إسطنبول ـ «القدس العربي»: من جديد، عاد إلى الواجهة الصراع القديم بين حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا والرئيس رجب طيب أردوغان من جهة، والقضاء التركي من جهة أخرى، على خلفية قرار المحكمة الدستورية الإفراج عن صحافيين متهمين بإفشاء أسرار الدولة، في تأكيد على استمرار ما يعرف بـ»الدولة العميقة» بالسيطرة على القضاء وعدم تمكن أردوغان من إزاحة رموزها حتى اليوم.
13 عاماً من حكم العدالة والتنمية وأردوغان تخللها مراحل متعددة من الصراع، كان أبرزها ما اعتبرت محاولة انقلاب من خلال القضاء اتهم فيها الداعية فتح الله غولن وأنصاره في سلك القضاء وهو ما عرف لاحقاً بـ»الكيان الموازي» الذي شن أردوغان ضده حرباً واسعة لم تتمكن حتى اليوم من القضاء على نفوذه في القضاء.
الجمعة، قال وزير العدل التركي بكير بوزداج إن حكم المحكمة الدستورية الأسبوع الماضي بالإفراج عن اثنين من الصحافيين هو «انتهاك صريح» للدستور، وذلك في تصريحات تلفزيونية نقلتها قناة «خبر ترك».
وكانت المحكمة الدستورية قضت، الأسبوع الماضي، بأن احتجاز جان دوندار رئيس تحرير صحيفة جمهوريت العلمانية المعارضة، وزميله إردم جول «يمثل انتهاكا لحريتهما وسلامتهما وأنه غير قانوني»، حيث أطلق فيما بعد سراح الصحافيين اللذين اعتقلا في نوفمبر / تشرين الثاني الماضي بتهمة مساعدة جماعة إرهابية مسلحة عمدا ونشر مواد تضر بأمن الدولة.
وفي وقت سابق، عبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بشكل صريح عن عدم احترامه قرار المحكمة الدستورية الذي سمح بالإفراج عن الصحافيين، وقال: «أقولها بشكل واضح جدا: لا أكن أي احترام لهذا القرار».
من جهته، شدد أكبر قاض في تركيا على استقلالية محكمته، في رده على انتقاد الرئيس، وأوضح زوتو أرسلان، رئيس المحكمة في مؤتمر بأنقرة، أن القرارات التي اتخذتها المحكمة الدستورية في نطاق سلطتها ملزمة لكل شخص وكل مؤسسة.
وكانت الصحيفة التي يعمل فيها الصحافيان «صحيفة جمهورييت» نشرت سلسلة من المعلومات والصور والتسجيلات الصوتية عن ما قالت إنها شاحنات أسلحة أرسلتها الحكومة التركية للجماعات المسلحة داخل سوريا وهو ما اعتبرته الحكومة إفشاء لأسرار الدولة وخدمة أطراف خارجية ومساس بالأمن القومي للبلاد.
وفي تطور لافت، قرر المدعي العام لمدينة إسطنبول التركية، مساء الجمعة، وضع صحيفة زمان أكبر الصحف المعارضة والتابعة للداعية فتح الله غولن «تحت الوصاية الحكومية» في خطوة قد تقود إلى إغلاق الصحيفة أو تغيير سياساتها التحريرية، وذلك بعد يومين من إغلاق فضائيتين معارضتين بدعوى تعرضهما لضغوط كبيرة من قبل الشركات المالكة للقمر الصناعي الذي تبثان من خلاله.
الكاتب والمحلل السياسي محمد زاهد غول قال: «يبدو أن الكيان الموازي هو المسؤول عن إصدار قرار إطلاق سراح الصحافيين»، متوقعاً أن «تصريحات أردوغان الأخيرة حول القضية «سيكون لها ما بعدها.. الوضع غير طبيعي الحرب بدأت وسنشهد تجلياتها خلال الفترة المقبلة».
ولفت في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي» إلى أن قرارات القضاء التي تفشل سياسات وقرارات الحكومة تزايدت في الآونة الأخيرة وكان آخرها قرار بنقد إجراءات وصلاحيات حكومية لرجال المخابرات العامة في الدولة، موضحاً أن هذا القرار جاء تلبيةً لرغبة حزب الشعب الجمهوري أكبر أحزاب المعارضة.
وشدد غول على أن القرار الأخير للمحكمة الدستورية «مخالف للدستور»، قائلاً: «المحكمة الدستورية ليست محكمة تمييز وهي تقرر فقط هل الحكم الصادر قانوني أم غير قانوني ولا تصدر قرار تصحيحي للحكم.. لقد تم الطعن في قرار غير صادر في الأصل»، متسائلاً: «يوجد جانب في المحكمة الدستورية متعلق بالنظر في قضايا حقوق الإنسان قبل عرضها على المحكمة الأوروبية، هذا القسم نظر في ملف القضية قبل 20 ألف طلب سابق متراكم.. أليس هناك ما يدعوا للشك؟».
وتوقع غول أن يلجأ أردوغان إلى البرلمان من أجل اتخاذ قرارات جديدة لتقليص نفوذ «الكيان الموازي وأطراف أخرى بالقضاء».
وخلال الحرب التي أعلنها أردوغان على «الكيان الموازي» منذ عام 2012، قام بفصل ونقل المئات من رجال القضاء والمدعين العامين ووضع الكثير منهم في وظائف أقل أهمية.
وشدد المحلل السياسي التركي مصطفى أوزجان على أن قرار القضاء الأخير مفاجئ وأن «أردوغان هو المحق في هذه القضية، لا يوجد دولة تسمح لأحد أن يفشي أسرارها والإضرار بسمعتها في المحافل الدولية»، مطالباً بإعادة اعتقال الصحافيين ومحاكمتهم بالتهم الموجهة إليهم.
واتهم في تصريحات خاصة لـ«القدس العربي»: الكيان الموازي بأنه «يسيطر على الكثير من جوانب القضاء في تركيا على الرغم من قيام الحكومة بنقل وفصل العديد منهم لإفقادهم أهميتهم وقدرتهم على تحريك القضاء إلا أن الكيان وزعامات معارضة لأردوغان تتحكم فيه بشكل سياسي وليس قانوني».
وتوقع اوزجان أن يلجأ أردوغان للبرلمان من أجل إصدار تعديلات دستورية وقوانين جديدة تحد من صلاحيات هذه الجهات على قرارات القضاء.
إسماعيل جمال