الجزائر ـ «القدس العربي»: عادت ملفات الماضي المثيرة للجدل في الجزائر لتطرح وتطفو على ساحة النقاش العام، في وقت تعيش فيه البلاد مرحلة حاسمة وتواجه تحديات مختلفة على كل الجبهات. ملفات تتعلق بما جرى خلال ثورة التحرير، أو خلال نهايات الثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، أو حتى ما جرى خلال السنوات القليلة الماضية. أحداث مهمة في تاريخ الجزائر غيرت مسار البلاد وتوجهاتها في أحيان كثيرة، لكنها ما تزال قضايا عالقة ومعلقة، والنبش فيــها في كل مرة يفتح الباب لسجالات وصراعات وحروب كلامية واتهامات بالخيانة والعمالة.
ليست المرة الأولى التي يتم فيها فتح ملفات الماضي في الجزائر، لكن مع وجود متغير هذه المرة، وهو أن الملفات التي تم فتحها لم تخص فقط فترة الثورة الجزائرية، بل تعدتها إلى مرحلة نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، والتي تحررت الألسنة للخوض فيها بتفاصيل أكثر، منذ حل جهاز الاستخبارات، وإحالة الفريق محمد مدين قائد الجهاز السابق على التقاعد.
ثورة عظيمة ولكن
الثورة الجزائرية واحدة من أعظم الثورات في العصر الحديث، فالشعب الجزائري الذي استعمر لأكثر من 132 سنة، حاول خلالها المستعمر الفرنسي إلغاء وجوده وهويته ولغته ودينه، انتفض وقام بثورة في وجه واحد من أكبر الجيوش في العالم، ورغم ذلك، فإن الشعب الجزائري انتصر في الأخير، وتمكن من انتزاع استقلاله والحفاظ على وحدته الترابية، بعد ثورة دامت أكثر من سبع سنوات.
الثورة الجزائرية كأي ثورة، وحرب التحرير كأي حرب، لم تخل من أخطاء وتجاوزات، والخلافات بين قادة الثورة كانت امتدادا للخلافات التي كانت قائمة بين رموز الحركة الوطنية قبل اندلاع ثورة التحرير، واستمرت إلى فترة الاستقلال وما بعدها، غير أن الذين كتبوا تاريخ هذه الثورة بسرعة وعجالة أو كتبوا مقتطفات منه أو عناوينه العريضة صوروا ثورة مثالية بدون أخطاء، الأمر الذي كان من وجهة النظر الرسمية ضروريا لحماية الجزائر الفتية. غير أن الملفات المزعجة والمسكوت عنها بدأت تنكشف تدريجيا، وبدأت تغير تلك الصورة التي رسمتها الرواية الرسمية.
ولعل أول قضية أزيح النقاب عنها هي قضية المجاهد عبان رمضان الذي قتل سنة 1957، إذ ظلت الرواية الرسمية تقول لسنوات أنه استشهد في ساحة القتال، تبين بعد الاستقلال، أنه قتل على أيدي زملاء الكفاح، لأسباب غير واضحة، ولتكون بداية لسلسلة من الملفات الملغومة التي تثار بين فترة وأخرى بخصــوص ما جرى خلال الثورة من أخطاء وتجاوزات.
وفي غياب كتابة موضوعية لتاريخ الثورة، وفي ظل التوظيف السياسي لهذا التاريخ، فإن أي ملف كان يفتح يأخذ أبعادا أخرى، لا تتوقف عند محاولات الفهم، بل تحولت إلى محاكمات صورية عبر التصريحات والتصريحات المضادة مع إصدار أحكام بالعمالة والخيانة.
نقاط ظل أخرى
ليست فترة الثورة الجزائرية هي فقط التي توجد فيها نقاط ظل، فتاريخ الجزائر بعد الاستقلال لم يكتب بعد، وتوجد فيه العشرات من نقاط الظل، من قضية العقيد محمد شعباني الذي أعدم خلال حكم الرئيس أحمد بن بلة، إلى الانقلاب الذي قام به العقيد هواري بومدين على الرئيس بن بلة سنة 1965، وصولا إلى فترة حكم الرئيس الشاذلي بن جديد، ونهاية الثمانينيات وما صاحبها من انتفاضة شعبية فتحت الباب على تعددية حزبية، أفضت إلى ديمقراطية طبخت على عجل سرعان ما تحطمت بداية التسعينيات عندما قررت قيادة الجيش وقف المسار الانتخابي، الذي أعطى الأغلبية للإسلاميين في أول انتخابات برلمانية تعددية قالوا إنها ستكون آخر انتخابات، وأنهم بعد وصولهم إلى السلطة لن يغادروها أبدا.
واستمرت القضايا المثيرة للجدل مع فترة التسعينيات والحرب التي شنتها الجماعات الإرهابية التي تدثرت بقرار إلغاء الانتخابات لتكفير السلطة، ثم الشعب، في حين يرى بعض ممن حملوا السلاح أنهم دفعوا لذلك من طرف السلطة، وتواصلت نقاط الظل مع وصول الرئيس زروال إلى السلطة ثم الرحيل عنها ومجيء عبد العزيز بوتفليقة سنة 1999.
تشويش واضطراب
يرى الباحث في علم الاجتماع عبد الناصر جابي أن الجزائريين لديهم علاقة متوترة ومشوشة مع التاريخ لا تقتصر على مرحلة الحركة الوطنية وحرب التحرير، ذلك أن التشويش والاضطراب يمتدان أيضا، إلى مراحل قديمة من تاريخ الجزائر، موضحا أن الأمر بالطبع يزداد تعقيدا عندما يتعلق بتاريخ حرب التحرير التي ما زال صانعوها على قيد الحياة، بل وما زالوا يمارسون السلطة.
وأضاف جابي في تصريح لـ«القدس العربي» أن تاريخ حرب التحرير تم السكوت عنه إلى درجة أنه في مراحل معينة منع بعض ممن شاركوا في صنع هذه الثورة من كتابة مذكراتهم، وتم فرش قراءة رسمية لتاريخ الثورة لم تقنع الكثير من الجزائريين، ما جعلهم يطالبون بقراءات أكثر جدية وحيادية تشبع تطلعهم لمعرفة أكثر حول تاريخهم.
وأكد أن تصدي جهات سياسية لكتابة تاريخ الثورة من طرف رموزها وصناعها، كان فرصة لظهور هذا النوع من الصراعات، التي يرى أنها مطلوبة ومقبولة، حتى وإن كانت تتسم بالكثير من نزعات تصفية الحسابات، ولم تكن دائما موفقة في طرحها للقضايا التي أثيرت للنقاش، علما ان هؤلاء الفاعلين ليس مطلوبا منهم كتابة التاريخ وليس من حقهم تصفية حسابات سياسية وشخصية على حساب هذا التاريخ، وهو ما يحصل جزئيا على الأقل.
واعتبر عبد الناصر جابي أن غياب الباحث الجامعي المتخصص، وعدم بروز مؤرخين وضعف أو انعدام وجود فضاءات للنقاش التاريخي والعلمي عوامل زادت من حدة الصراعات، وأصبحت كل عودة للتاريخ هي تصفية حسابات شخصية ستزيد حتما من قتامة الصورة لدى الأجيال الشابة.
وذكر أن من الأكيد ان العودة بهذا الشكل لمراحل تاريخية معينة، والحديث عن رجال على وجه التحديد نوع من التموقع داخل هذه الخريطة السياسية المضطربة القائمة حاليا، والتي يكمن وراءها أجندات لجيل من السياسيين لا يريد مغادرة المشهد، رغم ان الكل يصفر عليه، جيل أنجز حرب تحرير ناجحة وحرر البلاد، لكنه قد يساهم للأسف في جعلها أكثر اضطرابا من الناحية السياسية، ويساهم أكثر في اضطراب ذاكرة الجزائريين، ما يخدم القراءات الاستعمارية للذاكرة.
موضوعية وشجاعة
من جهته اعتبر عبد الرحمن سعيدي القيادي في حركة مجتمع السلم (إخوان) أن الجدل الذي يثار بين فترة وأخرى مرده طبيعة المواضيع والملفات التي لم تأخذ حقها من النقاش في حينها، وظلت حبيسة السرية والكتمان، وبالتالي فإنها عندما تثار من زاوية معينة تنفجر زوايا أخرى، في حين أنه لو أخذت حقها من النقاش في زمان وقوعها، لما بقيت مثيرة للجدل، ولأصبح فتحها من جديد مرده التطلع إلى إضافة معلومات جديدة.
وأشار إلى أنه التقى مرة الرئيس الراحل أحمد بن بلة، خلال المشاورات التي سبقت الانتخابات الرئاسية سنة 2004، وأن بن بلة قص عليه حكاية مشاركته في برنامج «شاهد على العصر» الذي بثته قناة «الجزيرة» وذكر أن الصحافي أحمد منصور ظل يلح عليه، وإنه في الأخير وافق، لكنه وضع شروطا، وهي ألا يتطرق إلى موضوع الطائرة المختطفة سنة 1956 من طرف فرنسا وكان على متنها خمس من قيادات ثورة التحرير، بينهم أحمد بن بلة، ومبرره في ذلك أن العلاقة مع المغرب متوترة بما فيه الكفاية، بمعنى أنه لو قال ما يعرف عن هذه القضية لتوترت العلاقات أكثر، والشرط الثاني كان عدم الحديث عن تفاصيل الانقلاب العسكري الذي قاده هواري بومدين ضده سنة 1965، وذلك لأن أحد أطراف الانقلاب وهو الرئيس عبد العزيز بوتفليقة موجود على رأس الدولة.
وأكد سعيدي أن بعض الأطراف لما تغيب عن السلطة ويتراجع نفوذها أو يختفي أو ترحل عن الدنيا تفتح الملفات الخاصة بها، وتصبح موضوعا للجدل، ويصبح من الجائز إثارتها، في حين أن الشهادات تحتاج إلى مسؤولية وإلى شجاعة، لأن الذي يقول كلاما يجب أن يقوله وأصحابه أحياء، وقادرين على الدفاع عن أنفسهم، وكذلك يكون قادرا على الذهاب إلى القضاء إن تطلب الأمر لإثبات صحة ما قال، لأن الحديث عن الناس بعد فقدان سلطتهم ونفوذهم أو بعد رحيلهم عن هذه الدنيا هو بمثابة «قصف سيارة إسعاف» كما يقول المثل الفرنسي الشهير.
وذكر أن خالد نزار وزير الدفاع الأسبق حالة خاصة، باعتبار أنه من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل، معتبرا أن شهاداته متضاربة، فهو يتحدث عن كل الملفات وينبش في كل الحقب، وكأنه كان مسؤولا فاعلا منذ 1962، في حين أنه لم يبرز إلا بعد أحداث 5 تشرين/الأول أكتوبر1988، لكنه لا يريد أن يصدق أنه غادر المؤسسة العسكرية، ودواليب الحكم، الأمر الذي يتجلى في إقحام نفسه في كل المواضيع وكل النقاشات، لأنه مقتنع أن الوضع الحالي هو امتداد للوضع الذي كان فيه هو مسؤولا في الدولة، وغير قادر على استيعاب أنها مرحلة جديدة بمفاتيحها ورجالاتها.
وشدد سعيدي على أن إعادة تحريك بعض الملفات في هذه الفترة، قد تكون وراءها أطراف تريد الدفع بحرب تصفية حسابات بالوكالة، وهذا حدث في كل مرة تكون فيها البلاد مقبلة على تغييرات أو تحولات، وأحيانا لأن أطرافا غابت عن الساحة السياسية تريد العودة من خلال إثارة هذه المواضيع، كما أن عدم تمكن الساسة من اقتراح تصورات جديدة ورؤى لاستشراف المستقبل جعلهم ينبشون في الماضي للفت الانتباه، لكنه ضجيج ظرفي، لا يهتم به الناس إلا لفترة معينة ثم ينصرفون عنه.
احتكار التاريخ
ويعتقد الكاتب الصحافي نجيب بلحيمر أن السجال الذي يجري حول قضايا التاريخ القريب والبعيد يعود في الأساس إلى سعي الأشخاص الذين شاركوا في صناعة الأحداث للدفاع عن أنفسهم، أو عن ذويهم، مما يعتبرونه اتهامات بالخيانة، أو محاولات الانتقاص من أدوارهم في الدفاع عن الوطن أو مصالحه، سواء تعلق الأمر بالثورة أو بالأحداث التي شهدتها البلاد بعد إلغاء المسار الانتخابي سنة 1992، وما تبعها من تداعيات سياسية وأمنية في السنوات اللاحقة.
وأشار إلى أن تاريخ الثورة بقي محتكرا من طرف الجهات الرسمية منذ الاستقلال، وقد كان ذلك بدعوى الحفاظ على وحدة الصف، وعدم إثارة الخلافات التي قد تقوض النظام السياسي القائم على شرعية ثورية ترتكز على صورة نقية للثورة، غير أن هذا الوضع تغير بمجرد اعتماد التعددية الحزبية نهاية الثمانينيات، وظهور وسائل إعلام خاصة أصبحت تخوض في هذه القضايا وتنشر شهادات تشكك في الرواية الرسمية، وتطرح أسئلة جدية حول الدور الذي قام به بعض الأشخاص.
واعتبر بلحيمر أن هناك أسبابا كثيرة تساعد على استمرار هذا السجال، من ضمنها الاستمرار في استعمال ورقة الشرعية الثورية لتأكيد الأحقية في تولي المناصب السامية، وغياب عمل منهجي من قبل المؤرخين لكتابة تاريخ الثورة بطريقة عملية وموضوعية، وتدخل وسائل الإعلام في هذا السجال انطلاقا من اعتباره مادة إعلامية مثيرة، وهو ما أدى إلى اختزال التاريخ في شـــهادات وشهادات مضادة، وهـــنــاك أيضا، يضيف بلحيمر، سعي إلى استعمال المـــوقـف من الـــثــورة، أو الاتهامات بالخيانة لضرب مصـــداقية بعض الشخصيات السياسية، وهذا أسلوب تلجأ إليه كل من السلطة والمعارضة على السواء.
وذكر بلحيمر أنه بالنسبة لما جرى خلال تسعينيات القرن الماضي لا يختلف الوضع كثيرا، فالشهادات المتناقضة حول مسؤولية الأشخاص عن قرار وقف المسار الانتخابي وما ترتب عليه من تداعيات مستمرة بسبب غياب وثائق رسمية تحدد المسؤوليات، لكن في هذه الحالة يبدو أن الجدل يخفي صراعا سياسيا، والظاهر أننا أمام عملية مراجعة صريحة للخطاب الرسمي بخصوص الأزمة الدموية التي عاشتها البلاد، فبعد أن كانت في فترة التسعينيات تسمى مكافحة الإرهاب، تحولت في عهد الرئيس بوتفليقة إلى «مأساة وطنية» ومؤخرا سمعنا مسؤولين يستعملون مصطلح الحرب الأهلية، وهذا التحول يمكن أن يقدم لنا إضاءة على خلفيات الجدل الدائر حاليا حول مسؤوليات الأشخاص، ويتم استغلال الماضي الثوري لكل شخص في هذا الجدل، كما حدث مع الجنرال نزار والفريق المتقاعد محمد مدين، ومن هنا يمكن أن نفهم تخندق الشخصيات السياسية مع هذا الطرف أو ذاك، باعتبار أن الهجوم على ماضي الأشخاص هو جزء من حرب المواقع التي لم تتوقع.
نقاش ضروري
ويصف الدكتور زهير بوعمامة أستاذ العلوم السياسية في جامعة الجزائر النبش في الماضي بما يمكن تسميته «نهاية تحريم النقاش» الذي ميز التعاطي مع مرحلتين مفصليتين في تاريخ البلد، الثورة التحريرية وما سمي بالعشرية السوداء، وأن هذا التحول له علاقة بالوضع الحالي، موضحا أن هناك توازنات حديدة داخل سرايا الحكم لصالح أطراف لا يضرها النقاش الحاصل في شيء، وهي تحاول أن تبني نوعا جديدا من الشرعية لا يستند إلى شرعية الأمس الأبدية.
ويعتقد بوعمامة أن ارتهان بعض الأطراف إلى التاريخ يجعلها تخشى من الحقيقة ومن المساءلة التاريخية، لذا تراهم يحاولون الاستدراك بالدفع بمقولات وقراءات تنسجم مع خياراتهم بالأمس ومصالحهم ومواقعهم اليوم، كما أن الانفتاح الذي يشهده قطاع التلفزيون، مع تأسيس قنوات خاصة، سمح للكثيرين بالإدلاء بشهاداتهم بعيدا عن الرواية الرسمية المعهودة.
وأضاف قائلا:»بالنسبة لنا كجيل استقلال يهمنا أن يتكلم صانعو تاريخ البلاد، خاصة بالنسبة للفترات والمراحل التي ما تزال تداعياتها تؤثر على حاضر البلاد ومستقبلها، فمن حق الأجيال الجديدة أن تتمكن من ذاكرتها الجمعية، حتى لا تكون مضطرة إلى اللجوء لمصادر غير وطنية لمعرفة تاريخها في أزمنة لاحقة، خاصة وأن قوانين الطبيعة فعلت فعلتها في الغالبية العظمى من رجالات الثورة.
واعتبر أنه على ما في الشهادات من انحرافات وتراشقات ومغالطات فإنه، في الأخير لن تبقى إلا الحقيقة التاريخية، وذلك عندما يقوم المؤرخون بكتابة الأحداث التاريخية بمنهجية علمية وموضوعية دون تسييسها.