اليوم العالمي للمرأة: نفاق غرباً وشرقاً

حجم الخط
16

«تبويم نسوي»: عيد النفاق العالمي! لست مواطنة أمريكية، وبالتالي لست معنية بالمناظرات التلفزيونية التي ترافق الحملات الانتخابية الأمريكية، ولا يهمني حقاً من (سيربح) لكنني أتمنى أن يربحها الأقل إيذاءً من بين المرشحين لقضية فلسطين وبقية مآسينا العربية! وبالتالي ما سأخطه الآن حول المرشحة للرئاسة السيدة هيلاري كلينتون لا صلة له بأدائها السياسي وإنما بقضية إنسانية لفتتني كنسوية. وأحببت التوقف عندها بمناسبة العيد العالمي للمرأة الذي يحل بعد أيام، ويكاد يكون «عيد النفاق» غرباً وشرقاً.
ففي إحدى المناظرات غمز السيناتور الأمريكي السابق جيم ويب من قناة هيلاري كلينتون وعَيَّرها على نحو غير مباشر بفضائح أسرتها أي بفضيحة زوجها الرئيس كلينتون مع المتدربة السابقة الصغيرة (يومئذ) الحسناء مونيكا لوينسكي، وكاد «الرجل الأقوى في العالم» يومها يضطر للاستقالة لو لم تدعمه زوجته (المرشحة الرئاسية اليوم هيلاري) حين لم تطلب الطلاق منه وعضت على جرحها بكبرياء وبرهنت على مدى صلابة أعصابها. وبالتالي فالفضيحة التي اقترفها الزوج لا تسيء إلى هيلاري.
من المقبول انتقاد موقفها من حرب العراق او الضمان الصحي او السلاح في أيدي المواطنين وغير ذلك، أما ما اقترفه زوجها فلا يشينها بل يُحاكم عليه وحده و(عشيقته) يومئذ.
أدهشني أن المرأة حتى في الغرب تدفع ثمن ذنب لم تقترفه بل تم اقترافه في حقها.. وها هو سيناتور أمريكي يعيّر زوجةً بخيانة زوجها لها معتبراً ذلك «فضيحتها!» وهو أمر لا يمكن له أن يحدث حتى في الشرق! ولم أسمع بعربي واحد يقوم بالتعريض بامرأة عربية لأن زوجها خانها، بل وتحظى بالكثير من التعاطف (حتى مِنْ قِبلِ الأزواج الخونة!!)..

الزوجة العارية والناخب اللامبالي

في المقابل، حين تقترف الزوجة خيانة ما، لا يعتبر ذلك مشيناً لزوجها بل لها، ولا يؤثر ذلك في مساره السياسي. وقبل أعوام طويلة حين طلق المتطرف اليميني جان ماري لوبان (والد مارين الزعيمة الحالية للحزب) زوجته السابقة، «تصورت» شبه عارية لحساب مجلة فضائحية فرنسية شهيرة هي (فواسي) وذلك مقابل مبلغ من المال قائلة إن زوجـــــها قصّر في دفع نفقـــــتها! كنت قد وصلت للتو للإقامة في فرنسا، وعلمــــت بهذه الحكاية من سائق تاكسي من أصل عربي وعبّر عن احتــــقاره لها لا لزوجها السياسي.. ووجد أن المأخذ عليه ليس سلوك زوجته بل سلوكه هو العدواني نحو الفرنســيين من أصل عربي والعرب عامة.
ترى هل تدفع المرأة في أقطار كثيرة ثمن الذنب الذي تم اقترافه بحقها؟ ومتى ينظر كوكبنا إلى المرأة كإنسان وليس «كَحمّالة خطايا» حتى لذنوب الآخرين في حقها؟

هل المرأة وحدها «البدينة»؟

مثال آخر من الغرب الذي (يلعب) ورقة المساواة بين الجنسين ربما دونما الكثير من القناعة! فقد طالعت في ملحق جريدة «لوباريزيان» الفرنسية (16 ـ 2 ـ 16) تحقيقاً جميلاً عن البدينات اللواتي قررن القبول بشكلهن كما هو (في خمس صفحات مصورة عن «ملكة جمال «التدويرات» ودونما عقد) وهذا رائع لكنني لاحظت أن التحقيق لم يتطرق إلى «الرجل البدين»! كما لو ان المرأة وحدها قد تصاب بالبدانة و»بالتدويرات»! أو كما لو ان كل شيء مغفور للرجل وشكله الخارجي ليس مهما فهو (الشاري) لا (البضاعة)! من طرفي لا أرى الناس عبر ميزان (الكيلوغرامات) بل بعين القلب التي ترى إنسانية الآخر.. نساءً ورجالاً. ولست معنيةً بتسمية البدينة بذات (التدويرات) أو (الأوبيز)، الاسم الواقعي للبدانة بالفرنسية.

تحسين مظهر (البضاعة)

أنتقل من الغرب إلى الشرق..
تزخر معظم المجلات النسائية العربية بالنصائح إلى العروس المستقبلية لتكون في ليلة عرسها أسطورية الجمال والجاذبية…
وتبدأ النصائح من قمة رأسها: شعرها وتفاصيل العناية به شهوراً قبل (ليلة الدخلة) وبشرة وجهها وعنقها.. وأعفيكم من التفاصيل ريثما نصل إلى أخمص قدميها! لكنني لم أقرأ يوماً نصيحة موجهة للرجل حول تلك الليلة وعطور الذكور التي تجعله هو أيضاً (شهياً) وعن تشذيب اللحية مثلاً وسواها، بينما النصائح تطلب من المرأة (نتف ريشها) كله كدجاجة قبل الوضع في طنجرة الغلي أو سيخ الشواء. كأن المرأة «بضاعة» يجب أن تروق للشاري، والذكر هو «الشاري» وبالتالي ليس عليه أكثر من دفع الثمن المادي.. وكأنه ليس للمرأة أنف مرهف يشمن ومشاعر متوقدة قد تمتزج مع شريك العمر أو تنفر. و(المقبلات) الزوجية مهمة وبعض المجلات النسائية تبدو ناسيةً أن العلاقة بطرفين والمرأة تشارك في (الفعل) وليست (المفعول به) فقط ولا الدمية المطاطية المنفوخة!!

طرفان في الزواج لا «الشاري» و«البضاعة»!

بعض المجلات الغربية وقع في الخطأ نفسه على النحو المعاكس من حيث اعتبار الرجل «سلعة جنسية» عصرية وإفراد صفحات لنجوم غاية في الوسامة الجسدية أي أنهم يعاملون الذكر كما تُعامل الأنثى في (الرؤية الاستهلاكية التقليدية) للجنسين. والمطلوب ببساطة معاملتهما (كإنسان) أولاً.. لا المساواة بينهما في حقل الإذلال بتحويلهما إلى سلع جسدية تجارية.
أعرف أن الغرض المبطن من النصائح التجميلية الموجهة إلى المرأة تسويقي استهلاكي بحيث تشتري هذا العطر أو ذاك وهذا (الشامبو) أو ذاك إلى آخر صيحات الموضة لأدوات تجميل الوجه. ولأن للرجل أيضا بشرةً وجسداً تتسابق الشركات العالمية اليوم لتسويق بضاعة التجميل للذكور كأنها اكتشفتهم قبل عقدين.
ومن الأجمل توجيه النصائح إلى العريسين القادمين بالتذكير بالجانب الانساني في الزواج الذي يتجاوز قشور البشرة إلى بشرة الروح وأعماق القلب إذ ما من امرأة إلا وثمة أجمل منها وذلك ينطبق على الرجل أيضاً…
وأتطلع إلى اليوم الذي يكون فيه «يوم المرأة» عيداً إنسانياً، لا «ذكورياً» ولا «استهلاكياً» بطقوس منبرية تسيل نفاقاً!

غادة السمان

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية