العرب ونظرتهم للدور التركي في المنطقة: معارك يومية بين أنصار «المُنقذ أردوغان» وأعداء «الاحتلال العثماني»

حجم الخط
5

إسطنبول ـ «القدس العربي»:كلما تزايد الحديث عن إمكانية حصول تدخل عسكري تركي في سوريا أو عن اتفاق تركي إسرائيلي يرفع الحصار عن غزة أو تدخل تركي في أي قضية عربية ترتفع حدة المعارك الافتراضية اليومية بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي الذي يرى شق منهم في تركيا ورئيسها رجب طيب أردوغان «المُنقذ لهم» وآخرون يعتبرون التحركات التركية أطماعا توسعية و»احتلالا عثمانيا».
وبين هؤلاء يبرز فريق ثالث يصف الطرفين بـ»المغالين» ويدعوا لتقييم الموقف التركي بمهنية وواقعية بعيداً عن العواطف الجياشة والحب والتأييد المطلق أو الكره والانتقاد المبالغ فيه، على حد وصفهم.
فمنذ انطلاق الثورة السورية قبل نحو 5 سنوات، يرى جزء من الشعب السوري والعرب من المؤيدين للثورة في تركيا أكبر داعم لهم، من خلال استضافتها ملايين اللاجئين وتقديم الدعم الإنساني غير المحدود للمحتاجين في الداخل السوري، بالإضافة إلى الدعم العسكري المتواصل لفصائل المعارضة السورية وإستضافة الائتلاف السوري على أراضيها والعمل على الصعيد الدولي لدعم المعارضة وإسقاط الأسد.
وما زال هؤلاء يؤمنون بالحل التركي الذي سيمكنهم من إسقاط الأسد، ومتحمسين لتدخل عسكري تركي أو تركي-سعودي بري. لكن المعارضين يرون في ذلك شعارات وآمالا بعيدة المنال كون الظروف الدولية غير مهيئة لذلك والأمر معقد كثيرا على الصعيد الدولي، بينما يحتد آخرون في مهاجمة تركيا وأردوغان، معتبرين أنهم مسؤولون عن ما يحدث في سوريا بسبب أطماعهم التوسعية ويصل الأمر لاتهام أنقرة بالتعاون مع تنظيم الدولة الإسلامية.
وفي الوقت الذي تهتم فيه شريحة المؤيدين بأخبار تركيا اليومية وتحركات أردوغان ورئيس وزراءه ومشاريع التنمية في تركيا على اعتبار أنها نموذج نجاح تفتقده الدول العربية، يهاجمهم الطرف الآخر باعتباره إعجابا مبالغا فيه وبعيدا عن الواقع وتبرز المطالبات بالتوقف عن الانبهار بـ»النموذج التركي» الذي يصفه البعض بالوهمي والتوقف عن تمجيد أردوغان وحزبه، وذلك في نقاشات وحلقات جدل يومية تتركز على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» و «تويتر». ولا يقتصر هذا الانقسام على ما يحدث في سوريا، حيث تمتد هذه الحالة إلى فلسطين وإن كانت بحدة أقل، بين من يرى في تركيا عدوة لإسرائيل ومن أكبر داعمي الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال وبين من يرى فيها حليفا قديما لإسرائيل، وفريق ثالث يرى في نفسه الطرف «العقلاني» برفض الروايتين وتفسير موقف تركيا من القضية الفلسطينية على أنه محاولة لخلق توازن في العلاقات وخدمة القضية الفلسطينية من خلال علاقاتها مع إسرائيل.
ويحتد النقاش بين سكان قطاع غزة المحاصر، فمنهم من يرى أن تركيا ستنجح في رفع الحصار الإسرائيلي عن القطاع في إطار المفاوضات الجارية بين أنقرة وتل أبيب للتوصل لاتفاق نهائي حول الهجوم الإسرائيلي على سفينة مرمرة، وآخرون يرون أن تركيا ساهمت في تعزيز الانقسام الفلسطيني من خلال دعمها لحركة حماس وسعيها لخلق نفوذ لها في قطاع غزة.
ويستشهد البعض بالمواقف المتكررة من قبل أردوغان وأوغلو والوزراء الأتراك الداعمة للقضية الفلسطينية، بينما يستشهد الآخرون بالأخبار المنشورة عن قرب عودة العلاقات الدبلوماسية بين أنقرة وتل أبيب وببعض التقارير التي تتحدث عن ارتفاع معدلات التبادل التجاري بين البلدين.
وفي مصر، يتكرر المشهد بين أنصار الإخوان المسلمين، والرئيس عبد الفتاح السيسي، ففي الوقت الذي يرى فيه الفريق الأول في تركيا داعما كبيرا للثورة المصرية عبر مواقفها المتشددة من الانقلاب واستضافتها للمعارضين المصريين ووسائل إعلامهم، يهاجم الفريق الآخر تركيا بقوة معتبرين أن السيسي أنقذ مصر من «الاحتلال التركي» بحسب توصيف البعض، وتشن وسائل الإعلام المصرية المؤيدة له حملات يومية ضد تركيا وأردوغان الذي لا يتوانى عن مهاجمة السيسي في كل مناسبة.
ولم تكن دول الخليج العربي بعيدة عن هذه الحرب الافتراضية، فمنذ وصول الملك سلمان عبد العزيز إلى الحكم في المملكة العربية السعودية تعززت العلاقات السياسية مع تركيا، وبات الكثير من الكتاب السعوديين والخليجيين بشكل عام ينشرون كتابات يومية مؤيدة للحزب الحاكم في تركيا والرئيس أردوغان وبدأ الحديث عن مصطلحات «الحلف السني» وحلف «سلمان-أردوغان»، التي رأى فيها آخرون «مجرد أوهام».
حيث رأى المؤيدون في تنامي العلاقات السعودية التركية خيرا كبيرا للدول العربية وتعزيزا لقوتها في وجه «المحور الشيعي»، لكنهم يصطدمون يومياً بهجوم من المعارضين الذي يرون أن الأحاديث السابقة كلها «أوهام» وأنه لا يوجد أي حلف سني حقيقي وإنما تلاقي مصالح لفترة قصيرة لم تنجح في تقديم دعم حقيقي للثورة السورية، ويقول خليجيون معارضون إن علاقات تركيا وإيران جيدة على الرغم من الخلافات بينهم وأنه من غير المأمول أن تعادي تركيا إيران وتقطع علاقاتها الاقتصادية معها من أجل علاقاتها مع الخليج.
ويرى الفريق الثالث في كل الأحوال أن العرب فقدوا واقعيتهم في تقييم الحلفاء والأعداء وأنهم باتوا «مُغالين» في كل شيء، مرجعين ذلك إلى شدة الاستقطاب السياسي والحزبي والايديولوجي الذي تمر به الدول العربية منذ انطلاق ثورات الربيع العربي.

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية