تونس ـ «القدس العربي»: يجمع جل الخبراء والمحللين على أن هناك فراغا قياديا في حركة نداء تونس بعد استقالة ما عرف بـ «شق محسن مرزوق» من الحركة، بما يضمه من نواب وقيادات من الصف الأول. وكذلك بعد فشل مؤتمر الحركة الأخير الذي تم في مدينة سوسة في إفراز قيادة حقيقية للحزب من الإطارات الشبابية والكفاءات باعتباره لم يكن انتخابيا وقام على الولاءات وإرضاء هذا الطرف أو ذاك.
وقد شهدت الآونة الأخيرة موسم هجرة حقيقيا للفئات الشبابية والنسوية من حركة نداء تونس إما للإلتحاق بما يسمى «مشروع محسن مرزوق» أو إلى حزب المبادرة الدستورية الذي يترأسه وزير الخارجية الأسبق كمال مرجان. كما أن هناك فئة التحقت بالحزب الجديد الذي يعكف المنذر الزنايدي، وهو أحد وزراء بن علي، على تأسيسه مع ثلة من الوزراء السابقين وشخصيات دستورية.
غضب الرئيس
ويبدو أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي غاضب من نجله حافظ ويحمله والمقربين منه والمحيطين به المسؤولية عن تفكك حركة نداء تونس ووصوله إلى هذه الحالة المزرية. وقد تجسد هذا الغضب بإقالة مدير الديوان الرئاسي رضا بلحاج، وكذلك في الأنباء التي يتم تداولها والتي مفادها أن حافظ قائد السبسي سيتم قريبا تعيينه سفيرا في كندا لإبعاده عن المعارك السياسية التي يتم خوضها بين مخـتلف التيارات استعدادا للمرحلة المقبلة.
كما أجرى رئيس الجمهورية اتصالات مع بعض وزراء بن علي السابقين واستقبل البعض الآخر في قصر قرطاج بغاية تعزيز فريقه بكفاءات جديدة بعد موسم الهجرة للمحيطين به سواء طوعا أو كرها. ومن بين الأسماء التي التقاها الرئيس، محمد النوري الجويني وزير التنمية والتعاون الدولي في عهد بن علي والذي يعتبره شق واسع من التونسيين من الكفاءات الوطنية ومن المظلومين باعتبار بعده عن لوبيات الفساد خلال العهد السابق، وباعتبار نجاح وزارته خلال الفترة التي كان فيها على رأسها في جلب الإستثمارات الخارجية وربط صلات الوصل مع أطراف إقليمية ودولية عديدة أنجزت مشاريع مشتركة عدة.
النداء والمبادرة
وحسب مصادر الـ «القدس العربي» من حزب المبادرة الدستورية فإن هناك اتصالات تحصل بين أطراف نافذة في حركة نداء تونس وقيادات في حزب المبادرة الدستورية، الذي يرأسه وزير الخارجية الأسبق كمال مرجان، وذلك قصد تحقيق اندماج بين النداء وحزب المبادرة الذي يخطف الأنظار في الآونة الأخيرة. فقد التحقت كفاءات وطنية وشبابية ووزراء سابقون بهذا الحزب وبدأ في قطع أشواط هامة في إطار هيكلته التي ستتضمن، بحسب مصدرنا، تأسيس مركز دراسات ضخم يولي الجانب الفكري، الذي غاب عن باقي الأحزاب التونسية، أهميته في العمل الحزبي.
كما تم النظر بين بعض الفاعلين من الطرفين في إمكانية أن يخوض الحزبان الانتخابات المحلية المقبلة في قوائم مشتركة. ويبدو أن الإحتفالات التي ستقام يوم 2 اذار/مارس المقبل بمناسبة تأسيس الحزب الدستوري الجديد، بروضة آل بورقيبة بمدينة المنستير، حيث دفن الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة، ستحمل معها الجديد في هذا الإطار باعتبار أن هناك سعيا محموما لجمع ما يمكن جمعه من الأحزاب الدستورية في حزب كبير، ويبدو حزبا النداء والمبادرة الأقرب إلى الإندماج.
عزل مرزوق
ويتم الحديث أيضا عن اتصالات تجري مع جماعة المنذر الزنايدي التي ستشكل قريبا حزبا سياسيا قصد البحث عن صيغة للإندماج بين مختلف هذه الأحزاب من أجل تشكيل حزب سياسي كبير. وبقطع النظر عن الرغبة المحمومة للدساترة في تكوين حزب سياسي كبير يحقق التوازن في الخريطة السياسية مع حركة النهضة بعد انهيار النداء، فإن البعض يتحدث عن رغبة من رئيس الجمهورية في عزل محسن مرزوق الذي خرج من بيت الطاعة من خلال استقطاب الدساترة الذين يراهن عليهم في مشروعه الجديد.
فالحزب الجديد الذي قد يضم النداء والمبادرة ومجموعة الزنايدي وأطرافا أخرى سيكون نتاجا لالتقاء الإرادات بين دستوريين فهموا أن تشتتهم سيعود عليهم بالوبال ورئيس جمهورية يرغب في ضخ دماء جديدة في حزبه بعد موسم الهجرة. كما يرغب الرئيس أيضا في عزل خصمه السياسي محسن مرزوق الذي تمرد وترك النداء جثة هامدة مقفرا من القيادات والقواعد التي التحق عدد هام منها بمبادرة محسن مرزق.
مصلحة مشتركة
ولا يبدو أن حركة النهضة ستعارض أو تعرقل تشكيل هذا الحزب الدستوري باعتبار علاقاتها الجيدة مع هذه الأطراف سواء تعلق الأمر بالقيادات الباقية في حركة نداء تونس وعلى رأسها حافظ قائد السبسي أو برئيس حزب المبادرة الدستورية كمال مرجان. كما أن هناك مصلحة مشتركة بين الدساترة والإسلاميين في إبعاد محسن مرزوق عن دائرة الضوء، فهو من الأطراف التي عملت على إقصاء الدساترة مباشرة بعد الثورة في هيئة حماية الثورة والإصلاح السياسي والإنتقال الديمقراطي وفي عملية تشكيل الحكومة بعد الانتخابات الأخيرة، وهو الذي عرف أيضا بتصريحاته النارية ضد الإسلاميين وسعيه لإقصائهم عن دائرة الحكم بعد الانتخابات الأخيرة لولا إصرار الباجي قائد السبسي.
وللإشارة فإن حركة النهضة لم تصوت على قانون العزل الذي استهدف الدساترة في المجلس التأسيسي، وهو ما يشيد به رئيس حزب المبادرة الدستورية كمال مرجان في أكثر من مناسبة. حيث ردد باستمرار في تصريحاته أنه سيمد يده لكل من صوت ضد الإقصاء، أي حركة النهضة في الأساس، وسيبتعد عن كل من صوت مع الإقصاء في المجلس التأسيسي أي قوى اليسار.
روعة قاسم