الإصلاح والشوكولاته: نكتة من الجحيم العراقي

تداعيات المشهد العراقي تزداد سخونة، وفي الوقت نفسه، يزداد المشهد تعقيدا حتى أصبحت السمة الأساسية للوضع العراقي هي الضبابية التامة، وعدم وضوح الرؤية في جو ملبد بالاحتقان ومفتوح على كل الاحتمالات.
كل الطبقة السياسية متهمة بالفساد، الشارع يطالب برحيلها أو استبدالها، لكن لا احد يعرف أو يمكن أن يشير إلى آلية هذا التغيير، المظاهرات والاحتجاجات تعم الكثير من المحافظات، والحكومة تنظر بلامبالاة للمتظاهرين، أو ربما، بانتظار أن يتعب المتظاهرون وتنتهي المشكلة. تم الإعلان عن حزم اصلاح بقيت تدور في متاهات الحكومة والبرلمان ورئاسة الجمهورية، وانتهى الامر بلا تغيير لعدم دستورية أغلب ما جاء في حزم الإصلاح، الخاسر الأكبر هو المواطن العراقي الذي تتهاوى امامه كل احتمالات العيش الآمن كبقية خلق الله.
ربما عرفت الشخصية العراقية على مر تاريخها بجديتها وتجهمها وعدم ميلها للنكتة والفكاهة والسخرية، لكننا نشهد زمنا بدأت فيه هذه الصورة بالتكسر والتراجع، مفسحة الطريق أمام كوميديا سوداء، كوميديا مثلت المفارقة الجحيمية احد أهم آلياتها، والضحك والسخرية من الموت العبثي المجاني الذي يحصد آلاف الابرياء كل يوم أحد أبرز سماتها، وهنا أذكر حوارا في عمل تلفزيوني عراقي يقول فيه احدهم (من كثر ما تعايشنا مع الموت بات اخانا الصغير الذي نلهو بالضحك منه ومعه)، بتنا نرى الشخصية العراقية تنافس الشخصيات العربية المعروفة بخفة دمها وسخريتها، مثل الشخصية المصرية. وفي هذا السياق كانت محاولات بعض الساسة في التنظير للخروج من الأزمة مضحكة مبكية، فقد تحولوا إلى نكتة وموضوع للتندر طوال الاسبوع الماضي، حيث طلب الشيخ جلال الدين الصغير، وهو رجل دين وسياسي وبرلماني في كتلة مهمة من كتل الائتلاف الشيعي، من العراقيين في خطبة الجمعة أن يمارسوا نوعا من التقشف وهو الحل الوحيد للأزمة، الازمة التي لا يمكن لحكومة تكنوقراط او غيرها حلها، فالامر منوط بعباد الله المساكين، وذكرهم بالايام السوداء التي عاشوها في تسعينيات القرن الماضي، والخبز الاسود وشحة المواد الاساسية وكل المآسي التي مروا بها مجبرين، واقترح على مستمعيه، وأغلبهم ممن يمكن توصيفهم بمن يعيشون تحت خط الفقر، قائلا، اذا كان دخلك الشهري 100 ألف دينار عراقي (حوالي 75 دولارا)، فبإمكانك المعيشة بـ 30 وتوفير 70 الفا، ويجب ألا تصرفوا اموالكم على الكماليات مثل الشوكولاتة (التي تسمى نستلة في اللهجة العراقية على اسم الشركة الشهيرة)، وخلال ساعات اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض قنوات التلفزة بالنكات والتعليقات والكاركتير والأغاني الساخرة من الشيخ الصغير و (فتواه) بالابتعاد عن الشوكولاته، وعــــندما انبــــرى عدد من اعضاء كتلته النيابية للدفاع عن الشيخ وعن ماضيه النضالي، ومحاولة تهديد من يشنون الحملة على الشيخ، اصبح السيد بليغ ابو كلل الناطق باسم كتلته النيابية وعضو البرلمان محمد اللكاش النائب من كتلة المواطن البرلمانية، تحت وابل نيران السخرية والشتائم التي زادت من توتر الامر ولم تنهه، لكن الحملة هدأت نسبيا لظهور شخصية سياسية جديدة في دور جديد.
المفارقة المضحة المبكية أن الاحزاب المشتركة في البرلمان والحكومة تدعو بدورها إلى الاصلاح والتغيير، وكل طرف يحاول أن يرمي المشكلة في ساحة الاخر، حيث دعا رئيس الوزراء الدكتور حيدر العبادي الكتل السياسية إلى التعاون معه في تشكيل حكومة تكنوقراط غير مسيسة لانقاذ الوضع، لكن المفارقة أن هؤلاء التكنوقراط سوف يكونون مرشحين من الكتل السياسية، وفي تحرك غير مسبوق نزل السيد مقتدى الصدر زعيم التيار الصدري إلى معمعة الاحتجاجات يوم الجمعة 26 فبراير. فبعد مضي اكثر من ستة اشهر على المظاهرات التي كان محركها الاساس التيار المدني، مع بعض المشاركات البسيطة من بعض الحركات او الاحزاب السياسية، نجد ثقل التيار الصدري بشعبيته الكاسحة يحول مظاهرات تعدادها بضعة الاف إلى مظاهرة مليونية، وصفها بعض المراقبين بحوالي النصف مليون متظاهر نزلوا إلى ساحة التحرير في قلب بغداد، بعد طلب السيد الصدر مشاركتهم في المظاهرات، كما حضرها السيد الصدر بنفسه وألقى كلمة في مكان الاحتجاج وصلى الجمعة في ساحة التحرير.
وقد سبق ذلك مقترح السيد الصدر عبر طرح آلية لإصلاح الحكومة، ودعا إلى تشكيل لجنة من المختصين والخبراء والمثقفين للمساعدة في تشكيل حكومة تكنوقراط برئاسة السيد حيدر العبادي، كما صرح برفع الغطاء السياسي عن وزراء ونواب كتلته الحزبية، في إشارة إلى نزوله إلى مطالب الشارع والتماهي معها قائلا في خطابه، «أنا بينكم وأعلن بكل صراحة وشجاعة أن الحكومة قد تركت شعبها يصارع الموت والخوف والجوع والاحتلال، حتى أوصلته الى أزمة أمنية خانقة، وإلى أزمة اقتصادية مهلكة وخدمية متردية وسياسية متهالكة لكن الاخطر في خطبة السيد الصدر كان اشارته «اليوم نحن على أسوار المنطقة الخضراء وغدا سيكون الشعب فيها ليستعيد حقوقه من الفاسدين والظالمين».
وحذر الفاسدين من الطبقة السياسية مـــن «صرخة المظلوم فإنها لا محالة ستنتصر»، وطالب المحتشدين بالقول « يجب على أحبتنا المتظاهرين الاســـتمرارعلى التظاهرحتى انتهاء مدة الـ45 يوما، فاذا مرت من دون إصلاح جذري فان هذا سيعني أن الخطوات الأخرى ستدخل حيز التنفيذ، وكل خطواتنا لن تنجح إلا بفضل الله اولا ودعمكم المليوني ثانيا، فكونوا على قدر المسؤولية ولا تقصروا أمام الله وأمام عراقكم الحبيب».
وهنا بدا ألف سؤال وسؤال يطرح في الشارع العراقي، هل كلمات السيد مقتدى الصدر تعني التهديد بالعنف والتلويح باحتمالية هجوم المتظاهرين على المنطقة الخضراء، للإطاحة بالحكومة والبرلمان والعملية السياسية؟ وفي حالة حصول هذا السيناريو، هل سيكون البديل أكثر جدوى؟ أم انه بداية دوامة عنف وتقاتل اهلي مرير؟ وهل يمكن قيام ائتلاف جديد بين القوى الليبرالية والعلمانية مع التيار الصدري، وهو من تيارات الاسلام السياسي، الذي طالما اعتبر صوت مهمشي الشيعة بين تيارات الاسلام السياسي؟ وقد كانت ردود فعل بعض الساسة حادة على طروحات السيد الصدر، فقد صرح الدكتور حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي في مؤتمر المصالحة «لن نسمح بتهديد ممتلكات الدولة»، كما صرح أمين عام كتائب حزب الله في العراق السيد جاسم الجزائري رداُ على كلمة السيد الصدر «إبدأ بنفسك، وبناسك، وبوزرائك، وبالمحسوبين عليك، ثم بعد ذلك انشدْ الإصلاح»، في إشارة تداولها الكثير إلى أن التيار الصدري ومنذ عام 2009 كان جزءا محوريا من العملية السياسية في البرلمان والحكومة، وان العديد من رموزه طالتهم شبهات فساد كبرى. ليأتي السؤال المعضلة هل يمكن اصلاح العملية السياسية العراقية من داخلها؟ وهل تنفع الخطوات الاصلاحية عبر تشكيل حكومة غير مسيسة، وقد امتلأت دوائر الدولة بالفاسدين الصغار من مديري ووكلاء وزارات وموظفين، فما الذي يستطيع عمله وزير على رأس وزارة انهكها الفساد؟ هل يمتلك عصا سحرية لإصلاح هذا الكم الهائل من ملفات الفساد غير المسبوق تاريخيا وعالميا؟ وأجاب بعض المثقفين من كتاب ومحللين أننا نحتاج إلى ثورة إدارية تقوم بها كوادر نظيفة مؤمنة بالتغيير، كما يجب أن تتوفر الحماية الكافية لهذه الكوادر، لأن الفساد العراقي تغول وباتت أنيابه قادرة على تمزيق من يمس مصالحه.
وربما كانت بعض تداعيات الجمعة المليونية (26 فبراير) أكثر دموية، إذ ربط الكثيرون بين الهجمات الارهابية التي طالت مدينة الصدر الضاحية الشرقية الفقيرة لمدينة بغداد التي تكتظ بفقراء الشيعة بسيارات مفخخة يوم الاحد 28 فبراير، راح ضحيتها في احصائية اولية اكثر من 70 شهيدا، لان التفجيرات الانتحارية الاجرامية نفذت في سوق شعبي، وغير خاف على المتابعين أن مدينة الصدر تعد من المناطق التي يحظى فيها التيار الصدري بنفوذ كبير، كما تزامن ذلك مع حادث اختراق امني محدود نسبيا، لكنه خطير في دلالته على هشاشة الوضع الامني، اذ هاجمت مجموعة مسلحة من تنظيم «داعش» مدعومة بعدد من الانتحاريين منطقة ابي غريب الضاحية الشمالية الغربية لبغداد، ورغم تمكن القوات الامنية والجيش العراقي من محاصرة المهاجمين والقضاء عليهم، الا أن العملية بحد ذاتها يمكن أن تشير إلى ما يحدث بين الفينة والاخرى، وهو ما سماه بعض الكتاب بالتخادم القاتل بين الحكومة والمعارضة المسلحة، لإبقاء المواطن العراقي في حالة شلل، لأن العمليات الارهابية ما انفكت تمثل سيفا مسلطا على رقاب المساكين الذين طالبهم الشيخ الصغير بالعيش بـعشرين دولارا في الشهر، وهو مبلغ يكاد يكون ثمن الخبز اليومي فقط لعائلة متوسطة، بينما دخل عضو البرلمان العراقي عشرة الاف دولار شهريا بدون حساب الاموال الاخرى التي تصب في جيبه من هنا وهناك. فهل رأيتم مفارقة مضحكة مبكية تتمثل بالطلب من الشعب بالامتناع عن اكل الشكولاتة بينما ساستنا يغرقون في اموال السحت الحرام؟

٭ كاتب عراقي

صادق الطائي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية