ما من شك ان الفائز في كل الانتخابات التي جرت في إيران، حتى إذا كانت نتائجها لا تحقق ما يريده المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي بشأن المرشحين، هو نظام ولاية الفقيه وشخص الولي الفقيه.
خامئني الذي لم يكن يرغب كثيرا في فوز الرئيس المعتدل حسن روحاني في انتخابات 2013 الرئاسية، ولم يكن يريد أصلاً فوز الرئيس الاصلاحي في انتخابات 1997 وكان يروج عبر ممثليه لمنافسه رئيس مجلس الشورى الأسبق علي أكبر ناطق نوري، يحرص تماما على أن يخرج نظام ولاية الفقيه منتصرا في كل الانتخابات، والتأكيد مرة أخرى كما يرى هو، أن الشعب لم يُدر ظهره للنظام، رغم كل المنعطفات الأخيرة التي مرت بها إيران خصوصاُ بُعيد انتخابات الرئاسة عام 2009 وكادت الاحتجاجات على نتائجها التي أُتهمت بالتزوير، أن تعصف بما تبقى من نظام ولاية الفقيه.
وكما هو واضح من الانتخابات البرلمانية عام 2012 التي أعقبت احتجاجات 2009 والتي يسميها خامنئي وأنصاره حتى الآن بـ»الفتنة»، ومن انتخابات الرئاسة الأخيرة التي جاءت بروحاني ومن خلفه تيار الإصلاحيين ولو على استحياء، أن الولي الفقيه نجح في إدارة دفة الشارع الإيراني المنقسم حوله وحول النظام بعد أن فقد هو والنظام المشروعية، من وجهة نظر عدد من مؤيدي النظام، بسبب ما يرونه من حجم القمع الذي مورس مع المحتجين السلميين، وتأييد خامنئي «غير الدستوري» صحة نتائج انتخابات 2009 حتى قبل أن يبت بها مجلس صيانة الدستور. فما يريده المرشد وهو يحض حتى غير المؤمنين بالنظام، على المشاركة في التصويت، تحقق في كل الانتخابات الماضية، وهو ما يريده أن يتحقق أيضا في الانتخابات الحالية لاختيار أعضاء مجلس الشورى، ومجلس الخبراء.
نعم ..خامنئي يهتم أولاً وقبل كل شيء بأرقام الناخبين الذين توجهوا بالفعل إلى صناديق الاقتراع، ليقول في النهاية وبعد فرز الأصوات أن الشعب لا يزال مؤمناُ بنظام ولاية الفقيه، فالاقتراع تم في نهاية المطاف تحت سقف نظام من أهم شروط تأهيل المرشحين فيه، الالتزام العملي بنظام ولاية الفقيه!.
وفي البين، وبعد أن يضمن إقبالا كبيرا يحقق هدفه الأول،لا ينسى خامئني أن يوجه إشارات للناخبين لينتخبوا كما قال «بدقة وبصيرة الأصلح، وأن يفتحوا أعينهم جيداً». فبعد أن نجح في جر المترددين والمقاطعين إلى صناديق الانتخاب، دعا بعد أن أدلى بصوته إلى التصويت بأعداد كبيرة قائلا، إن هذا سيحبط أعداء طهران.
خامنئي وجه رسالة قصيرة ذات مغزى إلى مؤيديه خصوصا في القرى والأرياف الذين يرسمون دائما مصير الانتخابات أي انتخابات في إيران، دعاهم «ليدلوا بأصواتهم مبكرا..يجب أن يختاروا مرشحيهم بحكمة…الإقبال الكبير سيحبط أعداء إيران».
هذه الرسالة يفهمها رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام أكبر هاشمي رفسنجاني، وهو أيضا معني بشكل رئيسي بنسبة المشاركة الشعبية، خصوصاً في هذه الانتخابات التي يعتبرها «مصيرية» ترسم مستقبل إيران ونظام الجمهورية الإسلامية وبشكل أخص انتخابات مجلس الخبراء التي تجري كل ثمان سنوات، وهي المعنية أساساً باختيار مجلس يقيّم إداء الولي الفقيه كل ستة شهور، وعزله إذا فقد شرطاً واحداً من شروط القيادة التي وضعها الدستور، وبالتالي انتخاب ولي فقيه بديل.
الأمل
رفسنجاني مرشح لانتخابات مجلس الخبراء في قائمة تضم الرئيس حسن روحاني بأمل تشكيل تكتل مؤثر في المجلس المقبل خصوصا في لجنة تقييم أداء الولي الفقيه(المرشد) وقد قال بعد الإدلاء بصوته لافتا إلى أهمية هذه الانتخابات وغامزاً من قناة غلاة المتشددين الذين يراهنون على ضعف الاقبال لأنه سيضعف نفوذ المعتدلين والإصلاحيين في المجلسين: «إن الشعب يدرك جيدا من خلال التجارب السابقة إن اليوم يشبه (ليلة القدر)، أي أن كل صوت ندلي به سيكون له تأثير في مصير ومستقبل البلاد في غضون السنوات الأربع والثمان المقبلة».
وقد نجح رفسنجاني بالفعل ومعه المبعد عن الانتخابات حسن الخميني، في تحريك المترددين والمقاطعين ممن لا يؤمن أصلاً بنظام ولاية الفقيه، أو لا يعتقد بامكانية حصول تغيير إيجابي يضعف قبضة المتشددين، الممسكين بالقضاء ومجلسي الخبراء والشورى(البرلمان)، وأعلن العديد من الفنانين والرياضيين ممن يحبهم الجمهور، أنهم سينزلون إلى الاقتراع وطالبوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بانتخاب قائمة الأمل «أُميد» أي الإصلاحيين والمعتدلين المتحالفين هذه المرة مع معتدلي التيار الاصولي منهم رئيس البرلمان الحالي علي لاريجاني، والنائب الاصولي البارز علي مطهري (نجل مفكر الثورة الإسلامية مرتضى مطهري).
وكان لافتاً أن زعيمي الإصلاح المعترضين على نتائج الانتخابات الرئاسية لسنة 2009 مير حسين موسوي ومهدي كروبي وهما – مع زوجة موسوي – قيد الإقامة الجبرية منذ شباط/فبراير 2011 سربا عبر أنجالهما أنهما يشاركان في الانتخابات وقد اقترعا بالفعل في صندوق متنقل، وقيل إنهما حثّا على التصويت لصالح قائمة الأمل.
هذه القائمة ومجرد ذكر كلمة «الأمل» أثارت غضب المتشددين من التيار المحافظ، وهاجمت وكالة «أنباء تسنيم» التابعة للحرس الثوري الرئيس حسن روحاني، وقالت إنه انتهك قوانين الانتخابات بدعوته عن طريق تغريدة له على تويتر، لانتخاب قائمة الأمل، بالرغم من أن تغريدة روحاني كانت عامة أشار فيها فقط وبلغة ذكية تجنبه المساءلة القانونية، إلى الأمل، وهو شعاره مع المفتاح، في انتخابات الرئاسة الأخيرة.
سجناء الأمل
مثلما فعلوا في انتخابات الرئاسة، فإن سجناء الإصلاح بسبب انتخابات 2009، أعلنوا من داخل سجنهم،عن دعمهم لقائمة الأمل. وطالبوا الشارع الإيراني بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية وانتخابات مجلس الخبراء والتصويت للمرشحين الإصلاحيين من أجل ما وصفوه بتحويل الانتخابات إلى ساحة لإضعاف الاصوليين والمتشددين في النظام.
وأشار السجناء السياسيون إلى رفض مجلس صيانة الدستور، المشرف على الانتخابات الإيرانية لترشيح عدد كبير من المرشحين المحسوبين على التيار الإصلاحي والمعتدلين من بينهم حسن الخميني حفيد مؤسس نظام جمهورية الإسلامية في إيران. ووصف السجناء قمع وإقصاء الكثيرين، بأنه «لم يسبق له مثيل من أجل إخلاء الساحة للمتشددين والظلمة في ساحة إتخاذا القرارات المصيرية».
وجاء في بيان السجناء الإصلاحيين الذي نشره موقع «كلمة» المقرب من الزعيم الإصلاحي مير حسين موسوي: نحن عدد من السجناء الذين ينتمون للحركة الخضراء الذين قضوا الأشهر والسنوات في السجن بتهمة الدفاع عن الحق والشرف ومواجهة الأكاذيب والتزوير والخداع، نثمن مقاومة وشجاعة هؤلاء الزعماء الإصلاحيين الثلاثة موسوي وزوجته زهراء رهنورد وكروبي ودعمهم لقائمة الإصلاحيين في جميع أنحاء البلاد، ورغم جميع التضييق الممارس والعيوب التي تشوبها العملية الانتخابية، ندعو للمشاركة في الانتخابات البرلمانية ومجلس الخبراء من أجل الحد من توسع التطرف والتشدد، لأن بذرة هويتنا المتبقية هي الأمل».
استراتيجية الانتشار
وبعكس المحافظين الذين خاضوا السباق الانتخابي بقائمة واحدة خشية تشتت الأصوات، مستفيدين من تجربة انتخابات الرئاسة الماضية، نزل الإصلاحيون بقوائم متعددة، إضافة لتحالفهم مع الاصوليين المعتدلين من مؤيدي المرشد، والكثير منهم كان مارس «التقية السياسية» منذ 2009، ولم يلفت انتباه مجلس صيانة الدستور له، ليتجنب رفض ترشيحه بحجة تأييد «الفتنة» آنذاك. ونجح الإصلاحيون الذين رُفضت ترشيحات معظمهم، في تمرير مرشحين مستقلين، ربما يحققون نتائج مبهرة، ليشكلوا فيما بعد تحالفات ما بعد الانتخابات، ويصبحوا كما هم على الدوام، رقماً هاماً في المعادلة رغم أنف غلاة المحافظين. وحتى مع وجود تحالف في طهران مع معتدلي التيار الاصولي ، فإن الإصلاحيين يرون أن تلك التحالفات قبل الانتخابات قد تكبلهم. ولهذا السبب أعربوا في مناسبات عدة سبقت الاقتراع عن نيتهم تشكيل تحالفات سياسية بعد وصول مرشحيهم للبرلمان وفوزهم بعدد معين من المقاعد وإتضاح الصورة ومدى حاجتهم لعدد أكبر من المقاعد البرلمانية من أجل الوصول لأهدافهم السياسية كتشكيل الحكومة المقبلة، أو التصويت بالغالبية على مشروع قرار معين.
في الانتخابات الرئاسية عام 2013 شهدنا حراكا مشابها، حين تشكل إئتلاف مكون من ثلاث مجموعات سياسية حتى قبل بدء الانتخابات والإعلان عن المرشحين الأساسيين. كإئتلاف 6+8 الذي في النهاية إنسحب حزب الإستقامة «پایداری» من المشاركة فيه.
الأحزاب
لا يزال نظام الأحزاب في إيران غير فاعل لكن ذلك لم يمنع من ظهور أحزاب وتجمعات سياسية ونقابية خاضت الانتخابات لصالح الإصلاحيين والمعتدلين، بعد أن تم حضر أكبر حزبين للإصلاحيين هما جبهة المشاركة ومنظمة مجاهدي الثورة الإسلامية بسبب «فتنة 2009». لكن نظرا لتأريخ تلك الأحزاب والتيارات التي تنتمي لها والضغوط والتضييق الذي تعاني منه في ظل نظام إقصائي، لا تجد التيارات السياسية في إيران حلولا سوى في تغيير الآليات المتعارف عليها في تقديم قوائمها الانتخابية والتخفيف من وطأة الضغوط التي تمارس عليها من قبل السلطة الحاكمة حتى يتمكنوا من الحصول على أكبر قدر من المكاسب الممكنة.
واستفاد الإصلاحيون والمعتدلون من التجربة في عدم إثارة مجلس صيانة الدستور لتفادي ما حصل في انتخابات 2012 عندما سيطر الاصوليون المتشددون على مجلس الشورى الإسلامي، بسبب سياسة الإقصاء التي إتبعها مجلس صيانة الدستور ضد الإصلاحيين ومرشحيهم.
ومع إنفصال الكثير من الأصوليين المعتدلين عن تحالفهم مع غلاة المحافظين، وتشكيلهم أحزاباً أو جماعات بعيدا عن المتشددين على غرار علي مطهري وحزب صوت الشعب «صداى ملت» الذي شكل مع الإصلاحيين إئتلافا سياسيا لخوض الانتخابات البرلمانية ومجلس الخبراء لهذا لا يزال الإصلاحيون والأصوليون المعتدلون يأملون في أن يحصلوا في المجلسين المقبلين على الأغلبية النسبية التي تتيح لهم الوقوف في وجه غلاة المحافظين المتشددين الذين حسب رأيهم سيقودون البلاد والعباد والنظام للتهلكة.
أخيراً..مهما تكن نتائح هذه الانتخابات فانها ستخفف بالتأكيد من قبضة المتشددين خصوصا في البرلمان، وتمهد بالتالي لتغيير سلس وهادئ نحو الاعتدال أكثر من أي وقت مضى، وتُمكِّن الرئيس المعتدل من ضمان الفوز المريح بدورة رئاسية ثانية في انتخابات العام 2017.
وحتى لو حصلت مفاجآت كبرى لغير صالح الاعتدال، فلن تشهد إيران «فتنة» جديدة، فالإصلاحيون ومعهم تيار عريض من الليبراليين وطبعا المعتدلين، لن يفرطوا بسهولة بما حققوه حتى الآن في ظل حكومة روحاني من مكاسب، حتى وهم يمنحون الولي الفقيه نصراً يريده بزيادة عدد المقترعين، وعيونهم تتطلع إلى لجنة تقييم أدائه في مجلس الخبراء. والعاقل يفهم!.
نجاح محمد علي