النفوذ التركي يتوسع في القارة السمراء… تمدد سياسي واقتصادي بأبعاد جيو ستراتيجية

حجم الخط
2

إسطنبول ـ «القدس العربي»: يتواصل الحراك التركي في إفريقيا بشكل متسارع في الآونة الأخيرة في محاولة لتوسيع النفوذ الإقليمي والدولي لأنقرة من خلال توسيع قاعدة العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول القارة السمراء، والتي تكللت مؤخراً بإقامة قاعدة عسكرية تركية في الصومال لتتكشف الأبعاد «الجيوسياسية» الهامة لتوجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
أردوغان الذي أولى أهمية خاصة في سياسته الخارجية للقارة الإفريقية، بدأ الأحد، جولته الإفريقية المرتقبة إلى عدد من دول غرب إفريقيا بدءاً من ساحل العاج، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية بين تركيا والقارة الإفريقية، حيث من المقرر أن تشمل الزيارة كلاً من غانا ونيجيريا وغينيا، وتستمر حتى يوم الخميس المقبل. وتهدف الزيارة إلى تعزيز «الشراكة الإستراتيجية» بين تركيا والقارة الإفريقية وتطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول الأعضاء لدى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا، بحسب ما أفاد بيان صادر عن الرئاسة التركية، الذي أوضح أنها أول زيارة لرئيس تركي إلى ساحل العاج وغينيا.
والشهر الماضي، قام أردوغان بجولة إفريقية أخرى شملت إثيوبيا وجيبوتي والصومال لتوسيع التواجد والنشاط التركي في إفريقيا.
وتحتوي قارة إفريقيا على 54 دولة يزيد عدد سكانها عن مليار نسمة، أكثر من 70٪ من سكانها شباب، وتتمتع باقتصاد سريع النمو، وتتمتع بموقع حغرافي يحمل أهمية اقتصادية وعسكرية، بالإضافة إلى قربها من منابع الطاقة وممرات نقلها.
ومنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عمل على تعزيز العلاقات مع أفريقيا بشكل كبير، وفي تجسيد لهذا الهدف تمكنت أنقرة منذ عام 2009 وحتى اليوم من مضاعفة أعداد سفاراتها في القارة الإفريقية ثلاث مرات، كما بدأت الخطوط الجوية التركية بتسيير عشرات الرحلات إلى إفريقيا. كما تهدف تركيا من خلال تعزيز علاقاتها الدبلوماسية وتقديم الدعم الإنساني للعديد من الدول الأفريقية إلى كسب الدعم السياسي لهذه الدول في المحافل الدولية لا سيما في الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، كل ذلك إلى جانب المكاسب الاقتصادية وتعزيز التبادل التجاري.
وساعد تعزيز العلاقات السياسية بين تركيا والعديد من الدول الأفريقية في نجاح أنقرة بالدخول إلى مجلس الأمن عام 2008، كما ساعد في إنجاح مرشح تركيا أكمل الدين إحسان اوغلو في تولي منصب الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي العام 2005.
الصومال كانت البوابة الأوسع لتركيا في سعيها لتوسيع نفوذها بإفريقيا، ففي الوقت الذي انشغل فيه العالم أجمع عن المجاعة والمأساة الإنسانية التي تعيشها الصومال، كان أردوغان في عام 2011 أول زعيم غير إفريقي يزور الدولة الفقيرة غير الآمنة منذ أكثر من 20 عاماً، فاتحاً الباب أمام مساعدات إنسانية واقتصادية وتنموية تركية غير محدودة للصومال.
وبعد سنوات من الدعم الاقتصادي والإنساني اتفقت أنقرة مع الحكومة الصومالية على استضافة قاعدة عسكرية للجيش التركي على أراضيها تطل على خليج عدن الاستراتيجي، ولتكون بذلك ثاني قاعدة عسكرية للجيش التركي خارج أراضيه بعد القاعدة العسكرية في قطر والمطلة على الخليج العربي. ويرى محللون أتراك أن القاعدة العسكرية في الصومال وتوجهها لتدريب أكثر من 10 آلاف جندي صومالي ستكون بالإضافة إلى موقعها الاستراتيجي سياسيا وجغرافياً مدخلاً هاماً لبيع السلاح التركي في القارة السمراء وفتح أسواق جديدة للصناعات الحربية التركية التي تشهد تطوراً متسارعاً في السنوات الأخيرة.
وتدرك تركيا جيداً أهمية الصومال بالنظر إلى موقعها الجغرافي الذي يربط بين القارات وباعتبارها ممرا مهما للطاقة في العالم، إضافة إلى الثروات الكثيرة التي يمتلكها الصومال والمخزون النفطي، وبالتالي فإن الصومال يدخل ضمن سياسة عامة تنتهجها تركيا للتأثير على المستويين الإقليمي والدولي.
المحلل السياسي التركي باكير أتاجان أوضح أن تركيا تعمل منذ فترة طويلة في أفريقيا بشكل عام والصومال بشكل خاص على تقديم المساعدات الإنسانية والدعم لتلك الدول الفقيرة، ولكنها الآن انتقلت من الخطوات المدنية للعسكرية بإعلانها إقامة قاعدة بالصومال.
وقال في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي»: «من أهم الخطوات التي اتخذتها تركيا في السنوات الأخيرة هو إقامة قواعد عسكرية في قطر والصومال»، مشدداً على أنه لا توجد أهداف توسعية بالمعنى السلبي أو احتلال لشعوب «أو كما تروج إيران أن أردوغان يعمل على إعادة الدولة العثمانية»، وإنما هي عمليات توسع تهدف إلى حماية مصالح تركيا في المنطقة وخليج عدن الإستراتيجي.
ورأى أن هذه الخطوات تأتي «في إطار مجاراة خطوات إيران التوسعية في المنطقة وأفريقيا»، وقال: «التغلغل الفارسي فرض على تركيا التحرك بهذا الشكل».
وأكد سعيد الحاج الكاتب والباحث في الشأن التركي أن الصومال لها مكانة خاصة في السياسة الخارجية للحكومة التركية وتعمل أنقرة على دعمها اقتصادياً وإنسانياً منذ فترة طويلة وعملت على بناء مطارات وطرق وجسور من خلال عدد كبير من مؤسسات المجتمع المدني الناشطة هناك والتي قدمت نموذجاً للقوة الناعمة لتركيا في هذه الدول الإفريقية.
ورأى في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» أن سياسة صفر مشاكل والقوة الناعمة لم تعد تكفي لوحدها ولم تعد تناسب الظروف الحالية في المنطقة والعالم ولجأت السياسة الخارجية لتركيا للعمل على بناء شراكات «قوية وفاعلة» وهو الأمر ذاته الذي حصل مع قطر.
وقال: «بعد إنشاء قاعدة في قطر، تتجه تركيا للصومال المطلة على الخليج والمضيق ذات الأهمية الإستراتيجية الكبيرة، ذلك يدلل على أن السياسة الخارجية التركية تتجه للخارج وتعمل بهدوء بدون خلق عداءات لكن هذه السياسة تحتاج لسنوات مقبلة كي تؤتي بنتائج مباشرة أكبر».
موقع «خبر 7» التركي قال في تقرير له: «إن القاعدة التركية في الصومال تأتي في إطار سياسة فتح أسواق جديدة للأسلحة التركية والبحث عن أسواق جديدة لبيع الأسلحة التي تنتجها أنقرة»، مضيفاً: «تركيا تبدأ أعمالها في هذا الإطار من خلال تعزيز تواجدها في الشرق الأوسط وأفريقيا، ويأتي اختيارها لقطر والصومال للأهمية الجيوسياسية لهاتين الدولتين، إلى جانب أسباب أخرى». أردوغان قال الثلاثاء الماضي إن بلاده ستواصل دعمها للشعب الصومالي من أجل أن يعيش في أمان وسلام، وذلك في كلمة له بمنتدى الأعمال التركي الصومالي الذي نظمه مجلس العلاقات الاقتصادية الخارجية التركي في إسطنبول، بينما أوضح نائب رئيس الوزراء التركي، «لطفي ألوان»، أن حجم الاستثمارات التركية في الصومال بلغ 100 مليون دولار أمريكي، بنهاية العام الماضي، وقال: «حين ننظر إلى إمكانيات العمل في الصومال، يجذب انتباهنا امتلاكها أطول ساحل بأفريقيا وموارد الطاقة المتجددة؛ وسنشجع مستثمرينا على الاستثمار في الصومال».
وبجانب المساعدات الإنسانية غير المحدودية التي تقدمها هيئة الإغاثة التركية والهلال الأحمر التركي بشكل دائم للمواطنين الصوماليين، أقامت الحكومة التركية العديد من المشاريع الضخمة في البلاد من أجل تطوير العاصمة والمؤسسات الحكومية والخدمات العامة للسكان.
ويرى مراقبون أن أردوغان يحاول تعويض الخسائر التي لحقت ببلاده بعد اندلاع الثورة السورية، وعزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، وتعزيز نفوذ بلاده السياسي والدبلوماسي حول العالم، بينما رأت العديد من الصحف التركية أن التحرك الدبلوماسي الجديد لأردوغان وانفتاح تركيا على الدول الأفريقية يأتي في إطار سياسات حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم التي تهدف إلى إيصال الصوت والمنتجات التركية إلى جميع أنحاء العالم.
وخلال السنوات الأخيرة، ارتفع بشكل كبير حجم التبادل التجاري بين تركيا والعديد من الدول الأفريقية، أبرزها تونس والمغرب والجزائر بالإضافة إلى ليبيا التي عملت شركات المقاولات التركية على إعادة اعمارها بعد الدمار الذي حل بها إبان الثورة على الرئيس معمر القذافي، لكن تردي الأوضاع الأمنية دفع هذه الشركات للانسحاب بعد تهديد جماعات ليبية باستهداف الأتراك في البلاد.
وعقدت تركيا في مدينة اسطنبول عام 2008، قمة أفريقية تركية تحت اسم «التضامن والشراكة لمستقبل مشترك»، والتي كانت الأولى من نوعها، وشارك في هذه القمة ممثلون من 50 دولة أفريقية، وفي العام ذاته منحت «قمة الاتحاد الأفريقي» المنعقدة في أديس أبابا وصف «حليف استراتيجي» لتركيا. ولأنقرة علاقات جيدة مع جيبوتي التي وقعت معها على إنشاء منتدى أعمال مشترك قال أردوغان في افتتاحه: «دائماً وقفت تركيا بجانب قارة أفريقيا، وستستمر في ذلك باعتبار أنها دولة تدرك جيداً حجم المشكلات في القارة السمراء، وحجم الإمكانيات التي تتمتع بها».
معتبراً أن «دولة جيبوتي واحدة من بلدان القرن الأفريقي المستقرة التي تحرز تقدماً على مسار التنمية كما تعد في الوقت ذاته واحدة من أهم المراكز الأفريقية لما تتمتع به من إمكانيات اقتصادية وموارد بشرية، وهي دولة ذات ثقل في علاقاتها الدولية في المنطقة».

إسماعيل جمال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية