حيثيات الموقف السعودي ورهانات التسخين والتبريد

حجم الخط
1

يأتي إيقاف المملكة العربية السعودية الهبة التي كانت مقررة منذ ثلاث سنوات لتسليح وتدريب الجيش اللبناني وما تلاه من اجراءات سعودية وخليجية بعد اتضاح ثلاثة حيثيات لبنانية في وقت سابق: 
فمن جهة، الحملة التصاعدية بشكل نافر لـ»حزب الله» على المملكة منذ حرب السعودية على الحوثيين، وبارتفاع في معدّل التحريض بعد إعدام الشيخ نمر النمر وقطع الرياض علاقاتها مع طهران في اثر مهاجمة فرق من «الباسيج» لبعثتها الدبلوماسية. 
والتحريض الدعائي الذي يتولاه بشكل مشهدي السيد حسن نصر الله، زعيم الحزب الخمينوي اللبناني، يغلّف تدخلاً ميدانياً للحزب في الشؤون الداخلية لكذا دولة عربية، وتشكيلات شبكات تعبئة في كل البيئات الشيعية العربية. فالحزب الذي فتح كذا نافذة افتراضية لم تبصر النور، من وعد «الحرب المفتوحة»، إلى «تحرير الجليل» إلى «تحرير الجولان»، صار شغله الشاغل «تحرير القطيف». والحزب المنخرط بكليته في الحرب السورية، باتت حتى سوريا صغيرة على مقاسه. 
ومن جهة ثانية، حكومة «ربط النزاع» التي تجمع «تيار المستقبل» والكتائب بـ»حزب الله» وحلفائه ظهر أن الحزب استطاع تحويلها إلى «شاهدة زور» على ما يقوم به. بيانها يلحظ «حق اللبنانيين في المقاومة». وهو يحتكر هذا الحق، ويترجمه بتحويل تناقضه مع المملكة إلى تناقضه الوجودي والأساسي. وضمن هذا الاطار، فان امتناع لبنان الرسمي في الجامعة العربية عن التصويت لصالح إدانة الأعمال الإيرانية العدائية تجاه المملكة، وعدم مسارعة القسم المناوئ للحزب في الحكومة لاثارة أزمة حكومية جدية بعدها، أعطى صورة سلبية، تجاوزت صورة «حزب الله» ووزير الخارجية جبران باسيل الموالي له وحدهما، لتطال هذه الحكومة اللبنانية ككل، لأن الحزب المسلح استطاع ان يحول وزرائها المناوئين له إلى عناصر مرتبكة يتمترس خلفهم. هم يحسبون حسابين، تفوقه المسلح، ورفض حثيث للحرب الأهلية، والحزب لا يحسب حساباً لأحد سواه، وسوى أنشطته الطليعية في منظومة الممانعة التي تقودها طهران. 
الحيثية الثالثة ان هناك مناخاً يطرح نفسه بأشكال مختلفة في السعودية والخليج ويشتكي من كثرة الانفاق في لبنان من دون مردود حد أدنى يتصل بأن يتمكن الوضع اللبناني من رد اساءات «حزب الله» بازاء المملكة ودول مجلس التعاون. هذا المناخ، على المزاوجة التي يقيمها بين الحساب المالي والحساب العاطفي، يزل فرعاً لأصل. الأصل هو مشكلة كيفية تحقيق التناغم بين المناوئين المحليين للحزب الخميني المسلح وسياساتها، وبين الذين يتعرض لهم الحزب وأمينه العام بشكل متصاعد ملتهب وعدائي جداً منذ أكثر من سنة.  لبنانياً، اتسع في الاسبوع الأخير، على وقه السجال المتوتر والمتواصل، هذا التماهي بين السنّة والسعودية وبين الشيعة وإيران. بقي ان حزب الخمينيين اللبنانيين سبق له العدوان على أهالي مناطق مناوئة له، كما حدث في 7 ايار/مايو، وقد ترك اللبنانيون السياديون وحدهم يومذاك. هناك من يأخذ على قوى 14آذار اما هشاشتها أو ترددها أو تبعيتها، وكل هذا صحيح، لكن في المقابل مشاكل 14 اذار اللبنانية هي منذ انبثاق هذه الحركة الاستقلالية، صدى لمشاكل «14 اذار العربية». 
المؤشرات تتقاطع على توقع المزيد من التوتر، المزيد من التصعيد.
وهذا يفرض نفسه على الاستحقاق الرئاسي: عودة إلى مربع «الكربجة» بعد ان كان عادت الروح لهذا الاستحقاق المؤجل منذ عام ونصف، في أعقاب ترشيح قوتي 14 اذار الرئيسيتين لشخصيتين مارونيتين مختلفتين من قوى 8 اذار الموالية للنظام السوري و»حزب الله». 
حكومة التعايش مع «حزب الله» لا تزال قائمة. كذلك تاكتيك النعامة التي تدفن نفسها في الرمل. في المقابل، وفي انعدام الدفع الحيوي الداخلي للمواجهة، نظراً للطابع المزمن للكباش على العناوين اياها، بكل ما يبعثه ذلك من سؤم، فان كل رهان على خيار المواجهة الشاملة مع الحزب، وصولا إلى تطيير الحكومة يظل رهاناً مغامراً. لا يعني ذلك ان الوضع لا يحتاج إلى مغامرة، أو يمكن ان يتفاداه، لكنه أيضاً، وكما درجت العادة مرات كثيرة، قد يكون عليه التبريد فجأة كما فرض عليه التسخين فجأة.

وسام سعادة 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية