الأحمر… يليق بشماغ «ذيب» الأردني

السؤال اضطراري في مثل الحالة التي سنناقشها: موضوع غياب الإرادة السياسية، هل يشمل الأفلام السينمائية وإنتاج المبدعين الشباب؟
طبعا مثل هذا السؤال الأردني بامتياز، الذي تثيره قصة الفيلم البدوي «ذيب»، يطرح بحسن نية. وفي حال الرغبة في إساءة النية يصبح السؤال نفسه بالصيغة التالية: إذا كانت الإرادة السياسية لم تشمل بعد جذب الاستثمار فعلا في بلد كالأردن لديه دوما ما يتحدث عنه ويحكيه للعالم، فهل الإرادة نفسها غائبة قصدا عندما يتعلق الأمر بدعم الإبداع الفني؟
السؤال الذي أثاره ويثيره فيلم «ذيب»، الذي نافس مؤخرا على جوائز الأوسكار، في عمق بنية المجتمع الأردني لم يعد فنيا او إبداعيا فقط، لكنه وطني واستراتيجي وعميق أيضا، ويحتاج لحديث صريح عن كل تلك الكتلة الهلامية من المسؤولين «غير المبدعين»، المتكومة في عمق وأطراف جهاز الدولة والتي تسهر على طرد وجلد الإبداع مهما كان.. تلك بكل الأحوال قصة أخرى.
ما هي حاجة النظام والمؤسسات في الأردن لكل هذا الاحباط المتكوم الذي يمشي على رجلين في عمق الجهاز البيروقراطي، ويمارس وظيفة موسمية تتمتع بالديمومة، وتتمثل في «التلاوم» وترويج الشائعات ودق الأسافين وتبادل الإتهامات وتفعيل كل ما هو مطلوب لتكريس المدرسة «الكلبية» في الفلسفة حيث العمل قصدا على «تهميش إنجاز الآخرين»؟
الآخر في حالتنا المحلية هذه المرة وللأسف هو المواطن الأردني لا أكثر ولا أقل.
فيلم ذيب، على نحو أو آخر وبعيدا عن الاحتفالية التي تجري من أجله حاليا، ينكأ الجرح المر ويطرح السؤال المقلق: كيف يعبر وعلى أي أساس ومتى فيلم سينمائي بإمكانات مالية بدائية جدا ومحدودة للغاية إلى كل هذه النجومية الكونية، فيما العسس مشغولون بعد الأنفاس ومواجهة كل دعوات الإصلاح والمواطنة والحكم المدني؟
ما علينا، الإجابة تبدو غير ميسورة، وقصة فيلم «ذيب» مجددا قصة إرادة شعبية تتحدى إرادة سياسية لا تؤمن بتفعيل أي نشاط إبداعي للشعب.
القصة باختصار أن قرية نائية في البادية الأردنية الجنوبية تسلل لها الابداع في غفلة من الرقيب، فقرر شبان صغار فيها انتاج فيلم سينمائي عن البيئة البدوية.. جمعوا ما تيسر من قروش واتفقوا مع مخرج من عمان وحصلوا على دريهمات قليلة من مؤسسة رسمية، ثم أنتج الفيلم الذي يحكي قصة فتى بدوي صغير.
أبناء قرية الشاكرية الصحراوية، الذين يحتاجون لحكاية ورواية من أجل زيارة عمان، داسوا بأقدامهم وسط تصفيق الجميع تلك السجادة الحمراء الشهيرة في لوس أنجلوس وهم يجالسون عليه قوم الفن في حفل الأوسكار الصباحي.
خرج فيلم ذيب من الجوائز، لكنه حقق معجزة قياسا بموارده ومحدودية أبطاله عندما تجرأ أصلا على المنافسة في الأوسكار بعدما حصد العديد من الجوائز الدولية الأخرى.
بعد الفوز والمنافسة وليس قبلهما، صفق القوم لشباب الشاكرية، وتحول سكان الطوابق العلوية في المجتمع الأردني إلى داعمين فجأة للإبداع وذواقين للفن، خصوصا إذا ولد في رحم البادية.. فجأة اكتشفت بعض النخب ان شبابا مبدعين في البادية الأردنية تمكنوا من التمشور مترجلين على سجادة الأوسكار، فيما لم يفعل أي أردني قبلهم ذلك بسبب فيلم سينمائي ميزانيته بائسة جدا ولم يكلف سوى بضعة آلاف من الدولارات وأبطاله فقط ثلاثة نجوم.
السجادة الحمراء، كما قال الزميل محمد أبو رمان، كانت تليق بهم ورافقتهم زفة التواصل الاجتماعي التي كشفت عن عدد هائل بين الناس من الناقدين السينمائيين، لو كنا كأردنيين ندري عن وجوده لأصبحنا مقيميين دائمين في مسارح الأوسكار.
لم يقف الأمر عند هذا الحد، كشف فيلم «ذيب» عن المستور عندما منح فعاليات الأوسكار وسجادته الحمراء رونقا حضاريا خاصا. فالشباب، وهم يعبرون أمام الكاميرات، لبسوا الزي البدوي والشماغ الأحمر. ونتج عن ذلك فجأة وسط أوصال الناس وصلة عز وزهو وطني بعدما اكتشف الأردنيون أن زيهم البدوي النظيف يصلح في لوس انجلوس لاحتفالات كونية كبيرة مثل الأوسكار وليس شرطا انه يصلح لـ«صب القهوة» لمجرم عالمي من وزن شيمون بيريس في أحد فنادق البحر الميت بإسم الضيافة الأردنية، أو يصلح فقط لإثارة الهويات الفرعية بين صفوف طلاب الجامعات وفي مباريات الفيصلي والوحدات.
جميع الأردنيين، الذين قابلتهم ومن جميع الأصول والمنابت، شعروا بتلك القشعريرة الوطنية عندما شاهدوا على محطات العالم شماغهم الأحمر مرفوعا على الرأس الذي يستحق الرفع عليه لأنه هذه المرة رأس فيه ما ينبغي تغطيته وحمايته فعلا من دماغ وإبداع وفن خلافا للكثير من الرؤوس التي تمثل الأردنيين زورا وبهتانا وترتدي غطاء الرأس التقليدي مناكفة او رياء او لتغطية الفشل والإخفاق ومن أجل الوجاهة السياسية او الاجتماعية الفارغة. الزي البدوي الأردني عنوان للشرف والطهارة، والبادية الأردنية كانت دوما موئلا لأنبل الناس وأكرمهم، وفيلم ذيب يسقط تماما تلك النظرية السقيمة التي يروجها بعض الفاسدين في عمان العاصمة عن ضعف الحالة الإبداعية عند الأردنيين، وخصوصا في البادية، لنكتشف الحقيقة المرة التي تقول اليوم إن «الابداع» في التقاط المبدعين غادر تماما العقلية الرسمية ومنذ سنين.
الرؤوس التي غطاها فوق سجادة الأوسكار الحمراء شماغ أحمر بلون الدم والعرق بسبب فيلم ذيب مليئة ومحشوة بكل ما لذ وطاب من كرامة وعلم ومعرفة وإبداع وتستحق الإحترام، خلافا لتلك الرؤوس التي نشاهدها في طبقة النخبة والوجهاء وأدعياء التمثيل والسحيجة باسم العشائر والمليئة بالنميمة والتقوّل والقصور والمناسف فقط.

٭ إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»

بسام البدارين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية