«لياليَّ على الرصيف» مجموعة مكثفة في المعنى واللفظ… السعودي محمد آل فاضل يعرض شذراته في قالب «مدهش»

حجم الخط
0

صدرت عن «مؤسسة الرحاب» في بيروت، مجموعة أدبية للكاتب محمد آل فاضل بعنوان «لياليَّ على الرصيف». تضم المجموعة قصص وشذرات في 127 صفحة من القطع المتوسط، واحتوى الكتاب على 117 ومضة، بالإضافة إلى منوعات نصية مختلفة بعناوين مختلفة، كشذرات فكرية وعاطفية وتأملية، وقبل الطبع وثلاثة نصوص.
يمكن ملاحظة البناء الفني للشذرات على انه وحدة متكاملة. يتضمن علاقات متعددة ومتداخلة و معقدة. تبتغي كل ومضة أو شذرة دراسة مستقلة عن بعضها وهي بالتالي محاولة فاشلة بالتأكيد، فقضية البناء والنسيج الفني للنصوص قاطبة هي قضية تلاحم وتفاعل.
وقد خلط الكاتب بين القصة القصيرة جداً والشذرة. وأطلق عليها ومضات وهذا لا ينطبق على بعض النصوص. بين القصة القصيرة جدًّا والومضة، سمات مشتركة مثل المكان والزمان والشخصية والحدث والمعنى، وعلى الرغم من اشتراكهما، إلا أنَّ القصة / الومضة لها حدود ومقومات تميزها عن فن القصة. فالقصة / الومضة هي اختزال فني وبعد عن الحشو الوصفي الممل. كل ما فيها من عناصر تكون عالية التركيز والتكثيف والإيجاز والاقتصاد، بحيث ينتج عنها نصّ قصير، لكنه يغلِّب المعنى على اللفظ وهي قضية مهمة جدًّا تحدث عنها الجاحظ في كتابه «البيان والتبيين».
ومما لا شك فيه أنَّ القصة الومضة، فنٌّ أدبي ممتع ومثير، لكنه ليس سهل التأليف والنسج الحبكي، فهذا يتطلب حنكة لغوية، وإتقان أساليب السرد والنهايات الصادمة غير المتوقعة.
من قصص المجموعة للكاتب :

أسد
من داخل القفص الضيق، ينظر الأسد إلى الناس بازدراء..
يراهم يقفون مندهشين وفي أيديهم بقايا تذاكر الدخول ..
يتذكر حريته وسيادته ويوم الغدر به ..
ينادونه كي يستجيب: يا أسد !
فيرد بكبرياء : سحقا لكم أيها العبيد !

ميلاد
تغذى .. فنمى جسده
تعلم .. فنمى عقله
تأمل .. فتبرعمت روحه، وازدهرت نفسه

وعلى الرغم من مخالفة الكاتب لشروط القصة الومضة، إلا أنَّه حاول جاهدًا الاقتصاد بالكلمات معتنيًا بعلامات الترقيم التي هي جانب مهم جدا.
في قصصه السابقة، رصد لنا الكاتب بمهارة وإتقان حالات وقضايا مثل الفقر والحرية ومن الملاحظ قدرة الكاتب على التنويع مستخدمًا أفعال الحركة القوية مبتعدًا عن الأفعال الناقصة.
ومن عوامل نجاح الكاتب استخدامه أسلوب الحوار، وهذا متطلب رئيس، ذلك أنَّ الحوار يكون بديلًا عن السرد، ومن أمثلة الحوار:

حقوق
حمار سائح في الغرب يسأل آخر :
– لماذا اخترت الإقامة هنا؟ وتركت أرض أجدادك؟
– هنا يا صديقي يعاملون الحمار باحترام. ليس هنا من يضربك أو يستعبدك في الأعمال الشاقة. حتى اسمك لا يتردد كل ساعة كناية عن الغباء والجهل.. باختصار .. تحس بقيمتك كحيوان له تاريخه الطويل مع الإنسان .
– صدقت يا عزيزي، الأسبوع الماضي كنت هناك وسمعت اسمي يهان بالصدفة بينما كنت أمر بجوار بيت صغير صدر منه صوت فنجان ينكسر !
ومن أمثلة السرد وهي كثيرة :

صدفات
غواص إنكليزي عثر على درة كامنة في أعماق اللغة العربية :
« أحبك» في كلمة واحدة !

كان لاستخدام التكثيف عند الكاتب أنْ ولَّد لنا لغةً مشعةً بالإيحاءات والدلالات، فكانت سلسة في إيصال المعنى والهدف، وكانت نهايات المجموعة صادمة ومدهشة وهذا يعني ألا يطلب القارئ المزيد مثل: وماذا بعد؟ بحيث تكون النهاية كاملةً ومشبعةً للقارئ من دون طلب المزيد أو تساؤلات… وقد وُفِّق الكاتب في بعض القصص، ونجح في تقديم قصة ومضة أدت غرضها الفني.

قتال
أطلق رصاصة وردد : الله أكبر .
أصابت هدفا ردد الشهادة.

جوهرة
عندما رأى الجهل متفشيا ؛ قبض على جوهرته، وأخذ يلمعها سرا ..

اعتزال
وأخيرا .. قرر اعتزال « الساحة الثقافية « والتوجه للقراءة والكتابة ..
ومن شذراته الفكرية قوله :
اشتدي أيتها العتمة ..
ثم انظري ماذا يفعل بك عود ثقاب واحد ..
المقعد يتمنى لو يقطع الغابة الموحشة ليلا .. وبلا دليل ..

ومن شذراته العاطفية قوله :

على أهداب الانتظار مواعيد معلقة ..
وفي حنجرة الحنين كلمات عالقة ..
وعلى وجنة الوفاء دموع دافئة.. تجري.

في شذراته ونصوصه الأخرى التي يمكن عَدَّها خواطر قصيرة، تميزت أيضا بالإيجاز والاختزال ومن الملاحظ تغليب الفعل المضارع على أكثر النصوص. واستخدم الكاتب الصورة لنقل التجربة وهي صور متآلفة ثَبَّتتِ الآثار الشعورية في النفس، فالكاتب استند الى لغةً بسيطةً شاعرية أحيانًا، ونثريةً أحيانًا أخرى. وتحولت بعض النصوص أو الشذرات كحالة زلزال متفجرٍ يتضحُ من خلال الأفعال المتتالية، التي تدل بشكل آخر على وضوح الفكرة أو المغزى.

ناقد أردني

أيمن دراوشة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية