البصرة – «القدس العربي»: في كل مرة نتذكر الشاعر العراقي الراحل محمود البريكان، نعاود ترتيل قصائده الخالدة أبداً، «حارس الفنار، أسطورة السائر في نومه، الطارق، بكاء الأجنة…» وغيرها الكثير، إلا أن هذه النصوص جميعاً لا يمكن أن تشكل سيرة حياة ذلك الشاعر الغامض، الذي لم يبحث عن شهرة في حياته، لكن بمجرد أن طعنه أحد المراهقين بسكين أردته، حتى ظهر البريكان بنصوصه التي حاول الشاعر باسم المرعبي جمع بعضها في كتابه «متاهة الفراشة»، كذلك جمع بعضاً من نصوصه الشاعر عبد الرحمن طهمازي، وغيرهما الكثير، هذا الجمع كان بسبب بخل البريكان تجاه قارئه! نعم كان بخيلاً إلى الحد الذي لم ينشر طوال أكثر من خمسين عاماً إلا 89 قصيدة، كانت أغلبها في مجلة «الكلمة» في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، ومن ثم نشرت مجلة «الأقلام» ملفاً عنه في أواخر تسعينيات القرن الماضي، إضافة إلى مجلات متفرقة بقيت مهملة على رفوف المكتبات.
البريكان المولود عام 1931 والمقتول في الثامن والعشرين من شهر فبراير/شباط 2002، يرى الشاعر العراقي المعروف عبد الرحمن طهمازي أنه كان ظاهرة، اختطت بعدها منهجاً، وقد اتسع من خلال الأجيال التي سارت وراءه، من دون أن ينشر قصيدة في العراق، إنما تحسس عطاءه من قرأ الفلتات البسيطة التي تسنى لمن تسنى له الإطلاع عليها والاغتراف من منبعها الأصيل في تجدديته. وما صمت البريكان انقطاع عن النشر، وإنما تأكيد لاحتجاج القصيدة واحتجابها، من دون مظاهر الإنزال التي تؤدي إلى جوهر يبخس القيمة الحقيقية لفن الشعر، ويكفنه بنوايا الشاعر إذا ما صوبها إلى خارج القصيدة واستهدف بالقصيدة أغراضاً ما. لهذا كله، اعتصم الشاعر الراحل محمود البريكان بالصمت إحجاماً عن النشر، فكان الظاهرة التي سرت من تلقاء نفسها من دون اعتماد على ما تتيحه الصحف والدواوين والمنابر، التي زهد بها مع أنه أحق بها من سواه كثيراً. وما موت الشاعر البريكان غيلة مقتولاً إلا فاجعة للأدباء والمثقفين، بل فاجعة لطابور الشعراء الممتد إلى امرئ القيس في الزمان، ويسنين وبوشكين وإزرا باوند ورامبو في المكان.
كان احتفاء أدباء البصرة بالذكرى 14 لرحيل البريكان مختلفاً هذا العام، فقد سار الأدباء من البصرة إلى مدينة الزبير للوقوف على قبره ومن ثمَّ وضع الزهور عليه، لتبدأ بعدها جلسة نقدية حول مشروع البريكان في المكتبة المركزية في مدينة الزبير، غرب البصرة، المدينة التي نشأ فيها البريكان. الجلسة التي قدَّمها الناقد ضياء الثامري، افتتحها بالحديث عن حياة البريكان، ليتحدث بعد ذلك القاص محمد خضير بورقة عنونها «قرائن البريكان» قائلاً: «سأتكلم من جانبي عن قرائن أقل إزعاجاً لذكرى الشاعر، وأبحث عن قرائن بسيطة للبرهان على العزلة الشفيفة للشاعر من دون أن أخدش الأسطورة التي نسجها النقاد والمؤرخون حوله».
واعتقد خضير أن أسطورة البريكان لا تبنى بكثرة التفاصيل حول ذكراه، إنما بقدرة هذه الأسطورة على الإفلات من الزوائد التي تُثقل الذكرى. مضيفاً: لم يطبع ديوان للشاعر، ولم يقم له تمثال، بل إن الصور التي طبعت وجهه بين وجوه زمانه نادرة أيضاً. حياته الاجتماعية متقشفة، ولم ألحظ حين زياراتي له أنه علّق صوراً أو لوحات، أو وضع تلفازاً في غرفة الاستقبال. أصدقاؤه قليلون ولم يخلف سوى ولدين. لم ينتظم في حزب أو أيديولوجية مرحلية. لم يتسلم منصباً وظيفياً… هذه القرائن كلها باعتقادي طبيعية تتناسب ورغبة البريكان في التخفف من أثقال الحياة. لذا فإن رحيله الفاجع كان القرينة الوحيدة غير الطبيعية، فقد كان من المقرر لهذا الإنسان أن يعيش طويلاً ويموت موتاً طبيعياً، ولم يحدث هذا. لقد خيّب البريكان توقعات جيله من الأحياء ومن غير جيله. رحل بحسب توقعه هو أو بتوقع إحساسه الباطن الذي طالما خدع الآخرين بمظهره الخارجي. كان يعيش في غير زمانه كما رحل في غير زمانه. ولربما هذا ما كنا نعنيه بقولنا: عاش وحيداً ومات وحيداً.
وبدراسته التي حملت عنوان «الصياغة الحداثية في شعر محمود البريكان» تحدث فهد محسن فرحان عن البنية الحداثية في شعر البريكان، بيّن فيها أن قصيدة البريكان حداثية، بدءاً من التخلي عن المفردة الاستعراضية وإيثار الجملة الاسمية وقدرتها على إضاءة المسكوت عنه، وبهذا فقد كان الشاعر مبتكراً لغته الخاصة التي هي وحدها القادرة على التعبير عن رؤاه. مضيفاً: أما بخصوص المنظومة الصورية للبريكان فنجدها تتحرك وفق مبدأ التجاوز الذي ينجم عنه؛ عادةً، التعبير الكنائي تمشياً مع إيقاع قصيدته السردية التي قد يعمد الشاعر في بعض القصائد إلى استخدام السرد المشهدي أو الرؤية المشهدية، وهي الرؤية التي تحدد المكان إطاراً وخلفية مشهدية، وهي الرؤية التي تسمى أيضاً بالمنظر المتوسط، وهو المنظر الذي لا يعرض الكل ولكنه يعرض جزءاً منه. وأشار فرحان إلى أن مشغل البريكان الشعري كان معنياً بمهاجمة بلاغة الذين سبقوه، لأن كتابته الشعرية معنية بجوهر التجربة ولا تمارس خداع الذات عبر ألاعيب البلاغة وزخارفها، إذ تأتي بمثابة الممر لتجسيد رؤيته التي يؤطرها التصوير الموضوعي وفعل العقل لدرجة أصبحت تخط للقارئ الطريق نحو فهم النص وكموجه أيضاً، كما هي وظيفة العنوان.
أما في ميدان الرمز، فقد انغمس الشاعر ومنذ وقت مبكر في محاولة البحث عن رموزه وأساطيره الخاصة، وبذلك فقد ظلت بمنأى عن الأخذ من المصادر كأن تكون تاريخية أو دينية أو أدبية أو حتى فلكلورية، والشيء المهم الآخر، كتابته القصيدة القصيرة التي تجعل من التجربة ذات وجه واحد، فالهمُّ واحد والجو واحد، وإذا حصل أن توسعت وامتدت، فهي تظل بمنأى عن النسق الشعري الحر الذي يعني التدفق والتداعي من دون ضابط.
من جانب آخر، قدم الشاعر حسين فالح رؤية مغايرة في قراءة البريكان، مبيناً أن المعروف عن البريكان أنه بدأ النشر مبكراً، عام 1946، وهو في المرحلة الإعدادية، ولم يكتف بالنشر داخل العراق، بل نشر مجموعة من نصوصه في مجلة «الأديب» اللبنانية، واحتار المهتمون بالأدب آنذاك بهذا الاسم، حتى تمكن أكرم الوتري من إماطة اللثام عن هذا الشاعر حينما كانا طالبين معاً في كلية الحقوق، ليلتقي برشيد ياسين في ما بعد معه. يقول رشيد ياسين في مقالة له بعنوان «البريكان كما عرفت»): قرأ البريكان لنا قصيدة مطلعها:
فاضت على سمعي ضراعاتها
وأطلقت مأساتها مدمعي
كان عنوان القصيدة «خرافة روح» ومن يتأمل عناوين قصائد البريكان يرى أنها عناوين مبتكرة، وهذا الجانب يمكن أن يبنى بدراسة أكاديمية، فالبريكان لم ينشر سوى 89 قصيدة في حياته، ونشرت 4 قصائد بعد وفاته.
في هذه القصيدة ابتكر البريكان تناوب الإيقاع، فالقصيدة بدأت بالسريع، وفي مقطع آخر ينتقل إلى بحر آخر، ثم يعود إلى السريع، وبعدها ينتقل لبحر ثالث، ليعود إلى السريع.. والسر في هذا يعود لفهم البريكان للتأليف الموسيقي في السيمفونية التي تتألف من ثيمات موسيقية ممتزجة ومتقاربة، وبالتالي فإن البريكان استخدم هذه التقنية الإيقاعية كحوار وصراع بين الأحاسيس والأفكار. وهذه التقنية، كما يقول رشيد ياسين، هي أول تجربة في هذا الجانب، لم يسبقه لها أي شاعر عراقي أو عربي، وإن كان محسن أطيمش في كتابه «دير الملاك» قد أشار إلى ظاهرة فنية، ومنها ظاهرة التناوب، إلا أنه تناولها كظاهرة عامة في الشعر العراقي وليس ظاهرة ابتكرها البريكان أو كان الرائد الأول فيها.
صفاء ذياب