لم تطلق تلك الباخرة صفارتها كالعادة ذات ليلةٍ حالكة، حينما استعدتْ للإبحار، وعلى متنها كانتْ تحملُ مهاجرين فارّين من جنونِ الحربِ الدائرة في بلدانهم.. وكانتْ وجهتهم إلى أوروبا عبر بحرِ إيجة، لم تكن في الباخرة إنارة إلا من بعض الأضواء الخافتة جدا، فهذه الباخرة أول مرة تنقل مهاجرين، لأنها عادة تنقل سيّاحا.. كانتْ تشير تعابير وجوه الفارين المصفرّة وأعينهم الباهتة بأنَّ شهوتهم في الرّحيل لمْ تكنْ إلا مِنْ أجلِ الهروب من الموت، أو من أجل نسيانِ آلامهم هناك.. فهم لم يعودوا يحتملون رؤية الجثث والدمار.. فكلّ واحد مِنْ الهاربين على متنِ تلك الباخرة أخذَ مكانه، وعمّ متنها صمتٌ رهيب، وهي تبحر في العتمة.. وفي زاوية بعيدة كانت تجلس امرأة عجوز، ألقتْ عصاها جانباً واستلقتْ هناك في مكانها وراحت تشخر.. فهي الآن تحلم، وهاربة نحو مناماتها، بجانبها جلس موسيقار على وجهِه الهموم بدتْ جلية، وكان يقلّب صورا بحيرةٍ ويتذكّر أحلاماً من ماضٍ عاشه في بلد ما زال يدمّر، وأخذ ينظر إلى الصور تحت الأضواء الخافتة، وكانت عبراته تبلل ذقنه، ويسارع إلى دفنها في شنطته، يطرق برأسه لوهلة، ويغوص في التأمل.. يلتقط من جيبِ قميصه الأسود كلمات أغنية وطنية كُتبتْ قبل أسبوع، تمنى لحظتها لو كان معه آلة عود ليلحنها، ولكن ما من دربٍ أمامه سوى الانهزام لأحلامِ صحوته المنكودة.
في ركن آخر من تلك الباخرة المُبحرة في عتمتها، كانتْ تجلسُ على مقعدٍ خشبي امرأةٌ ساحرة الجمال، تنظر في صورٍ فوتوغرافية، يحرقها الكرْب وتغلبها دموع الآسى على فقدها لحبيبها الوحيد الذي عشقته وهامت به، كان ذاك الفقد الكبير لها متزامناً وعيد فالنتاين، عيد الحُبّ، قالت تلك المرأة في ذاتها: فبينما كان الرجل وتقصدُ حبيبها يسارع الوقت ليصلَ إليّ بباقةِ وردٍ أحمر، إلا أنَّ الموتَ كان أسرع بمفاجئته من وحوش الليل له، لقد ماتَ الرجل الذي أحببته، يا للخسارة، فها أنا أحمل في شنطة رحيلي عذابات مرارة رحيله ودموعاً لا تبرحُ خدّيّ.
كانتْ الباخرة تبحرُ ببطء، في عتمةٍ حالكة، ولا يسمع هناك سوى صوت الموج، وهي تشقّ عباب البحر .. أما الفارّون فمنهم من غطّ في نومٍ، ومنهم من ظلّ يجلسُ بصمت وخوف.. فكل الفارين كانوا يرسمون في أذهانهم تلك البلدان، التي سيصلون إليها، ففي النهاية همْ لا يريدون سوى العيش بأمنٍ وأمان.. وأنْ يعاملوا باحترامٍ، وأنْ يُنظرَ إليهم كبشر..
كاتب فلسطيني
عطاالله شاهين