لندن ـ «القدس العربي»: الإعلام يسيطر على كل شيء، على أفكارنا وبيوتنا وحتى على أطفالنا، لدرجة أن نسبة كبيرة من الأطفال يعانون من القلق الذي تسببه أفلام الرعب تارة والإختيار غير المدروس للكثير من أفلام الكارتون التي تعلم العنف بكل أشكاله تارة أخرى، دون التركيز على إهتمامات الأطفال الحقيقية ومراعاة أعمارهم وقدرتهم على الاستيعاب. ويرى بعض المهتمين أن وسائل الإعلام المختلفة تسرق الطفل من عالمه وبيئته وعاداته التي تربى عليها خاصة عند متابعة برامج أجنبية مترجمة تنقل مفاهيم جديدة وغريبة تؤدي إلى التصادم مع واقع مجتمعاتنا.
فمشاهد العنف في أفلام الأطفال تشيع العنف في سلوك بعضهم، وتكرار المشاهد يؤدي إلى تبلد الإحساس بالخطر وإلى قبول العنف كوسيلة استجابة تلقائية للمواجهة، وبالتالي يؤدي إلى اكتساب الأطفال سلوكيات عدوانية مخيفة. وهنا تطرح تساؤلات عديدة عن أسباب تراجع إعلام الطفل وضعف المواد المقدمة فيه والاعتماد على البرامج الأجنبية دون إنتاج برامج تلائم بيئة الطفل العربي واهتماماته وقدرته على الإبداع وتحويله من منتج إلى مقلد، ولماذا لا يتم التفكير ببرامج من شأنها نشر التوعية بحقوق الطفل بطريقة مبسطة من أجل حمايتهم من كل أنواع الاستغلال؟ «القدس العربي» طرحت هذه التساؤلات على عدد من المختصين في مجال الإعلام والتربية:
شحة الجهات المنتجة غير الربحية
فلاح هاشم شاعر وإعلامي ومخرج عراقي مغترب تميز بأعماله الفنية ونبرة صوته المميزة في برامج الأطفال والأعمال الكارتونية ومن أشهر أعماله المدبلجة دور عدنان في «عدنان ولينا» وفارس في «الحوت الأبيص» بالإضافة إلى كتابة أغاني «افتح يا سمسم» والكثير من الأعمال التي تركت بصمة مهمة لا يمكن أن تنسى في إعلام الطفل والتي لم تتكرر. فلاح هاشم تحدث عن واقع إعلام الطفل العربي قائلا:
«إعلام الطفل تمتزج فيه البرامج الموجهة بشتى أصنافها وأشكالها الفنية. ولا شك أن الصورة تؤثر في ذهن ونفس الطفل أكثر مما تؤثر الكلمات. ولذا لا بد من اعتماد وسائط ممتعة لإيصال الرسائل التربوية. ونحن في الوطن العربي عموماً لا نزال مقلدين لبرامج تأتي من البلدان المتقدمة تقنياً .. وهذا لا بأس به في مرحلة كهذه لما يسود منطقتنا من ثقافة ماضوية لا تعنى ببناء الإنسان بقدر ما تخضعه لغسيل دماغ يزرع الأحقاد بين البشر أكثر مما ينمي قيم المحبة والتعايش.
ولكن مع ذلك لا بد من إشراف للمربين المستنيرين على أي مادة من أجل تشذيبها وتقديمها بالصورة الأكثر نقاء وفائدة».
وعن الأسباب التي أدت إلى الاكتفاء بترجمة الأعمال الغربية أو التقليد في كثير من الأحيان أشار فلاح هاشم إلى سببين رئيسيين لذلك:
أولهما: التكاليف المادية الكبيرة التي تقتضيها عمليات الإنتاج للبرامج الكبيرة أو أفلام الكارتون مثلا.
وثانيها: شحة الجهات المنتجة غير الربحية وفساد الجانب التجاري الذي لا يعنى بنوعية العمل قدر ما يفكر في مردوداته المادية.
مضيفا: «سابقاً كانت مؤسسة «الإنتاج البرامجي المشترك» مدعومة من دول المنطقة لغرض إنتاج برامج تربوية هدفها التنمية البشرية وليس الربح المادي، فاستطاعت ان تقدم نتاجاً في هذا الاتجاه. هذه المؤسسة أهملت وتقلصت إمكاناتها إلى حد كبير ولم تعد قادرة على النهوض بدورها السابق. بينما اتجهت شركات الإنتاج الخاص إلى الإسفاف من خلال برامج وأعمال الأكشن التي تشوش أذهان الأطفال وتنمي فيهم الميل إلى العنف». ويعتبر فلاح هاشم ان هناك سببا آخر ربما لا يقل أهمية، هو انشغال المسؤولين في الدول العربية بما يبعدهم عن الإهتمام بالجانب التربوي وإسناد المهمات لغير المتخصصين والبعيدين عن دائرة هذا الإهتمام.
أما عن تأثير وسائل الإعلام على الأطفال فيقول: نشهد الآن عصر الإعلام الذي يتدخل في تفاصيل حياتنا، ووسائط التواصل في عصرنا أصبحت متاحة للجميع وبكل الأعمار ولا يمكن الحد من التعامل معها ومن ثم تأثيرها» شارحا السلبيات والإيجابيات كالتالي:
نموههم الطبيعي «السلبي هو مشاهدة الأطفال لبرامج ومواد لا تتناسب مع أعمارهم مما يشوش مسار تفكيرهم وقد يحرفهم إلى مسارات غير محمودة في بعض الحالات».
والجانب الإيجابي هو كسر الكثير من التابوهات في مجتمعنا وفتح أبواب المعرفة الحرة مما أعطى الإنسان افقا أوسع من السقف المتاح في ظل ثقافة منغلقة على مفاهيم وقيم فيها الكثير مما لا يتماشى مع روح العصر وتقدم حياة البشر. حين يكون الأهل واعين ومستنيرين وكذلك عناصر التربية الأخرى فلا شك ان دورهم التربوي سيكون عاملا مساعدا لإرشاد الطفل بشكل معقول وليس قسرياً وضاغطاً في الاتجاه المعاكس ما يسبب ردة فعل مغايرة تزيد الطين بلة.
وعن سؤال حول تجربته في برامج الأطفال ومن أبرزها البرنامج التعليمي التربوي والترفيهي «افتح يا سمسم»وعن أسباب غيابها عن الفضاء العربي أكد انه في الوقت الحالي لم تعد هناك مؤسسات إنتاج متخصصة تعنى بالتنمية البشرية بشكل مدعوم وغير ربحي. فمن الذي ينهض بهذه المهمة ويدعم نتاجات تحتاج إلى دعم مادي كبير ولا يكون همها تجارياً؟ والفضائيات الرسمية أو شبه الرسمية لا تـتـيـح إلا هامشاً من باب رفع العتب لا يكاد يتنفس وسط سيل الأعمال التجارية الغارقة في الأكشن والتسلية غير الممتلئة بالمضامين المفيدة إلا ما ندر. لكنه رفض التعميم قائلا:
«لا أستطيع ان أحكم على جميع الفضائيات الخاصة بالأطفال لأنني لم اتابعها كلها لأكون منصفاً ولا أبخس حق الجهود التي قد تبذل من قبل بعضها».
الإعلام مقصر بحق الطفولة
أما سلوى مسَلم المختصة في تربية وسلوك الأطفال من غزة والمساهمة في موقع «هلا حواء» الذي يصدر من بلجيكا حيث تقوم بدور مهم في مساعدة الأُمهات في مجالات التربية والإرشاد الصحيح فقالت لـ«القدس العربي»:
«الإعلام في العالم العربي في حاجة ماسة إلى إعطاء الطفل المزيد من الاهتمام والرعاية. نجد ان هناك تقصيرا كبيرا حاليا من قبل الإعلام العربي حيث لا نشاهد إلا الإعلام السياسي». مضيفة: «الأطفال يعانون من القلق بسبب الأوضاع المتردية في الوطن العربي، والطفل العربي الآن أكثر وعيا وإدراكا للأمور من طفل الماضي مع التطور التكنولوجي ووسائل الاتصال المختلفة». مشيرة إلى أنه «من الضروري أن نكون على دراية أكبر بحاجات طفل المستقبل لكي نعطيه ما يلائمه لمواكبة تطورات العصر، كما أن الإعلام حاليا يُسيطر على الشارع العربي».
وعن ضرورة الإهتمام بإعلام الطفل تقول: «إعلام الطفولة هو الأخطر، فالطفل هو المستقبل، ومن يرسم هذا المستقبل هو نوعية التربية التي نقدمها للطفل اليوم وبما ان الإعلام له دور كبير فى صقل الطفل والتأثير عليه فيجب ان تكون هناك برامج ثقافية وترفيهية عربية وليست أجنبية مستوردة، بحيث تقدم للطفل ما ينمي عقله اجتماعيا وثقافيا بما يتناسب مع قيمنا الإسلامية على ان تكون هذه البرامج هادفة وجذابة ولها مغزى في صقل الطفل بالقيم والعادات الحسنة لأن الطفل واع ومدرك ويجب ان تكون هناك رقابة على ما يقدم له حتى ينعكس إيجابيا عليه ونبني جيلا مثقفا يواكب العصر».
وعن تجربتها في «موقع هلا حواء» توضح أهمية الإعلام الجديد المتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي مشيرة إلى أن العديد من المواقع التربوية تعطي معلومات ونصائح وافية للأسرة العربية خصوصا المرأة الأم والزوجة وكيفية التعامل مع أطفالها بشكل يجعلهم يحصلون على المعلومة الجيدة دون التأثر السلبي والإدمان المفرط على كل مغريات الإعلام المشوشة لأذهانهم وتحصيلهم العلمي».
أما محمد مصطفى صاحب شركة «سمارت كيدز» التي تهتم بتنمية المهارات اليدوية للأطفال فقال: «آن الأوان لإخراج الأطفال من هذا الجمود الذي حولهم من مبدعين يفكرون ويلعبون ويرسمون ويتحركون إلى كائنات يحركها جهاز الكمبيوتر أو التلفزيون ويؤثر عليهم وعلى أحلامهم ويجعلهم منعزلين يحبون الوحدة والإنطواء».
مضيفا: «نحن نصنع ألعاب ذكاء وألعاب «تآزر بصري حركي» يعني التفاعل بين العينين والدماغ والعضلات بالاضافة إلى صناعة لعب تعليمية لها غرض تنموي وتربوي وهناك ألعاب تنمي الثروة اللغوية عند الطفل وهي مفيدة للمدارس وللأطفال ذوي الإحتياجات الخاصة تساعدهم في حل مشاكل معينة.
نقدم عملنا في الأماكن العامة مثل النوادي والمكتبات وأنصح بهذه الدورات التدريبية التي تنمي الموهبة لدى الطفل بدلا من جلوسه لساعات طويلة أمام شاشة التلفزيون أو الكمبيوتر ما يؤدي إلى إدمانه على أمور غير مفيدة وربما مضرة لصحته النفسية والبدنية.
والفكرة كانت ان أي طفل يمتلك مواهب لا يكتشفها إلا عندما يبدأ يتعامل معها. قد يمتلك طفل موهبة الرسم مثلا وأهله لا يعرفون ذلك لأنهم لا يهتمون لذلك الأمر». مشيرا إلى أنه شيء جميل أن نساعد في خلق شخصية مبدعة عندها القدرة على تحمل المسؤولية والثقة بالنفس والمهارات اليدوية كبديل مهم للألعاب الالكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي. ولو استطاع الطفل ان ينجز عملا فنيا وأبدع في الرسم والتلوين أو صنع لعبة من الخشب وعمل على صنفرة وبرد اللعبة وأنجز عملا مفيدا فهو يحب ان يكمل في هذا المجال ومن الممكن في يوم من الأيام ان ينتج عملا إبداعيا يستطيع ان يبيعه وهذا في حد ذاته سيعطيه حافزا قويا للنجاح».
مؤكدا على أهمية الإهتمام بمهارات الطفل اليدوية لكنه يرى ان الجهود ما زالت فردية وغير معممة وغير منتشرة. المسألة محتاجة إلى الفكر وقد يساهم الإعلام في نشر هذه المهارات وتعليمها للأطفال. فكل المدارس والحضانات تقريبا لديها إمكانيات كبيرة ولو خصصت المدرسة وقتا للمهارات ستحدث طفرة والطفل سوف يحب المدرسة. المدارس في الصيف امكانيات مهدرة حتى الأنشطة الصيفية لأطفال المدارس ضعيفة، مع انه من الممكن ان يطبقوا هذه الفعاليات في الصيف والشتاء وسنرى فارقا حقيقيا ومهما في تكوين شخصية الطفل.
وجدان الربيعي