«عروبة» مغايرة!… الدال المتخيل في «مشروع الحرف» للموسيقار نجيب الشرادي

حجم الخط
0

لعل أكبر إشكال يطرحه «مشروع الحرف» لنجيب الشرادي على اللغة العربية راهناً، هو التفكير في معنى آخر للحرف العربي كصوت وصورة مستقلين بذاتهما! بإبداعه شكلاً مختلفا للتلقي، ليس فقط عبر دفع امتناع الحرف العربي عن التجسيد/التجسد، لكن عبر تحويله من تأويل «أعمى» يحجب «الصورة»، إلى صوت «محرف» – قدره الذي سيصبحه- ليس بعد هنا وغير موجود الآن! تصوير يندثر في ظله وجود الحرف العربي كما عهدناه، كامتناع لاقتران التجسيد بالتخييل، هذا الحرف العربي السابق واللاحق عن التمثيل، هو «صورة رمزية» تتحرك خارج «ذاكرة الزمن» – ريكور- إذ يكمن في النحت على الذاكرة كتمثال/مثال «أبجدي/أبدي»، وصورة ترى القارئ عبر الحرف، وكأن الحرف هو الصورة/السورة العارية عن «الفهم»، والقارئ هو النص الغائب عن «التأويل»، والإنسان هو «الاستعارة الحية» الوحيدة.
الحرف العربي أيضاً هو صورة وصوت لذاكرة متعذرة الاسترجاع، لأنها تقاوم النسيان وتغيب البعد الزمكاني للوجود في آن، فالحرف العربي يقول الذاكرة «الغائبة» ويدخل بذلك هو أيضاً دائرة الغياب/الغيب، الافتتان/الفتنة، المقدس/الخنثوي (الإيروسي)، الغريب عن ذاته، المغاير/المغادر لألسنه، المختلف «بلسانين» – الناقد عبد الفتاح كيليطو- لسان لا يمتلكه أحد ولا يمتلك أحدا، «توحيد» متعدد الأذان و»حياد» مختلف داخل كل الألسن، بيان لا يقبل الترجمة لأنه «كائن» وغير «موجود»! لأنه رمز من رموز الوجود، غريب مريب داخل هويته ومختلف خارج ذاكرته، حضوره يكثف الهنا والآن لأنه غريب في افتتانه، بعيد كقلب الوجود وبعيد أيضاً ها هنا كالعنفوان، قريب يحجب الرؤية من شدة الإغواء، تحريم تفضحه فصاحته «الفحلة» بصيغة المؤنث، لأنه «جوهر النسيان»، متمثلا في «وحدة وجوده» المتحركة، حركة كثيفة وسكونا متعددا لا يغادر ليترك المجال لتخييل الذاكرة وإنتاج الراهن في الآن. هل يعني ذلك أنه يستأصل الذاكرة أم أنه يجهلها؟ هل ذاكرة الحرف العربي صورة أم رمز؟ وهل استنطاق مخيلة الحرف العربي لا تتم من خلال تأويله كرمز «كائن» وغير «موجود»؟ أم أن الحرف العربي عبارة عن صورة «كليانية» ورمز لا يقبل التحويل والتأويل؟ أم أنه «نص» لم «يقرأ» من الخارج بعد؟ كشكل آخر لـ»المتعة»؟
إن «مشروع الحرف» وقبله «تيه» مع مجموعة «وشم»، ومشاريع أخرى كـ»مقطع الحلاج» و»عشق»، التي أدى من خلالها الشرادي نصوصاً لكثير من الشعراء والمتصوفة المهمين/الملهمين، والتي لا تزال نصوصهم معاصرة كالمعري وابن زيدون والنفري والحلاج، وشعراء الحداثة كأدونيس، درويش، الأنصاري وآخرين، التي أعادها إلى هنا الآن، لكن ليست النصوص المغناة هي ما تم استرجاعه بالعودة إلى التراث وكأنها لم تكن موجودة أصلاً، أو تحيينا منفصلاً عن طابعها المعاصر، بل انصب العمل على نسيان الطريقة التي تعودنا أن نقرأ بها تلك النصوص، من خلال «خيانة» الشعر بـ»وفاء» للموسيقى التي تحملها هذه النصوص في طياتها بتعبير الموسيقار نجيب الشرادي نفسه، وعبر «تذكر الشعر بنسيانه» المعري/بلانشو، وهنا تقع المفارقة التي تعبر عنها هذه التجربة الفنية في خرق مبدأ محاكاة التطابق بين الحقيقة والواقع، الذي يعمق أزمة بناء الذاكرة لحظة استرجاعها، إن لم يكن لها وجود أصلاً داخل «الذاكرة الجماعية» – الفيلسوف بول ريكور- بدفع الفرد/المتلقي إلى التموقع إزاء الحرف كرمز للذاكرة وبحث عن «دال متخيل» – بلانشو- من خلال إبداع مفهوم الزمن داخل اللغة عبر تحويلها إلى ضرورة لإبداع نظرية للتراث، من أجل معرفة الحدود بين الذاكرة والهوية، بقراءة نقدية مزدوجة – المفكرعبد الكبيرالخطيبي مثلاً- ونقد لمفهوم الغيرية العربية – الناقد عبد الرحيم جيران كمثال- لكن وفي اعتقادي أن أهم رهان يطرحه مشروع كهذا ومن ثم راهنيته التي تشكل جزءًا مهماً من الإشكالات التي يطرحها أو يدفع إلى طرحها، هو إبداع الراهن، أقصد راهنية العلاقة بين الذاكرة والهوية، التأويل والخيال، الصورة والحرف، السرد والتاريخ، الذاكرة والنسيان في العالم العربي؟ وهي إشكاليات طرحت جلها من طرف الفيلسوف بول ريكور على التراثات الدينية اليهودية والمسيحية في – الاعتقاد والانتقاد- والمفكر موريس بلانشو في مسألة تأويل الأدب، لكن في هذه الحالة من خلال مشروع الأغنية العربية الجديدة بطريقة أصيلة يمارس فيها الفنان نجيب الشرادي انتماءه «كفرد كوني»، من خلال الحق في قراءة الحرف العربي والنص العربي واللغة العربية، كأنها غريبة عنا نحن الناطقين بها، مثقفيها وفنانيها، وهنا تكمن أهمية الرؤية الطلائعية للفن، في إبداع مفهوم أصيل في الثقافة العربية منفتحاً على الكوني كفرد يرقى إلى تطلعات لا تؤمن بالحدود الضيقة، أو الفن الذي يخنقه الانتماء إلى مكان محدد أو أيديولوجيا مغلقة، محلقاً بعيداً من أجل حرية الإبداع مع الالتزام بالتفرد.
إن إبداع «الدال المتخيل» – بلانشو- هو ما يدخل في صميم الشعر والأدب، وقد عرف هذا الأمر نقاشات فلسفية مهمة في علاقة الخيال بالتأويل -لاكان/ بلانشو- وكذا علاقة السرد/الأدب بالتأويل والذاكرة، والنصوص المقدسة بالهرمينوطيقا والتاريخ – بول ريكور- وكأني أقرأ في «مشروع الحرف» المنجز سنة 2008 مشروعاً لسؤال عربي جديد بتعبير صاحبه، لكن أيضاً بشكل غير مباشر «جنوحاً» للحرف العربي إلى مكان محايد، لأنه غير موجود هنا والآن. الخيال كأهم سؤال ينطرح على/يجترح «الهوية»، كإقامة في «اللامكان»، وكزمنية «لغياب الزمن»، لإبداع «دال متخيل» وتغيير منظورنا إلى لغة نعتقد أننا نعرفها لأننا نمتلكها، وهذا هو السؤال الذي يمكنه أن يسائل النص العربي، كنص كوني من طرف «أصحابه»، عبر تأويل جديد ومجدد.
كيف يمكن للغة العربية أن تخلق سؤالاً عربياً مختلفاً عما سبق ولاحقاً منذ الآن، راهناً على الدوام؟ لكن أيضاً كيف يمكنها أن تبدع راهنا مغايراً للثقافة العربية الراهنة؟ وهنا تكمن أهمية هذه التجربة الموسيقية/الثقافية ومثيلاتها في مجالات متعددة إذا ما تبين أن الحداثة شكل آخر للتقليد، وأن الرجوع إلى التراث هو في العمق إبداع للمستقبل، والأهم أنه «راهن متخيل» ينأى بنفسه عن تكرار «الحداثة» و»التقليد» معاً، في سعيه إلى إقامة «زمن متخيل» يغدو معه الحرف العربي «محايدا» لا يمتلكه أحد. وهذه من أهم مقومات الفن، تحويل الواقع وليس محاكاته، بل إبداعه، وأستعير هنا ما قاله مالرو نقلاً عن بول ريكور: «إن عظماء الفن ليسوا آلات ناسخة للعالم، إنما منافسوه»، وما كتبه المفكر عبدالله العروي عن بروست وانييس فاردا في القدرة على تجاوز مفهوم «الحنين» بمعناه الكرونولوجي، كمحاولة استرجاع ذهنية لا تعمل على العودة إلى الواقع والماضي بتسجيله في العمل الفني، حين يندثر الماضي في الحاضر ويصير وجداناً روائيا وسينمائياً، في نقده للواقعية التسجيلية – أوراق.
إن من شأن مشروع «مسرحة» اللغة موسيقياً – مشروع الحرف- ، والمشاريع السابقة عليه مع مجموعة «وشم» أن تعد تجربة طلائعية لا تشبه ما هو موجود على الساحة، ومن ثم فهي غير مطالبة بأن نتلقاها بسهولة أو بنقد سلبي أو أن نفهمها الآن، لأنها تدفعنا إلى التفكير في تغيير عملية التفكير مجدداً، أو ما يسميه الشرادي «مساءلة السؤال»، وهي بمثابة «إزعاج» للمتلقي/ المستلقي، وللتلقي السهل بحكم التعود الذي أصاب الأذن والذائقة العربيين، من أجل التقاط ذكاء هذه الأذن في إبداع ذائقة مختلفة مضيفة إلى ما هو قائم، معيدة التفكير في الراهن العربي إلى الواجهة بعد أن أصبح مرتهناً للآني، هذه التجربة التي استلهمت تجارب موسيقية جديدة من بينها تجربة موريسيو كاغل – الصوت المضاف/ اختراق المقامات الموسيقية/تكسير البنية الموسيقية- والشعر العربي المعاصر قديمه وحديثه كأسلوب راق في التعبير عن رفض السائد و»المبتذل»، مع تفجير مكنونات النص ومسكوتاته، ونهج «الخيانة بوفاء» كتمرد على القوالب الجاهزة في مجمل مشاريع الشرادي، كإرادة للتفكير بصيغة متعددة، بصيغة الجمع المتفرد، والفرد المتعدد، بصوت الصمت، بصوت الأغلبية الصامتة، التفكير بـ»صيغة الجمع» في حرف «وشم» لازمته «كن من تريد أن تكون» في الذاكرة (وهو بيت للشاعر المغربي إبراهيم الأنصاري من أداء وتلحين الشرادي/مجموعة وشم)، ويجرنا إلى التفكير معه/ إلى الدخول في حوار مغاير مع الشعر العربي، الذي تطور ولم يطأ أفق اندثاره في «اللاشعر» – الحرف/الدال المتخيل- والموسيقى إلى «صوت متخيل»! والكتابة إلى «غياب للكتاب» والحرف إلى «رمز» كائن وغير «موجود».

كاتب مغربي

وليد المنجرا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية