بعد خلو الترشيحات من النجوم «الملونين» للعام الثاني على التوالي … هل حقا كان الأوسكار «أبيض أكثر من اللازم»؟

حجم الخط
0

للعام الثاني على التوالي ينتزع المخرج المكسيكي الأصل اليخاندرو إنيريتي جائزة أفضل مخرج عن فيلمه «العائد» The Revenant في حفل توزيع جوائز الأوسكار الثامن والثمانين، وهو الذي فاز العام الماضي بالجائزة ذاتها إلى جانب جائزتي أفضل فيلم وأفضل سيناريو أصلي عن فيلم «الرجل الطائر» Birdman.
فهل هذا من العدل في شيء؟
تبادر هذا السؤال إلى ذهني وأنا أتابع حفل توزيع جوائز الأوسكار التي تمنحها «الأكاديمية الأمريكية لفنون وعلوم السينما»، خاصة أن إنيريتو نافس على الجائزة مع كل من جورج ميللر، الذي انتزع فيلمه « ماكس المجنون: طريق الغضب» سبع جوائز، وتوم مكارثي مخرج «ضوء كاشف» Spotlight الذي فاز بجائزة أفضل فيلم. من دون أن نغفل أسماء أخرى بارزة ومخضرمة في عالم الإخراج مثل ستيفن سبيلبيرغ صاحب فيلم «جسر الجواسيس» Bridge of Spies وكوينتن تارانتينو صاحب «الممقتون الثمانية»The Hateful Eight. من حق أي انسان، مشاهد عادي، أو ناقد أو سينمائي محترف، أن يعترض أو يشكك في جدارة أي عمل للفوز بأي من جوائز الأوسكار أو غيرها من الجوائز. ليس غائبا عن القراء بالطبع أن وراء طرح هذه الأسئلة الجدل الذي شهدته هوليوود قبل نحو شهر، بُعيد الإعلان عن ترشيحات الأوسكار لهذا العام، بسبب غياب أي من أسماء النجوم أو الممثلين والممثلات من أصول أفريقية عن قائمة الترشيحات.
فعشية حفل توزيع الجوائز دعا القس الأمريكي الأسود وداعية الحقوق المدنية آل شاربتون إلى تنظيم مظاهرة أمام مسرح دولبي في لوس أنجليس الذي شهد الحفل، وذلك احتجاجا على خلو الترشيحات من أسماء أي من النجوم «الملونين» للعام الثاني على التوالي، في حين أن المقصود هنا هو السود تحديدا، وهو ما أوضحه شاربتون في حوار سابق مع مجلة «فارايتي» المعنية بصناعة السينما، مطالبا المشاهدين بمقاطعة الحفل لأن أعضاء الأكاديمية تجاهلوا نجوما سود مثل إدريس ألبا بطل فيلم «وحوش لا أمة لها» Beasts of No Nation، وويل سميث بطل فيلم «ارتجاج» Concussion. المظاهرة التي تنظمها «شبكة العمل الوطني National Action Network» التي أسسها ويرأسها شاربتون، لن تكون الوحيدة، بل هناك وقفات احتجاجية مماثلة في نيويورك وواشنطن وأتلانتا وديترويت وكليفلاند. وأوضح «شاربتون أن مقاطعة الحفل يمكن أن تؤدي إلى مقاطعة مماثلة من قبل شركات الإعلانات، وهو ما قد يدفع «الأكاديمية» إلى مراجعة نهجها في استبعاد الملونين، حين تدرك أن لذلك ثمنا، على حد قوله.
لم أقتنع منذ البداية بإثارة هذه القضية على هذا النحو، وأعتقد أن بها قدرا كبيرا من الافتعال، وعلى أحسن تقدير كلمة حق يراد بها باطل. والباطل هنا يكمن ببساطة ووضوح في محاولة البعض، جماعة عرقية، أو جنسية، أو أيديولوجية أو حتى دينية تغييب المعايير الفنية كمحك ومقياس أول وأخير في الحكم على الأعمال الفنية، عبر إقحام أو الاحتكام إلى معايير أخرى خارج العمل الفني، وفي مقدمتها هنا معايير «الصوابية السياسية». وقد تساءلت في البداية ما إذا كان من حق أحدهم أن يعترض على فوز المخرج المكسيكي إنيريتو بجائزة أفضل مخرج لعامين متتاليين؟ وبالمناسبة فإن هذا المخرج/ المؤلف/ المنتج الفذ معروف في بلده باسم El Negro أي الأسود. وفي كلمته لدى تسلم الجائزة لم يفوت الفرصة ليشير إلى قضية العنصرية، حيث قال إنه محظوظ جدا لأنه نجح في أن يشق طريقه إلى هوليوود، لكن هناك العديد مثله من الموهوبين الذين يحلمون بالفرصة ذاتها، متمنيا أن يتوقف الناس عن النظر إلى الآخرين على أساس لون بشرتهم، مشيرا إلى جملة وردت في فيلمه بهذا المعنى. ترى هل كان يحق لأعضاء الأكاديمية الذين يصوتون على هذه الجائزة ان يترددوا في منحها للمخرج المكسيكي لمجرد أنه حصل عليها العام الماضي، وكأن لسان حالهم يقول «لقد حصل عليها مرة دعونا نمنحها لمخرج آخر لم يسبق له الحصول عليها»، أم أن الاحتكام في منح الجوائز يجب أن يكون دائما وأبدا للجدارة الفنية وحدها. وفي السياق ذاته تنبغي الإشارة إلى أن هناك عددا من نجوم ونجمات هوليوود سبق لهم أن رشحوا للجائزة ذاتها عدة مرات، كما فازوا بها أكثر من مرة، ولعل أشهرهم الممثلة الخارقة للعادة ميريل ستريب والنجم جاك نيكلسون.
هناك عامل آخر لا ينبغي أغفاله يتدخل في تحديد الفائزين بالجوائز، وهو درجة شدة المنافسة. فأحيانا ما تكون الأعمال المتنافسة في جائزة بعينها كالإخراج أو التمثيل على درجة عالية جدة من الجودة يصعب معها اختيار إحداها بدون أن يكون في هذا الاختيار افتئات أو شبهة ظلم للأعمال الأخرى، أو هذا على الأقل ما قد يشعر به أحد المتنافسين، أو حتى بعض المتحمسين من النقاد أو الجمهور. ففي العام الماضي فاز البريطاني إيدي ريدمين بأوسكار أفضل ممثل عن دوره في «نظرية كل شيء» The Theory of Everything الذي جسد فيه قصة حياة عالم الفيزياء الفذ ستيف هوكينجز، وقد انتزعها من البريطاني بنديكت كامبرباش، الذي كان يستحقها ايضا عن جدارة عن دوره في فيلم «لعبة المحاكاة» The Imitation Game . وهذا العام أيضا قدم ريدمين دورا جديرا بالأوسكار في فيلم « الفتاة الدنماركية»، ولكن الجائزة ذهبت إلى ليوناردو دي كابريو عن جدارة أيضا عن دوره في «العائد».
بصراحة أشتم في إثارة بعض نجوم هوليوود من السود هذه القضية، روائح الأمراض المستوطنة المتفشية في العالم الثالث وبلداننا العربية في مقدمتها، كالمحسوبية ومحاباة الأقارب، أو المجاملات الممجوجة والممقوتة لاعتبارات مختلفة، ليس من بينها الجدارة المهنية. إن هذا يذكرني بالممارسات العجيبة من قبيل تحديد نسبة خمسين في المئة من أعضاء البرلمان المصري من العمال والفلاحين (أي عمال وأي فلاحين)، او تعيين رئيس الجمهورية عشرة أعضاء من الأقباط في مجلس يفترض أنه بالانتخاب حصرا، أو بدع المحاصصة الطائفية في بلدان كالعراق ولبنان، وتكون النتيجة أن يظل رئيس البرلمان شيعيا مؤبدا في منصبه، ورئيس البلاد مارونيا حتى لو كان أجهل من دابة، أو فليظل المنصب شاغرا ورئيس كردستان كرديا مؤبدا بوصفه «القائد الضرورة».
ليس هناك أدنى شك في أن هناك اتجاهات عنصرية داخل المجتمع الأمريكي لا تقتصر على السود، وإن كان لهم نصيب الأسد منها، ولا يجادل في ذلك إلا مكابر، بحكم الظروف التاريخية والاجتماعية التي نعلمها جميعا، لكن المجال الأبرز لتلك الاتجاهات ليس الفن ولا أروقة الأكاديمية، وهذا تحديدا ما دفع أصوات بين ابناء السود انفسهم والمتعاطفين معهم للتعبير عن دهشتهم من إثارة القضية، في الوقت الذي يعاني أبناء جلدتهم من أشكال فظة وفاضحة وقاتلة من الاضطهاد، خاصة على أيدي الشرطة مع تواتر حوادث قتل الشبان السود وسوء معاملتهم في السنوات الأخيرة، على نحو أدى إلى ظهور حركة احتجاج تحت شعار «حياة السود مهمة».
أعتقد أن متابعة حفل توزيع جوائز الأوسكار الأخير بينت أن تلك الاحتجاجات التي انطلقت في الرابع عشر من يناير/كانون الثاني الماضي عقب إعلان الترشيحات كانت أقرب إلى زوبعة في فنجان وصلت ذروتها بالمطالبة بمقاطعة الحفل ولقت أصداء على «تويتر» من خلال هاشتاغ «الأوسكار أبيض أكثر من اللازم» Oscars so White.
هذا الجدل لم يغب بالطبع عن أجواء حفل توزيع الجوائز، والفضل يرجع إلى مقدمه الممثل والكوميدي الأسود كرس روك، الذي كان قد تعرض هو لضغوط هائلة ليقاطع تقديم الحفل، عقب إعلان عدد من النجوم السود المقاطعة، وفي مقدمتهم جادا بينكيت سميث وزوجها النجم ويل سميث والمخرج سبايك لي وآخرون مثل جورج كلوني والمخرج مايكل موور.
لم يفوت روك فرصة واحدة لتناول القضية المثيرة للجدل بأسلوبه الساخر المحبب الذي اشتهر به، وإطلاق النكات في كل ظهور له بين فقرات الحفل، بدءا من كلمة الافتتاح التي قال فيها، إن جوائز الأوسكار معروفة في الوسط الفني باسم «جوائز اختيار البيض» White People Choice Awards، وإنه لو كان اختيار مضيف الحفل يتم بالتصويت لما كان التقديم من نصيبه، وإنما لذهب إلى نيل بارتريك هاريس الممثل الأبيض الذي قدم حفل العام الماضي. كما سخر روك من رفاقه النجوم الذين قاطعوا الحفل. وقد أشرك عددا من نجوم هوليوود السود في تقديم جوائز وفقرات الحفل، وهو الأمر الذي لم يسلم أيضا من سخرية روك، الذي قال في تقديمه لزميله الممثل الكوميدي الأسود كيفن هارت: «ها هو ممثل أسود آخر جلب فقط لاسترضاء السود». كما قدم روك فقرة خاصة سجلها مسبقا استطلع فيها آراء عينة عشوائية من المواطنين السود في الشارع الأمريكي بخصوص القضية مثار الجدل، تبين خلالها أن الأمر بالكاد يشغل اهتمامهم، بل أظهر بعضهم جهلا مطبقا بالمسألة وبالسينما وأفلامها ونجومها.
وكانت الأكاديمية في أول رد فعل لها على تلك الزوبعة قد أعلنت على لسان رئيستها شيريل بوون أيزاك، وهي سيدة سوداء، عزم مجلس الإدارة اتخاذ اجراءات من أجل «مضاعفة عدد النساء وأبناء الأعراق المختلفة بين اعضاء الأكاديمية بحلول عام 2020». وهو ما أكدته أيضا خلال كلمتها في الحفل، مشيرة إلى أنه ليس كافيا أن نقر بوجود نقص في التنوع العرقي في الترشيحات، وإنما لابد من اتخاذ إجراءات لإصلاح ذلك الخلل. هذا الإجراء جاء تحديدا ردا على مزاعم أن سبب تحيز أعضاء الأكاديمية في اختياراتهم يعود إلى أن غالبيتهم من كبار السن البيض، أي أنهم إن لم يكونوا متعصبين فهم ليسوا على اتصال بروح العصر بحكم سنهم. الممثلة البريطانية/ الفرنسية تشارلوت رامبلينغ، التي كانت من بين المرشحات لأوسكار أفضل ممثلة هذا العام، احتجت بشدة على هذا التصنيف، مشيرة إلى أن هؤلاء الأعضاء المخضرمين يتمتعون بخبرة ودراية بالفن السينمائي تمتد لسنوات طوال، ومن ثم فإن أحكامهم وآراءهم تحمل قيمة مهنية عالية، ولا يمكن على حد قولها مساواتها ببساطة بعضو حديث عهد بالفن وبالأكاديمية ومحدود الخبرة. كل هذه الزوبعة أثارتها جادا بنكيت سميث لمجرد أن زوجها ويل وهو ممثل رائع بلا جدال، لم يرشح للأوسكار.

ناقد مصري

عماد عبد الرازق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية