تناقضات مدينة في رواية «أوتيل تركي» للجزائري رفيق جلول

حجم الخط
0

يعود الكاتب الجزائري الشاب رفيق جلول (1986) بروايته الأولى «أوتيل تركي» بعدما عرفه القارئ الجزائري شاعرا، نشر تجربته الأولى الموسومة بـ» يشتهيني عطر المطر» في السنة الفارطة. هرب رفيق جلول بنصه الأول إلى الأردن، عقب رفضها من دور نشر جزائرية، ربما لجرأة الرواية في مقاربة موضوع الجنس «جنس المحارم بشكل خاص» بشفافية وبتلقائية.
«أوتيل تركي» نشر دار ورد الأردنية سنة 2016ـ 83 ص من الحجم المتوسط، قاربت الراهن الجزائري ما بعد الإرهاب الذي دام قرابة عشريتين دمويتين، وما خلفته من جراح عميقة، ومن تشظ في الذاكرة واللغة والعلاقات الاجتماعية، وهو تطرف لا يقل دموية وعنفا عما جرى في العشريتين السابقتين.
الرواية لافتة للنظر في موضوعها، وكذا في صياغتها المختزلة جدا، وجاءت في «الصوغ الأدنى الذي يتجلى في استعمال لغة مقتصدة، وتجنب الوصف المطنب» لأحداث جسام، ومرعبة، كاغتصاب البنت حنان من طرف والدها السكير، أو الهول الذي عاشته ليلى الكوبرلي في سوريا ثم في الجزائر من زواج وطلاق وعبث يومي يتقاذفها القدر من فندق لآخر من عنف لآخر. ربما هو خيار الروائي رفيق جلول في محاولة للتجريب.
يضع الروائي القارئ منذ الصفحة الثامنة في عتبة كلاسيكية، مدعيا أن الرواية لا علاقة لها بالواقع، مستثنيا بعض الشخوص المعروفة. من تكون هذه الشخصيات؟ هل هو السارد الرئيسي «بومدين يسعد» المتدثر بمعطف والده أو شخصية سمعون اليهودي؟ أو كلها مع تصرف في الأحداث داخل اللعبة السردية؟
استطاع الروائي أن يسرد ذاك العنف الممارس ضد شخصيات عادية، وضد المجتمع برمته، ويسرد تلك الحكايات المتشظية والمؤذية بلغة شفافة وحادة أحيانا في أقل عدد ممكن من الصفحات83، مقسمة إلى اثنين وعشرين فصلا قصيرا، تتولى الشخصيات سرد حياتها وحكاياتها بضمير المتكلم، هي حكايات مدينة كبيرة اسمها وهران «المدينة الصاخبة ليلا والمتدينة في عزّ النهار، ترقد على بارتها وكاباريهاتها»، فحضور مدينة كوهران في نص روائي يحيل بالضرورة إلى تلك الحرية التي تمنحها لك في ممارسة طقوسك اليومية من ملذات وعواطف إلى حد الارتواء «إن النصوص التي تتصل بفضاء المدن الكبيرة، خاصة، تجعل حضور الجنس متصاديا مع العناصر الدعائية.
يبدأ الروائي بومدين سرد التفاصيل بإعادة بناء حياة مجتمع مسحوق، هو الشخصية التي هيمنت على السّرد في الفصول التاليةّ0، 1و2،3،5،8،16،21،22 باعتباره الروائي الذي يكتب حكاية ليلى التي اختفت فجأة. منذ الفصل الأول يحاول الراوي/بومدين خداع المتلقي بسرد حكاية حبيبته ستيلا النعمان، إلى أن يأخذه إلى إشكالية البطل ووضعه في مجتمع منافق، منغلق رغم ادعائه الحرية والحداثة. ثم شخصية ليلى الكوبرلي السورية التي تهرب من بلدها بعد الحرب الأهلية، تسرد الفصول التالية: 7و9،12 و15،17،19، وهي امتداد بشكل أو بآخر لما تعيشه كل المدن العربية المتخلفة، رغم محاولات الراوي في فصول أخرى تجميل وجه ليلى، واصفا إياها بالمتحررة التي تفصح عن رغباتها الجنسية بلا مقدمات أو خجل، من تدخينها أمام الجميع عكس الجزائريات، وارتبط التدخين بالعاهرات فقط. وهذا حكم عام ربما فيه نوع من المبالغة.
الشخصية الثالثة «الهواري سمعون» الذي يتولى سرد حياة أسرته المعدمة ومصائر أخوته بداية من مقتل الأخ فتحي إلى هجرة رشيد وأخيرا دخوله السجن وتبرئة المذنب الشيخ الستيني الذي اغتصب فتاة في فندق، فالهواري بكرمه ونخوته وجد نفسه في السجن، هذا المصير في نهاية الأمر هو إدانة للمجتمع الذي يتغنى بالعدالة المكفولة قانونا ومنتهكة جهارا.
رواية «أوتيل تركي» تلج دهاليز مدينة كبيرة هي وهران «المدينة الغريبة التي تشتهيها وتشتهيك بعريها وجلبابها، بسروال الجينز المحصور»، وأحيائها القصديرية ومقاهيها وباراتها وعاهراتها أيضا وفنادقها، كأوتيل تركي الذي يستقطب معظم شخصيات الرواية بحثا عن الدفء وممارسة الممنوع، بتواطؤ آخرين من أجل لقمة العيش، أو انتقاما للحرمان الذي يعيشونه، فالرواية حاولت الولوج إلى الأزقة الخلفية للمدينة/المجتمع، لتعرية الواقع الأليم، المفبرك بخطابات أيديولوجية مفضوحة بممارسات أعيان القوم، في حكايات تبدو بسيطة لكنها عميقة في الأساس، بلغة وظيفية وشاعرية أحيانا، تتخللها اللغة الدارجة أو الهجينة التي يستعملها الشعب الجزائري في تعاملاتهم اليومية بداية من العنوان «أوتيل» بدل فندق، المارشي، البار، الليسي بدل الثانوية، برادي بلاج…الخ
الرواية بلا شك هي إضافة للمدونة الروائية الجزائرية الجديدة بجرأتها في مقاربة ثيمات حساسة جدا، تعتبر تابو إلى وقت قريب، فهي تنتمي إلى تيار الواقعية النقدية، رغم بعض الهنات القليلة وهذا أمر طبيعي في أول تجربة للروائي، بالتأكيد سيتجاوزها في أعمال إبداعية لاحقة.

كاتب من الجزائر

جيلالي عمراني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية