لندن ـ «القدس العربي»: لم تشهد سوريا منذ بداية تطبيق وقف إطلاق النار خرقاً واسعاً له. واتفق الجميع أن «سلاماً هشاً» ميز وقف «الأعمال العدائية» التي مضى عليها أسبوع.
وهناك اتفاق أن ما اتفقت عليه الولايات المتحدة وروسيا هو الأمل الوحيد للتقدم نحو حل الأزمة السورية، وتأمل من خلاله الدول الأوروبية وقف تدفق اللاجئين السوريين الفارين ليس فقط من جحيم الحرب ولكن من الإنتظار الطويل في المخيمات في الأردن وتركيا ولبنان والعراق.
ولهذا كانت دعوة الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الحفاظ على وقف إطلاق النار.
وتوجه القادة الأوروبيون للرئيس بوتين له معنى، لانه الوحيد الذي يملك اليوم في سوريا تأمين وقف إطلاق النار. وجاء المؤتمر الأوروبي مع بوتين بعد يوم واحد من تحذير رئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك اللاجئين لدوافع اقتصادية لعدم القدوم إلى أوروبا.
وعليه فلا انفصام بين محاولة الدول الغربية تأمين اتفاق وقف إطلاق هش وحل أزمة اللاجئين السوريين إلى أوروبا وبعد تحول أوروبا إلى منطقة مسورة من مقدونيا وهنغاريا إلى بلغاريا وكاليه التي حرقت السلطات الفرنسية فيها معسكراً كان يطلق عليه «الغابة» ومنعت اللاجئين فيه من العبور إلى بريطانيا مقصدهم الاخير.
تحسن
ولم تبتعد صحيفة «التايمز» في تحليلها عن هذا الموقف حيث أكدت في افتتاحيتها أن هشاشة وقف إطلاق النار لا تعني أنه لم يخفف معاناة الناس، فعلى العكس فقد «جلب وقف إطلاق النار تحسناً على الأرض» واستنتجت والحالة هذه أن رحيل 4.5 مليون لاجئ سوري المتوقع من دول الجوار لم يعد له ما يبرره.
وتشير إلى تراجع عدد الضحايا بين المدنيين ووصول المواد الإنسانية للمناطق المحاصرة. وتؤكد الصحيفة أن استمرار وقف إطلاق النار يعتمد في النهاية على بوتين «فهو الذي قرر وحده الحفاظ على بشار الأسد في السلطة والقتال من أجل السيطرة على سوريا».
وما يهم في التركيز على مسألة المهاجرين هي اتهام حلف الناتو لبوتين بأنه استخدم أزمة اللاجئين كسلاح يهدف من ورائها زعزعة استقرار القارة الأوروبية.
ولا تشك الصحيفة في صحة هذا الرأي «فالقصف الجوي الذي قام به الروس والنظام السوري كان سبباً في هروب 11 مليون سوري من بيوتهم ومع ذلك فبوتين هو الوحيد القادر منع خروج قوات الأسد وقواته من الثكنات العسكرية».
ولا تستبعد الصحيفة أن الهدف الرئيسي لبوتين هو استعراض عضلات وقوة تدعم موقفه على طاولة المفاوضات وتقنع الأوروبيين في النهاية برفع العقوبات التي فرضوها على نظامه بعد ضمه جزيرة القرم وغزوه شرقي أوكرانيا.
وتدعو الصحيفة الغرب أن يكون ثابتاً في موقفه من العقوبات بناء على أرضية اخلاقية واستراتيجية. ولهذا لا توجد أي طريقة للتعاون مع روسيا وبدونها لن تحل المشكلة. ولهذا السبب يمنح اتفاق وقف إطلاق النار الهش فرصة. وكما قال سفير تركيا لدى الإتحاد الأوروبي فيجب أن «ترتب أوروبا بيتها». وبدأت الدول تعيد بناء بيتها وترى الصحيفة في بناء مخيمات للاجئين باليونان التي تعتبر نقطة ساخنة يصل إليها اللاجئون ورصدت أموالاً منها 63 مليون جنيه استرليني من بريطانيا.
وتعتقد أن أوروبا المسورة في مقدونيا وهنغاريا أدت للحد من تدفق اللاجئين إلى مقدونيا وهنغاريا.
وتعتقد الصحيفة أن الخطوات الأخيرة بما فيها تهديدات تاسك «لا تقتربوا من أوروبا» هي المطلوبة، مضيفة أن هذه هي الإجراءات التي فشلت بتقديمها المستشارة ميركل عندما فتحت حدود بلادها العام الماضي للاجئين.
وقالت ميركل يوم الإثنين إنها تريد توحيد أوروبا خلف سياسة عمل واحدة. ومن أجل تحقيق هذا فعليها كما تقول «التايمز» أن تتبنى لغة مماثلة للغة تاسك. ورغم كل التحركات فلن يتم التغلب على الأزمة بدون حماية الحدود الخارجية لأوروبا وقوات خفر سواحل وتعاون تركي- يوناني سيتم بحثه في اجتماعي بروكسل وأزمير الأسبوع المقبل.
وترى في النهاية أن اوروبا انتظرت عاماً كاملاً حتى تصل إلى الإجراءات الحالية والتي ستجعل الرغبة بالرحلة غرباً أقل سهولة للاجئين السوريين وتجعلهم يفكرون بالعودة إلى بيوتهم. ولكن هل بقيت لهم بيوت يحلمون بالعودة إليها.
بين النظام والمعارضة
ولهذا فرغم الأمال التي يعولها الغرب والخطط التي يضعها لتمرير وقف إطلاق نار هش، فالوعود التي قام من أجلها السوريون قبل خمسة أعوام لم تتحقق بعد.
ولهذا لم تتغير المعادلة كما يشي تقرير مارتن شولوف في «الغارديان» والذي كتب يقول «عندما سكتت البنادق في شمال ـ غرب سوريا يوم السبيت الماضي تأكد مصطفى النيرب إنها فترة هدوء وليس اتفاق وقف إطلاق النار، ويعرف أنه محق». فمن إدلب إلى حلب اللتين مركز هجمات الطائرات الروسية ولأكثر من أربعة أشهر لا تزال المقاتلات والمروحيات الروسية والمدافع التي تقصف وإن بوتيرة أقل.
ويقول «اعتقدت غالبية الناس أنه (الإتفاق) حيلة يقوم من خلالها النظام والروس بإعادة تنظيم أنفسهم ومن ثم الهجوم»، مضيفاً «وهذا هو ما يحدث في أجزاء من إدلب، حيث نستطيع مشاهدة الطائرات من حيث نحن ونسمع انفجار القنابل».
ويعلق شولوف أن الاتفاق قدم قبل البدء بتطبيقه على أنه اهم خطوة مهمة في الحرب السورية التي مضى عليها خمسة أعوام.
ولكن بعد سبعة أيام لا تزال الشكوك واضحة في التجمعات السكانية الموالية للمعارضة التي تقاتل النظام حيث استمر القصف بدون رد فعل دولي.
وترى المعارضة أن النظام والطيران الروسي استخدما بنداً في الإتفاق يستثني جبهة النصرة وتنظيم الدولة من القصف لتبرير مواصلة استهداف المناطق خاصة في شرق اللاذقية وغرب حلب.
ويشير شولوف إن كيفية التعامل مع هذه المرحلة من الحرب يعتمد على المكان الذي يعيش فيه السوريون. ففي مناطق المؤيدين للنظام هناك شعور بأن الأمور تسير في الإتجاه الصحيح وقد تقود لعودة المفاوضات في جنيف الأسبوع المقبل. وينقل شولوف عن محام يقيم في دمشق «تبدو الأمور هنا مختلفة نوعاً ما».
ويقول المحامي غابرييل « الناس هنا في الشوارع ولا يوجد صوت للقنابل والجنود يبتسمون على الحواجز العسكرية». وهناك شعور سائد ببدء المحادثات قريباً لاستثمار المكاسب التي حققها الجيش في الأسابيع الأخيرة. ويقول مواطن من مدينة طرطوس حيث القاعدة البحرية الروسية «هذا ما كان الروس يسعون لتحقيقه».
ويضيف «اقصفهم حتى لا يستطيعوا التحمل وبعدها إبدأ المفاوضات». ومن ناحية سكان المدن المدمرة في الشمال فهم يمقتون من يتحدث عن أمل وحل دبلوماسي يخرج من البؤس الذي يعيشون فيه.
ويقول رامي، 26 عاما «لم يبق أي شخص في حريتان» وهي بلدة في شمال حلب.
وأضاف «قبل هجوم النظام الأخير، كان لدينا مدارس ومستشفيات وأسواق والآن ذهب الجميع وعلينا السفر لأماكن بعيدة لشراء الخضروات والخبز».
وأضاف «أنا جالس لوحدي هنا في حريتان. أرسلت عائلتي للخارج في 10 شباط/فبراير وأنجبت زوجتي طفلاً في 14 شباط/فبراير ولم أره بعد. ولكن الناس سيعودون من جديد فهم يفضلون الموت في بيوتهم».
ويعلق شولوف قائلاً إن لا أرضية مشتركة بين الطرفين المتصارعين باستثناء تراجع نسب القتل. فقبل وقف إطلاق النار كانت حصيلة القتل اليومية 120 قتيلاً وهي اليوم 40 تقريباً. والسبب في انخفاض أعداد القتلى حسب رأي أحد سكان طرطوس أنه «تم قتل معظم الإرهابيين أو لأنهم هربوا إلى أوروبا».
ولكن مقاتلاً في المعارضة اسمه جمال القري قال «السبب هو أننا لا نقاتل». ويعلق قائلاً «التزمنا بالصفقة، لكن الروس وحزب الله استغلوه من أجل تعزيز مواقعهم، كما كنا نتوقع». ويقول النيرب إن «الفرق الآن أن الناس يمكنهم الحديث عن الحياة بدلاً من الحديث المتواصل عن الغارات والبراميل المتفجرة.
ونشعل بحياة عادية بعد سنوات كثيرة، فالحصول على حياة عادية هو حلم». ويقول «بدأ الناس يخرجون إلى السوق والذي كنا نطلق عليه سوق الموت لأنه ضرب ثلاث مرات. وهناك أمل صامت بأن تكون هذه نهاية للكابوس ولكننا نعرف أنها أمنية وحلم قد لا تتحقق».
خرير النهر
وبين الخراب الذي تعيشه بلدة حريتان هناك صوت عادي لا علاقة بالحرب حيث يقول رامي «هذه أول مرة أسمع فيها خرير النبع»، و»بدأت أسمع صوت الطيور بعد سنوات طويلة وحتى هذه مترددة لرفع صوتها بالصداح».
وبعيداً عن حريتان في الشمال أعيد افتتاح المدارس في بلدة أعزاز ولأول مرة من عام تقريبا. ويقول أبو يوسف «نتحرك هنا في أعزاز بحرية بعد وقف إطلاق النار» و «ذهب أولادنا أخيراً للمدرسة» ويقول إن 40% من الطلاب ذهبوا إلى 11 مدرسة في البلدة.
مليئة بالثغرات
ومع ذلك فلا يزال الخوف يتغلب على الأمل. فالهدنة فيها الكثير من الثقوب كما تقول مجلة «إيكونوميست» في عددها الصادر امس.
وقد ذهبت أبعد في تفسير ما يعني وقف إطلاق النار لكل طرف. فالنسبة لستيفان دي ميستورا المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا فقد أعلن أنه يتوقع عودة المتحاربين إلى طاولة المفاوضات في 9 آذار/مارس.
وكان دي ميستورا قد طرح موعداً مبكرلاستئناف المفاوضات والتي علقت قبل أن تبدأ الشهر الماضي عندما قررت الهيئة العليا للمفاوضات التابعة للمعارضة مغادرة جنيف. وترى المجلة أن استخدام دي ميستورا كلمة «وقف إطلاق النار» هي في حد ذاتها تعبير عن أمل قد لا يتحقق.
وتعتقد أن «وقف الأعمال العدائية» ليس سوى «سكون» في العمليات العسكرية أكثر من كونه اتفاقاً رسمياً لإطلاق النار.
ومع ذلك فالإتفاق وإن كان جزئياً وهشاً إلا أنه مستمر وناجح أكثر مما توقع الكثيرون. فقد تراجعت كثافة القتال أكثر من أية اتفاقات سابقة.
وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها لم تتلق معلومات عن خروقات «مهمة» للإتفاق. مع أن هذا يعتمد على ما تعنيه بـ «المهمة».
فقد سجل المرصد السوري لحقوق الإنسان في بريطانيا 80 خرقاً له استخدم في واحد منها الغاز وأدت لمقتل 13 شخصاً.
وتشيرالمجلة إلى سماح حكومة بشار الأسد بوصول المواد الإنسانية إلى السكان المحاصرين.
وكانت الأمم المتحدة تهدف لإيصال المساعدات إلى 150.000 شخص في الأسبوع الأول خاصة أنها تقدر عدد المحاصرين بحوالي 450.000 شخص.
ولا تخفي المجلة «شكوكها» من الإتفاق خاصة في الشق المتعلق بـ»جبهة النصرة» وتنظيم «الدولة» المستبعدين من وقف العمليات العدائية. فجبهة النصرة تعمل مع جماعات سورية معارضة يلقى بعضها دعماً من الولايات المتحدة.
ومن فهناك الكثير من مناطق الصراع الحامية المحتملة، ويمكن أن يزعم النظام أنه قام باستهداف جماعات مصنفة كإرهابية مع أنه في الحقيقة قام بضرب جماعات يحميها الإتفاق. وفي محافظة إدلب يشترك «الجيش السوري الحر» مع «أحرار الشام» و»جبهة النصرة» في إدارة المحافظة.
وعليه فمن المشكوك فيه أن تستطيع المقاتلات الروسية والسورية المسلحة بقنابل «غبية» ضرب جماعة بدون ضرب الجماعة الأخرى.
ويزعم النظام أن تنظيم الدولة يعمل في الغوطة وداريا، وهما منطقتان يريد استعادتهما منذ وقت طويل. وتنفي المعارضة وجوداً لتنظيم «الدولة» فيهما.
وترى المجلة أن الامتحان الحقيقي للإتفاق سيكون في حلب التي مكن الطيران الروسي في الأسابيع الماضية قوات النظام وحزب الله والميليشيات الشيعية والحرس الثوري الإيراني لمحاصرة كبرى المدن السورية.
ويؤكد الروس أن المدافعين عن حلب غالبيتهم من «جبهة النصرة». وتقول مصادر الجيش السوري إن عدد مقاتلي الجبهة لا يتجاوز الألف وهم جزء صغير من الجماعات التي تقاتل دفاعاً عن المدينة. وتستبعد المجلة قيام النظام بشن هجوم كامل على المدينة، فهذا ليس لديه القوات التي تستطيع خوض حرب شوارع ضد مقاتلين محصنين ومجهزين بشكل جيد. ولا تستطيع روسيا نشر مقاتلات مجهزة بصواريخ دقيقة.
ويعتقد معهد دراسات الحرب في واشنطن بقيام النظام بتبني سياسة بطيئة «حصار وتجويع» لإضعاف المقاتلين داخل المدينة بدون تعريض جنوده لخسائر.
ويعتمد النظام من أجل تحقيق السيناريو لعزل حلب على قوات حماية الشعب الكردي والغارات الجوية الروسية من أجل قطع خطوط الإمدادات عن المقاتلين من الشمال، أي من تركيا.
وهذا سبب يدعو للخوف من أن وقف الأعمال العدائية سيكون قصير الأمد، خاصة في ظل استمرار التوتر على الحدود مع تركيا ومخاوف حكومة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من سيطرة الأكراد السوريين على كامل الحدود.
لكل هذا فالإتفاق هو توقف لا وقف للنار. ولن يكون كافياً والحالة هذه لأن يقدم إطاراً يصلح لأن تقوم عليه محادثات جدية في جنيف.
إبراهيم درويش