كان النهار قد انتصف حينما غادر مازني بيته واتجه صوب وسط المدينة. لم يبال بأشعة الشمس وراح يحث الخطو كأنه على موعد عاجل. الرصيف واسع مغطى برخام أزرق غامق، يمتد على طول السور التاريخي الذي يعود إلى عهد بعيد. كان يمشي ومن حين لآخر يلتفت إلى يمينه ويلقي نظرة خاطفة على النباتات المزروعة على امتداد الرصيف.
توقف فجأة وقد تملكه انبهار لم يعرف مثله من قبل. ظل ثابتا بمكانه، متجمدا من غير حركة وكأن أنفاسه انقطعت تماما. هل هي خدعة؟ أم أنها صدفة من الصدف النادرة التي تغير من دون توقع حياة الإنسان بالكامل؟ لم يصدق، ومكث يتفرس باندهاش بالغ. لم يدر بباله أبدا أن يجد مزهرية من زجاج صقيل موضوعة وسط النباتات، واسعة الحوض، مدورة، منقوشة بعناية وتطل من أعلاها زهرة أقحوان يانعة، صفراء فاقع لونها، بأوراق ناضرة، أبهرته فارتجف لثوان، ثم انتفض بقوة واتجه نحوها ليقف على ركبتيه ويضمها بين ذراعيه.
بعد ثوان تراجع خطوة حتى التصق بالسور ورفع عينيه إلى السماء وجعل ينظر متضرعا.
لا شك أنها ليست خدعة، وقدره الآن أن يحمل المزهرية بين يديه، ويولي ظهره للحي القديم ليمضي فورا نحو بيت نسمة. فعل باطمئنان، وقد بدا مطمئنا وهو يجتاز الرصيف بخطى ثابتة. أكيد أنها الآن لن ترفع صوتها في وجهه أو تؤنبه، وتقول له غاضبة ألا قيمة لرجل لا يقطف زهرة الأقحوان ويحملها بين يديه ليضعها أمام من يدعي أنه يسعى إلى قلبها بإخلاص فائق. نجمة بيضاء، بنت الأصول، وسيمة، عيناها سوداوان عميقتان، ووجهها مغمور بالكبرياء، كلما مشت متأنية مرفوعة الرأس بدت وكأنها في حلم عميق تتخيل رجلا قادما من بعيد يحمل إليها زهرة الأقحوان، وحينما تستعيد وعيها لا تشك في أن عليها أن تنتظر قليلا.
سيغمرها الانشراح لا محالة، وتفتح له الباب ليدخل إلى الصالون في الطابق السفلي ويلتقي بوالدها على النحو الذي يرضيه. إنه سريع الانفعال، وله صوت راعد، وهو يلعن كل من يعترض طريقه من دون مبرر. رجل لا يتحكم في مشاعره، قد يكون في حالة هدوء يترنم بمقطع من أغنية يحبها، لكنه في وقت وجيز قد يتغير فيسب العالم بأكمله، عندئذ يتراجع من حوله مخافة أن يصيبه أذاه. منذ مدة صار الناس يرونه برفقة ابنته نسمة يجتازان الطريق إلى الحديقة أو يركبان العربة ليسافرا إلى مكان قريب ويعودان في المساء. في ذلك الوقت سمعته الخادمة يسر لابنته أنها بلغت سن الزواج، ودعا الله أن يرزقها زوجا صالحا. ولم يخب ظنها حينما أخبرته أن من لم يأتها بزهرة الأقحوان مشعة تفوح عطرا فلن يحظى بقلبها أبدا.
من يومها غمرتها ثقة لا نظير لها وعاهدت نفسها على ألا يعبث أحد برغبتها.
تشمم مازني زهرة الأقحوان وأيقن أن في رائحتها سرا، وهز رأسه، وتابع سيره بإيقاع يحفظ له راحته فلا يصل إليها وهو منهك فيلهث أمامها وتقلل من شأنه. لابد أن يكون على النحو الذي يسعدهما، فهذا الصباح استحم، وارتدى بذلة أنيقة، كما لو أنه على علم بأن الحظ سيحالفه هذه المرة. لم يخب ظنه، فابتهج، ومن فرط الابتهاج ضم المزهرية إلى صدره وترك زهرة الأقحوان قريبة من أنفه، وظل يخطو بخطى محسوبة إلى أن اجتاز القنطرة، وعرج على اليمين، وبالقرب من مبنى عتيق مهجور سمع بغتة بوق سيارة الأمن يعلو على بعد أمتار منه، ارتبك، والتفت حواليه. ثم حنى ظهره واقترب من حائط المبنى واتكأ عليه. كانت عيناه تدوران بسرعة كأنما أيقن أن رجال الأمن سيمسكون به.
أخفى المزهرية بين قدميه ومكث ملتصقا بالحائط إلى أن أخذ بوق السيارة يبتعد شيئا فشيئا، ولما خفت تماما رفع زهرة الأقحوان نحو وجهه وجعل يتشمم بمتعة ويتمتم بكلام غير مسموع. كانت شفتاه تتحركان بخفة. الظاهر أنه شكر الله على سلامته. فقد كان من الممكن أن يقع بين أيدي رجال الأمن فيأخذوه بدون رحمة إلى سجن بارد تذوي فيه زهرة الأقحوان. أرسل نفسا عميقا وواصل سيره. كانت الطريق مكتظة وهو يمشي بحذر ويتفادى الاصطدام بالمارة مخافة أن تهوي المزهرية على الأرض الصلبة وتتهشم. بدا لدقائق كأنه وسط ظلام كثيف. تعثر، ثم تماسك، ومد بصره بعيدا. كانت أمامه سحابة من الدخان تغطي الشارع كاملا، لم يعبأ بها، وراح يندفع بحماس نادر حتى وقف أمام باب الفيلا التي تقطنها نسمة.
انتظر حتى استرد أنفاسه وضغط برفق على الزر. لم يسمع ردا. حدق حواليه بارتياب، ثم بعد لحظة تفكير تقدم مرة أخرى من الباب وضغط على الزر وابتعد خطوة ووقف. بعد قليل فتحت امرأة ثخينة قصيرة القامة تعلو وجهها الأسمر تجاعيد عميقة. كانت عابسة. نظرت إليه نظرة فاحصة ثم دنت من وجهه ودعته بصوت زاجر إلى أن يبتعد ويعود من حيث أتى. قالت إن الفتاة لالة نسمة تأخذ الآن زينتها وهي في انتظار زهرة الأقحوان التي يقطفها رجل بيده وليست تلك التي يجدها ملقاة على الرصيف، بلا لون، ويابسة لا يلتفت إليها أحد.
تنهد مازني وأغمض عينيه لثوان، ثم فتحهما فلم ير المرأة. لقد عادت بخفة وأغلقت الباب خلفها. مكث صامتا، تيبس، ولاح مصعوقا وهو يدور ببصره، ثم اهتز بغتة وأدار ظهره وقفل راجعا إلى بيته، حتى إذا ما وصل إلى السور التاريخي العتيد أعاد المزهرية حيث كانت، وتابع طريقه وهو يتعثر من فرط الإنهاك.
كاتب مغربي
محمد غرناط