر، بطريقة عنصرية بحتة.
الشاعر كلود مكاي يقول في قصيدة «مأساة الزنجي»:
«إنها مأساة الزنجي التي أحسّ بها،
تطوّقني مثل قيد حديدي ثقيل،
إنها جروح الزنجي التي أريد أنْ أداويها».
النبرة الحزينة والمأساوية في أشعار الشعراء الأفرو ـ أمريكيين، تفصح عن محتواها دون إعمال الذهن في نسيج أغلب هذه القصائد، باستثناء الجيل الأحدث الذي يبحث عن التميّز، أما بالغموض وطرق الإبهام، أو بوسائل شكلية وألاعيب لغوية تبعده عن القصد والمحتوى قليلاً، لكن غالبية هذه الأشعار، تنهل من نبع وجودي واحد هو الحرية والكتابة عن التجربة الإنسانية، حتى الشعراء الأحدث سناً يحاولون أن يتسللوا إلى أعماق الإنسان لغرض الاستكناه والكشف عن التراجيديا البشرية.
لم أجد في مجمل هذه الانطولوجيا الشعرية قصائد لم يكن الإنسان محورها، بتفاصيله الحياتية الكثيرة، تلك التي ستكون هي المبنى العام للقصيدة وأثاثها الفني والأساس التعبيري لها، لتقترب في النهاية من جروح الإنسان وقضياه اليومية العديدة. لنصغ إذاً إلى الشاعر جون رافن الذي يقول في قصيدة «مشقة» هذه الأبيات المعبّرة:
« أبي وأمي ونحن،
عشرة أطفال،
عشنا في غرفة واحدة،
ذات مرة مرضتُ
وكأني على وشك الموت،
سمعت صيحة تقطع الكآبة،
مرحى، سنتحصّل على غرفة أخرى».
حاولت ريم غنايم في ترجمة أشعار جيمس جويس، أن تقرِّب لغته الأدبية المتعاضلة، من ذائقة القارئ العربي، وتمنحه تلك الطلاقة والحس في ملامسة جمله المستعصية في نصوصه الشعرية هذه، تلك النصوص المبكرة التي كان يفتتح فيها جويس حياته الأدبية. صحيح أن هناك نصوصاً جلية وغير مبهمة ولكن المعنى الذي يسوسه جويس في مخيلته اللغوية النشطة والفاعلة هو غير ما يدور في ذهن المترجم والناقد والمتتبع أحياناً.
أما في الشعر الأفرو ـ أمريكي، فسعت غنايم إلى تطويب تلك الأعمال وجعلها نصوصاً استاتيكية، في غاية الدقة والسلاسة، من أجل الحفاظ على بنية القصيدة، دون التواء وتعمية وضياعها في متاهة التجارب والصيغ الترجمية، بل هي سعت إلى وضعها في مصاف اللغة العالية والمنيفة .
يبدو أن شعراء هذا الكتاب، وأعني شعراء «الشعر الأفرو ـ أمريكي» وشاعراته الكثيرات اللواتي يتصدّرن المشهد الشعري الأمريكي بشكل عام، يشكلون معاً العمود الأساس للشعر الأمريكي بكل أزمنته الفنية والتاريخية والجمالية.

«أشعار ـ جيمس جويس»
دار الجمل، بيروت 2014
103 صفحة
«الموت في أرض حرّة»
دار الجمل، بيروت 2015
240 صفحة
ترجمة: ريم غنايم

هاشم شفيق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية