خلافات البيشمركه والحشد الشعبي والجيش تؤخر نهاية «الأسد الجريح» في الموصل

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: مايكل وير، مراسل حربي أسترالي عاش «كوابيس» سبع سنوات من حروب العراق الدموية المتواصلة، سجل فظائعها وصورها منذ قرار الرئيس جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد قبل 13 عاماً بدء مغامرة كارثية انتجت العنف وصدرته إلى سوريا وليبيا وتونس وأماكن أخرى.
كان القرار الإطاحة بنظام الرئيس صدام حسين، ومنذ البداية سجل وير صور المقاومة لاحتلال العراق وصعود القاعدة وتمظهرها الأخير في تنظيم «الدولة». ويقول «لقد شاهدت ولادة تنظيم الدولة منذ البداية، فهو موجود في الفيلم». وكمراسل حربي تأثر بما شاهده من قتل وعنف وتخريب ووصل حافة الجنون أو الانهيار العصبي.
وقرر التخلص من كوابيس الحرب بتسجيل مشاهدها في «يوميات- فيديو» أصدرها في فيلم الأسبوع الماضي بصورة رقمية «آي تيون» وستعرضه قناة «أتش بي أو» قريباً.
وهو فيلم مثير للعواطف مخيف جعل إد فوليامي من صحيفة «أوبزيرفر» التعليق «هل نريد مشاهدة كل هذا؟»أي حفلات القتل والإعدام ورمي رجال من سطوح المنازل وأيديهم مقيدة ورجال مكيسة رؤوسهم متهمون بالتجسس ينتظرون رصاصة جهادي يركلهم وهم جالسون بين الحين والآخر.
عنف لا مبرر له لكننا في حاجة لرؤيته حسب فوليامي. فهو فيلم مهم يكشف آثار القرار الأمريكي عام 2003 ويدخل في تفاصيل القصة العراقية.
واختار وير عنوان «أونلي ذا ديد» (فقط هم الموتى) لفيلمه المحرك للمشاعر والحافل بالعنف الذي قد ينتقده البعض على تصويره. فقد كان وير «مرفقاً» مع الجيش الأمريكي والمقاومة العراقية له.
وفيه كما يقول فوليامي مشهد يعيش في وعي المشاهد، ويظهر جنوداً أمريكيين وهم يفتشون ويوجهون الإهانة لعراقي جرح في رأسه وكان في اللحظات الاخيرة من حياته لكنه لم يمت سريعاً بشكل جعل الجنود يصرخون عليه ويسرعون خطى موته «أسرع ومت يا ابن الـ…». ويرى فوليامي أن أي نقد لوير يعد حماقة لأنه قام بعمل شيء مشابه لما قدمه مايكل هير في كتابه عن فيتنام «برقيات» و»هي رحلة شخصية عبر وحشية الحرب الفيتنامية والتي تنتهي بصرخة ليست ضد الحرب التي انغمس فيها عميقاً كمراسل ولكن ضد كل الحروب».

تجربة العراقيين

وفي مقابلة مع المخرج في بيته في بيرسبين تحدث لصحيفة «أوبزيرفر» بصدق عن اللحظة التي قرر فيها صناعة الفيلم «أخذت وقتاً طويلاً كي أصل إلى هذا الفيلم، عملت سبع سنوات في العراق، وبشكل مستمر، لم أخرج وأدخل. وكنت مقيماً مدة 11 شهراً في العام. ولهذا فتجربتي في الحرب هي تجربة العراقيين أنفسهم، الصدمة أنفسها وبشكل يومي».
ويقول إنه اشترى»هاندي كام» بثلاثمئة دولار بدأ يسجل عليها يومياته وهو يعد تقاريره لمجلة «تايم» الأمريكية.
ويعترف وير أنه لم يكن يصنع فيلماً فلو كان لديه هذا الشعور لالتقط مشاهد أخرى كي يعرض الحقيقة بشكل بصري. لكن لقطاته كانت أكثر طزاجة ففيها يظهر مع بقية الصحافيين وهم يرافقون الجيش الأمريكي ويستمعون لتصريحات القادة العسكريين عن «المجرمين» و»الإرهابيين»، «وكلما استمعت لهم اكتشفت أن الأمريكيين لا يعرفون الناس الذين يطلقون النار عليهم ولا يستطيعون معرفتهم. وبناء على المبدأ التقليدي في الصحافة قررت البحث عن قصة الطرف الآخر، ووجدت أن ما يطلق عليهم العدو ليسوا كما يوصفون. فقد كان هناك انفصام بين من يديرون الحرب والحرب نفسها».
ورغم شعوره في واحدة من يومياته بالإنزعاج مما صوره إلا أنه يجتاز نحو الطرف الآخر ويزور بلدة عراقية ويستمع للمقاتلين ومظالمهم «وحس الظلم الذي يشعرون به تحت الاحتلال». ثم تبدأ العمليات الإنتحارية ويعتقد وير أن هذا ليس من عمل الرجال الذين قابلهم بل من طرف يخاف منه هؤلاء المقاتلون أنفسهم.
وبعدها يصله شريط فيديو يصور شخصاً وهو يحضر لعملية انتحارية وكان أول شريط دعائي لجماعة أبو مصعب الزرقاوي. ويقول فوليامي إن وير بحث عن جنود جيش صدام ولكن الجهاديين بحثوا عنه ولهذا غامر في الدخول لعالمهم.
وعليه فالفيلم يتردد بين أزمة وجودية وتوثيق للعنف تم تصويره «عبر نافذة لم ينظر من خلالها أحد». ويكشف فيلم وير أن العراق وحتى بعد إعلان توني بلير وجورج دبليو بوش عن «النصر» لم يشهد حرباً واحدة «بل أربع حروب، الأولى بين الأمريكيين والبريطانيين من جهة وضباط صدام حسين والمتعاطفين معهم من جهة أخرى.
ثم الحرب المقدسة التي شنتها ما نطلق عليها اليوم «الدولة الإسلامية»، والثالثة كانت أهلية بين العراقيين أنفسهم، سنة وشيعة. أما الرابعة فكانت بين إيران وكل شيء له علاقة بالبعث وهذه الحروب بدون أن نذكر الأكراد».
ويتحدث ويرعن نهاية رحلته في العراق بعد سبعة أعوام حيث قررعام 2010 إخراج الأشرطة التي سجلها ووضعها في صندوق بلاستيكي خبأه تحت سرير نوم والده وبدأ في مشاهدة يومياته على الفيديو حيث اضطر لتجربة الحرب من جديد والتي أثرت على نفسيته. وحاول تقديم تعليق لليوميات غير المشهد الذي تلتقطه الكاميرا والرجل الذي يقف خلفها. ويكتشف وير في نهاية الرحلة أن الساسة الذين يذهبون للحرب والحسابات التي يحسبونها تتلاشى وما يبقى في النهاية هو البوصلة الأخلاقية وأن كل الحروب مهما كانت لا معنى. ومع ذلك فالحرب التي سجلها وير لا تزال دائرة في أرض الرافدين. والغريب أن حروب العراق الأربع لا تزال قائمة وهزيمة تنظيم الدولة الخارج من عباءة القاعدة في العراق لم تتحقق والسبب أن أعداءه مشتتون.
وهي ثيمة تتكرر دائما مقالات باتريك كوكبيرن، مراسل صحيفة «إندبندنت» و «إندبندنت أون صاندي» ففي الأخيرة كتب عن تنظيم الدولة الذي وصفه بأنه يمر بمرحلة «أسد جريح» يقاتل معاركه الأخيرة على ما يبدو.

في كربلاء جرحى

وقبل أيام كان كوكبيرن في مناطق الأكراد حيث نقل شهادات لاجئين من الموصل ومن ثم انتقل إلى الجنوب حيث التقى مقاتلين في «الحشد الشعبي» أصيبوا في المواجهات مع مقاتلي تنظيم الدولة في معركة الرمادي، رغم تأكيد الأمريكيين عدم مشاركة هؤلاء في استعادة السيطرة عليها.
وتحدث مع زمان حسين، الذي قال إن مجموعته قتلت موجات من انتحاريين تقدموا نحو وحدته باستثناء انتحاري واحد اختبأ داخل شاحنة لنقل النفط ونجح بتفجير حزامه. وكان حسين من ضمن الجرحى حيث فقد رجله.
أما سليمان حيدر عباس (20 عاماً) فأصابه قناص من تنظيم الدولة قرب بيجي التي شهدت مواجهات طويلة بين التنظيم والقوات العراقية.
وينتظر عباس في مستشفى كربلاء العملية الثالثة لإصلاح الكسر الذي أصاب فخذه. ويعلق كوكبيرن أن الجراح التي تعرض لها مقاتلو الحشد الشعبي تعكس طبيعة الحرب التي يشنها تنظيم الدولة في العراق وسوريا. فرغم قلة عدد مقاتليه وفقر عتادهم إلا أنهم يعتمدون على أساليب عسكرية معروفة وذات فاعلية منذ مئات السنين.
ففي ظل الجمود الذي يسود الميدان العسكري في العراق يواصل التنظيم تكبيد أعدائه خسائر فادحة باستخدام القناصة والعمليات الانتحارية والقنابل المصنعة محلياً والمفخخات وقنابل الهاون.
ويعلق كوكبيرن أن معدل الخسائر في حرب الاستنزاف مرتفع إلا أنها متواصلة خاصة ان مقاتلي التنظيم مهرة في زرع الألغام والمفخخات. وهي التي واجهها الحشد الشعبي والجيش العراقي في الرمادي. وينقل عن مصطفى هاشم من الفرقة 17 والذي نقل إلى كربلاء بعد إصابته بقنبلة هاون قرب الفلوجة اعتقاده أن التنظيم ضعيف «وخسر الكثير من المدن» إلا ان انهياره بطيء ولم تسجل معدلات هروب كبيرة من بين صفوفه. ومع ذلك فقد خسر الجهاديون الرمادي أكبر انتصار حققوه العام الماضي، وقبلها تكريت وبيجي وسنجار. وأصبح الطريق السريع بين بغداد وكردستان في الشمال سالكاً وتسير عليه العربات.
ويقول السائق علي كريم «يمكنني القول إن الطريق أصبح آمناً بنسبة 90%» وهو تحسن عن ذي قبل عندما قسم التنظيم العراق إلى قسمين. ويصبح الطريق في الليل مقفراً ولا يتجرأ السائقون على المرور به.

هل فقد المبادرة

ويقول شيخ ميثم زيد، من فرقة العباس في «الحشد الشعبي»، «لم يعد تنظيم الدولة يبادر بالهجوم كما كان يفعل في السابق». والسؤال لماذا لم تتم هزيمة التنظيم، وجواب كوكبيرن الجاهز هو «تفرق» أعدائه.
فقد شكلت فرق الحشد الشعبي في جو من الذعر الذي أصاب الحكومة العراقية بعد دخول الجهاديين الموصل في حزيران/يونيو 2014 وتهديدهم العاصمة بغداد. وعندها أصدر المرجع الشيعي آية الله علي السيستاني فتوى تدعو لحشد المتطوعين لحماية العاصمة. وتكون الحشد من متطوعين وميليشيات أخرى مثل منظمة بدر وعصائب الحق وكتائب حزب الله.
ويزعم قادة الحشد أن عدد أفراده 100.000 لكن العدد الحقيقي ما بين 35.000 ـ 50.000 شخص.
وتحول الحشد الشعبي بعد الموصل إلى دولة داخل الدولة العراقية تتكفل بدفع رواتب أفراده بدون أن تكون لديها السيطرة عليه. أما الجيش العراقي فلم يتعاف من هزيمته الأولى أمام الجهاديين، إلا أن لديه عدداً من فرق النخبة القوية ويتعاون مع الطيران الأمريكي لضرب مواقع التنظيم.
وعادة ما تترك الغارات مواقع التنظيم ركاماً. وتنظر الولايات المتحدة نظرة شك إلى الحشد الشعبي وتعتبره تشكيلاً طائفياً موالياً لإيران. ويتهم قادته الولايات المتحدة بالتآمر عليهم. ويقول أحدهم «ستفشل كل المؤامرات ضد الحشد».
ويرى كوكبيرن أن النزاعات هي ما يقسم أعداء التنظيم وأسهمت بحالة الجمود العسكري. وقال إنه زار وحدة من كتيبة العباس تشارك مع البيشمركه بالهجوم على بلدة بشير قرب كركوك. ورغم تطويق البلدة الصغيرة من كل الأطراف إلا أنها لم تسقط.
مع أن عدد الجهاديين فيها لم يكن يتجاوز المئة وليس لديهم عتاد مثل عتاد أفراد الحشد الشعبي الذين يقصفون البلدة من مسافة 10 كيلومترات.
وسأل كوكبيرن العقيد كريم حسن عن سبب استمرار سيطرة تنظيم الدولة على البلدة «ننتظر الأوامر للهجوم على بشير من أربعة أو خمسة أشهر، ولم تأت بعد» كان الجواب.
ويعتقد الكاتب أن المبرر وراء عدم صدور الأوامر هو عدم رغبة الحكومة العراقية بملء البيشمركه والحشد الشعبي للفراغ الذي يتركه تنظيم الدولة ولهذا فهي تؤخر إرسال الأوامر، فالصراع بين الحشد والقوات العراقية والبيشمركه هو ما سيعلم مرة ما بعد هزيمة التنظيم. والنزاع بين هذه القوى هو ما يؤخر «تمزيق جلد النمر قبل أن يسقط ميتاً».
لكنه لم يمت بعد في العراق ولا في سوريا ولا حتى في ليبيا. وحتى لو خرج من مناطقه التي أقام عليها ما تسمى بالخلافة فقد تحول اليوم إلى ماركة عالمية على شاكلة تنظيم «القاعدة». وعليه فلن تتحقق هزيمة التنظيم بدون مواجهة فروعه عالمياً كما يرى الأكاديمي دانيال بيمان، المحاضر بجامعة جورج تاون ومؤلف كتاب «القاعدة، تنظيم الدولة والجهاديون العالميون: ما يجب أن يعرفه كل شخص».

الفروع الخطيرة

ويرى بيمان في مقال نشره بمجلة «فورين أفيرز» أن تفجير الطائرة الروسية فوق سيناء في تشرين الأول/أكتوبر 2015 والذي أعلن تنظيم الدولة مسؤوليته عنه هو أخطر من الهجمات التي نفذها جهاديون في باريس أو سان برناندينو لأن الذي يقف وراءه ليس التنظيم في العراق وسوريا ولا «ذئب متوحد» ولكن ولاية سيناء. ولو قامت جماعات بالتحالف مع التنظيم كما تشير الأحداث الأخيرة فإننا أمام تنظيم أصبح له مدى عالمي.
ويؤكد الأكاديمي أننا لسنا أمام ظاهرة جديدة، فقد تفوقت فروع تنظيم «القاعدة» خاصة الفرع اليمني على القيادة المركزية في أفغانستان وباكستان. وحاول التنظيم اليمني تفجير طائرات أمريكية وكما كتب نائب سي آي إيه السابق مايكل موريل فلدى الفرع اليمني «القدرة على تفجير طائرات أمريكية غداً». وفي حالة تنظيم الدولة فهو من إفرازات تنظيم «القاعدة» حيث خرج التنظيم العراقي من الرماد عام 2010 واستغل تهميش السنة والحرب في سوريا ليعيد بناء نفسه بعد سنوات من الإنهيار أمام الأمريكيين والصحوات السنية.
واستطاع أبو بكر البغدادي بناء استقلالية عام 2013 وغير اسم «القاعدة» القديم إلى تنظيم «الدولة» في العراق والشام وأعلن عام 2014 «الخلافة» بل وتجاوز البغدادي زعيمه السابق الدكتور أيمن الظواهري وأصبح لديه فروع تتفوق على فروع «القاعدة». ومن هنا يرى بيمان أن فروع «ماركة» تنظيم «الدولة» تشكل خطراً على المصالح الغربية. فهذه تسمح لقيادة التنظيم بتوسيع تأثيرها وانخراطها في النزاعات الدموية المحلية والإقليمية. ويقول إن الولايات المتحدة وحلفاءها بدأوا يتعاملون مع مخاطر الفروع في استراتيجية مكافحة الإرهاب.
مع أن الرئيس باراك أوباما في خطابه الذي ألقاه في كانون الأول/ديسمبر لم يذكر الفروع. ولكن البنتاغون تتعامل مع الخطر بشكل جدي وتفكر بإنشاء قواعد عسكرية إضافية في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط. ويقترح الكاتب على الولايات المتحدة تطوير استراتيجية شاملة لإضعاف الفروع والإستفادة من التوتر الذي قد يظهر بين القيادة في العراق وسوريا والفروع الأبعد.
فكما حدث مع القاعدة من قبل عندما أصبح الفروع عبئاً على القيادة المركزية ولم تطع الأوامر وطالبت بمصادر مالية كبيرة فلا يستبعد سيناريو مماثل مع تنظيم «الدولة». فالخريطة للتنظيم تظهر «ولايات» في مصر وليبيا والجزائر ونيجيريا وأفغانستان والسعودية واليمن والقوقاز فيما نفذ إرهابيون هجمات باسمه في الكويت وبنغلاديش.

الفرعان الأخطر

ويظل الفرعان المصري والليبي من أخطر فروع «الدولة الإسلامية». ويمثل الفرع الليبي خطراً على المصالح الغربية أكثر من «ولاية سيناء» لأنه لا يواجه حكومة قوية كما هو الحال في مصر. ولدى التنظيم حوالي 3.000 مقاتل وأقام «إمارة» صغيرة في مدينة سرت.
ويعتقد بيمان أنه من الصعب بناء صورة عن علاقة التنظيم بالفروع التي أقسمت الولاء له. فقد زعم شن هجمات في بنغلاديش لكن لا يعرف إن كان من نفذها أتباعه ام فرع آخر باسمه وكذا الحال مع بوكو حرام النيجيري المتعدد القيادات والتي لم تتعد العلاقة «البيعة».
وفي المناطق التي لا يوجد للتنظيم حضور رسمي يلعب المتطوعون (عددهم 25.000 متطوع تقريباً) في صفوفه دوراً ببناء علاقات مع الجماعات المحلية في بلادهم. وكما فعل الأفغان العرب من قبل فتنظيم «الدولة» ينقل أفكاره عبر المتطوعين ولكن على قاعدة أوسع مما فعلت «القاعدة» سابقاً.
ويشير الكاتب إلى عوامل عدة تدفع الجماعات المحلية للتعاون مع تنظيم «الدولة» منها الاقتناع الآيديولوجي، والحاجة للدعم المالي والشرعية وغير ذلك. وتوفر بالضرورة هذه الفروع للمركز في الرقة والموصل خياراً لمواصلة الحرب حيث يصبح كل منها «دويلة» وبديلاً يمكن الإعتماد عليه حالة تعرض المركز لخطر الانهيار. وينظر المسؤولون الأمريكيون لنشاطه في ليبيا على أنه «خطة طارئة».
كما يمكن أن تلعب الفروع المركز القدرة لمواصلة حملته الدعائية مثلما فعل فرع «القاعدة» اليمني بعد مقتل أسامة بن لادن. ويشير الكاتب إلى وضع تنظيم «الدولة» الذي بدا عام 2014 عصياً على الهزيمة ولكنه الآن يعاني من تهديدات على كل الجبهات وتراجع في الشعبية بعد سلسلة من النكسات.
وعليه فالتوسع دولياً يمنحه مخرجاً للبقاء في عناوين الإعلام وبالتالي اجتذاب المتطوعين. ويحذر الكاتب من الآثار السلبية لانتشار التنظيم خارج حدوده، فتبني فروعه لاستراتيجيته في القتل والتوحش تعني حروباً طائفية تفرض على الدول تحديات تتعلق بشرعية الحكومات، خاصة في السعودية التي يواصل التنظيم استهداف المساجد فيها وكذا الكويت. كما أن دائرة العنف والانتقام التي تستهدف الجماعات المحلية – قبائل وجماعات غير مسلمة قد تدفع بالكثيرين للهرب مما يعني تدفقاً للاجئين إلى أوروبا.
ويمكن للتنظيم استخدام الفروع الجديدة كنقاط انطلاق لهجمات ضد الغرب. ورغم المنافع التي يمكن أن تجلبها الفروع الجديد على صورة التنظيم الدولية لكنها قد تصبح عبئاً وتضعف المركز وكذا الجماعات المحلية. فالخلاف بين حركة طالبان والفرقة التي انشقت عنها وبايعت البغدادي أثرت على قدرة الفريقين لمواجهة الحكومة الأفغانية. وسيتعلم تنظيم «الدولة» قريباً كما وعت «القاعدة» الدرس من قبل أن الفروع المحلية لا تطيع المركز وتواصل حروبها المحلية.
ووجدت «القاعدة» صعوبة في السيطرة على تنظيم «القاعدة» في بلاد الرافدين خاصة من ناحية استهداف الشيعة والعمليات التي نفذها أتباع أبو مصعب الزرقاوي في عمان عام 2005. وفي حالة تنظيم «الدولة» فاستيعابه جماعات محلية يعني توسيع دائرة أعدائه، فعندما قامت ولاية سيناء بتفجير الطائرة الروسية دخلت موسكو على الحرب ضد التنظيم وضربت مواقعه في دير الزور.
وفي المقابل فهناك ثمن باهظ قد تدفعه الجماعات المحلية جراء انضمامها للتنظيم الأم، فكما حدث مع فرع «القاعدة» في السعودية عام 2003 الذي دفعت قيادته لشن حرب ضد الدولة وكانت نتائجها كارثية عليه.

استراتيجية جديدة

ويدعو بيمان في نهاية مقاربته إلى استراتيجية جديدة تعمل على إضعاف الفروع المحلية لتنظيم «الدولة»، خاصة أن إسقاط الطائرة الروسية أثبت عبث التفكير القائم في واشنطن حول الآثار السلبية الناجمة عن استهداف الفروع المحلية.
ويعتقد أن أي استراتيجية ضد الفروع يجب أن تقوم على: قطع العلاقات بين الجماعة الأم وفروعها ومحاولة احتوائها وإضعافها وهزيمة الفروع نفسها. كما ويجب أن تقوم الولايات المتحدة والدول المتحالفة معها باستهداف مراكز القيادة والقيادات المحلية التي تقيم علاقات مع قادة التنظيم في العراق وسوريا.
ويدعو الكاتب الولايات المتحدة لبناء قواعد عسكرية في مناطق متعددة وبعيدة من العالم. ويجب على الولايات المتحدة العمل على إضعاف الفروع المحلية بخلق انطباع عن انفصال المركز عن الفرع وعدم اهتمام الأول بظروف واحتياجات الثاني. ويجب أن تقوم واشنطن بتقوية الدول التي تعمل في أراضيها فروع التنظيم عبر تدريب وتسليح قواها الأمنية. وفي النهاية يجب على واشنطن ضم أكبر عدد من الفروع في استراتيجيتها لمكافحة تنظيم «الدولة».

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية