«دبكت ضحك» بعد «حب وحرب» من ثمار تصالح طرابلس: «مارش» تعيد الحياة لشبان تقاتلوا وتجمعهم في «قهوتنا» والفن

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: هل من مشهد أجمل من ذاك الوئام الذي حققته جمعية «مارش» اللبنانية بين شباب المنطقتين المتقاتلتين سابقاً في طرابلس شمال لبنان جبل محسن وباب التبانة؟ منذ أكثر من سنة وحصاد التوافق يتراكم عبر جهود «مارش» الحثيثة من خلال وعي كبير للحقيقة من قبل الشبان الذين أدركوا أنهم وقود للسياسيين الذن نجحوا في تجنيدهم لقتال طائفي. بعد مسرحية «حب وحرب ع السطح» التي اكتشف شباب من المنطقتين بعضهم عبرها، كان ليوم الأحد الماضي نكهته المختلفة في طرابلس، فيه أفتتح المشروع الثاني لـ «مارش» إنه «قهوتنا» التي احتلت مساحة من شارع سوريا، الذي كان فيما مضى خط التماس بين المنطقتين. وبطريقة الراب عبّر شباب من جبل محسن معلنين ايمانهم بأن الفن سينتصر على السياسة.
إلى هذا المكان الذي كان انقاضاً بفعل الاهمال والتقاتل، تقاطر الضيوف من الشمال ومن بيروت. مساحة داخلية لا تزيد على الـ50 متراً مربعاً، وباحة فتحت قلبها للغناء والتمثيل والضحك والحب. بعد «حب وحرب ع السطح» برفقة المسرحي لوسيان بو رجيلي «دبكت ضحك» مع الفنان ميشال أبو سليمان في عرض مسرحي كوميدي قدمه الشباب من إعداده. وكذلك غنوا بفرح مع الفنانة جويس فياض التي أوجدت في المقهى أجواء رائعة. قدّمت أغنيات عربية وأخرى غربية وعزفت على آلات عدة. بدورهم كان للشباب حضورهم الإيقاعي في العزف عبر الدربكة وسواها. إلى جانب حضور فنانين آخرين. أما الشباب أصحاب الدراجات النارية الصغيرة فشكلوا دليلاً سياحياً لضيوف «قهوتنا» الذين توافدوا من كافة المناطق اللبنانية وبخاصة بيروت، للتعرف إلى تلك المنطقة الفقيرة والمنسية والتي جعلها السياسيون وقوداً لأحقادهم. كان يوماً من التفاعل والدينامكية المشهودة في طرابلس، والتي حظيت بغطاء أمني من الجيش اللبناني لمنع أي تدخل يُعكر صفو الوفاق و«دبك» الضحك.
في سيرة قهوتنا وكيف صار لها شكلها الحالي، علمنا أنها كانت غرفة من كراج مهجور لحق بها الكثير من آثار الحرب. يصف عارفو المكان سابقاً بأنه كان مريعاً. تضافرت الجهود حتى صار له الشكل الحالي. الجدران زينها أحد الفنانين برسوم الغرافيتي، وآخر قدم لوحات رفعت إلى جانب صور شباب المنطقتين من عروضهم المسرحية المتتالية. كافية نجار قدم كل ما له صلة بفنجان القهوة العربية. وآخرون قدموا تجهيزات المطبخ. الأيادي البيضاء تماسكت لنجاح مشروع «قهوتنا» وتواصل التوافق بين الشباب.
وجدت «قهوتنا» بجهود متضافرة، منسقة المشروع زينب رطيل، أكدت أن الجهود يجب أن تستمر مع شباب المنطقتين «ولا يجوز أن يحكي الشباب قصصهم في المسرحية ومن ثم يذهب كل في حاله. جاءت قهوتنا لتشكل مساحة تلاقي ومكانا ثقافيا لتدريبهم على الفن والمسرح وبشكل دائم. قهوتنا ستخصص أوقاتاً لعرض أعمالهم الفنية، وهي المكان الذي يجمع الطرفين، وهو الهدف الأساسي للمشروع الذي يتمثل بالمصالحة. نعم الشباب في حالة حب بعيداً عن الحرب. وهو ما ظهر في مشاركة الناس من الطرفين في حدث قهوتنا. نعم في هذا اليوم كنا بما يشبه العرس، حيث صدحت الموسيقى لمسافة أبعد من قهوتنا».
الملاحظ في هذا اليوم الاحتفالي أن الشباب في جبل محسن وباب التبانة أصبحوا مشاريع فنية جاهزة بفعل التدريب المتواصل. في قهوتنا رحبوا بالضيوف عبر اسكتش قالوا فيه ردّة فعلهم العفوية حين دعتهم «مارش» للتلاقي. إذ كيف يلتقي الأعداء المتحاربون؟ تلاه اسكتش «دبكت ضحك» وهو أيضاً من اعدادهم بالتعاون مع الفنان ميشال أبو سليمان.
في المستقبل ستتواصل قهوتنا بجهود الشباب، منهم من يديرها، ومنهم من يتابع خلق الاسكتشات المعبرة عن حياتهم اليومية والتي ستقدم مرتين أسبوعياً وخلال المساء في سهرات فنية ثقافية. فقد تفاجأ المعنيون في «مارش» والشباب من المنطقتين بأنهم يمتلكون طاقات فنية كانت دفينة. تقول زينب رطيل: أن يعبر هؤلاء الشباب من خلال الفن في أساس علاقتنا بهم. وهم لم يخيبوا أملنا، فبينهم الكثير من الموهوبين. والفنان ميشال أبو سليمان يرافقهم حالياً في التدريب على البرامج الفنية التي ستشهدها قهوتنا.
الشباب يديرون المقهى وفق أوقات دوام لكل منهم، وأرباحها تعود لهم. طارق هبّاوي 24 عاماً المسؤول عن قهوتنا، كان له دوره الفاعل في مسرحية حب وحرب، ومتطوع في مجلس شباب التبانة. كان يوم افتتاح المقهى كما أم العروس. وصف الأجواء التي يعيشها شباب المنطقتين بالرائعة. قال: كان لكل منا أفكار مسبقة عن الطرف الآخر وتغيرنا كلياً بعد اللقاءات التي رعتها «مارش». بالنسبة لي شخصياً تغيرت حياتي بنسبة مئة في المئة. طردت عن نفسي الكآبة والحزن. الحمدلله صرت أنام وأستيقظ براحة تامة، وتغيرت نظرتي كلياً نحو الحياة. ما تشهده قهوتنا يجعلني أطير من الفرح بحيث لا أصدق ما يحصل وأجدني في حلم. نحن ندعو الجميع لزيارتنا وأسعارنا متهاودة بخاصة لشباب جيل محسن وباب التبانة. ونعد الزوار بما هو جميل للغاية سنقدمه بالتعاون مع الفنان الرائع ميشال أبو سليمان.
نسأله عن واقع الشباب قبل أن تطرق بابهم جمعية «مارش»؟ يقول طارق هبّاوي: كنا في حالة موت. كان الوقت ثقيلاً ويمر هباء. ولمن لديه نية إشعال الحرب مجدداً نقول «ضب كلاكيشك من لبنان بكامله وأرحل».
في قهوتنا كانت رئيسة جمعية «مارش» ليا بارودي تستقبل الضيوف وتفرح معهم بنجاح المشروع الذي كافحت من أجله مع آخرين. تفرح أكثر لرؤيتها فرح الداعمين وبخاصة من تكبدوا عناء الحضور من بيروت. تقول: دعم الناس شجع الشباب ومدّهم بالمعنويات. والجميع كان شغوفاً باستمرار هذا النموذج من التفاهم بين المنطقتين. الجميع عبر من خلال الفن والثقافة وتفاعل. إنه الهدف من قهوتنا، وقد تحقق في خطواته الأولى، ونأمل استمراره وتطويره. الجميع تناول الطعام وصار بينهم خبز وملح، وكذلك تبادلوا الأفكار وأطراف الحديث. وكان التفاعل بين اللبنانيين على مستوى واسع وليس فقط من التبانة وجبل محسن.
تقول بارودي: في قهوتنا نتابع مشروع جمع المقاتلين في عمل مسرحي «حب وحرب ع السطح» التي استوحاها من حياتهم لوسيان بور جيلي. بعدها توسع وكبر فريق المتصالحين من المنطقتين من 18 إلى 30 إلى 40. درّبناهم على التمثيل، كتابة السيناريو والإخراج بمساعدة ميشال أبو سليمان. يمكننا القول أنهم باتوا في نضوج فني. كان من واجبنا تأمين استمرارية هذا التعاون بين الشباب، وفي الوقت عينه يكون كل منهم سفيراً للسلام والفن، بهدف جذب مزيد من الرافضين للحرب ومن المنطقتين. وسيكون متاحاً أمام من يرغب من رواد قهوتنا المشاركة في ورشات تدريبية في التمثيل. خلال ترددنا إلى طرابلس اكتشفنا أن الشباب لا يجذبهم العنف والتطرف لأسباب ايديولوجية عميقة، بل نتيجة الفقر والظلم والتهميش الذي يعيشه هؤلاء، ولهذا يسهل اصطيادهم لممارسة العنف وكذلك المخدرات. قهوتنا تشكل فرصة عمل لبعض من هؤلاء الشباب. ولأجلهم نتعاون مع جمعيات في طرابلس كما مجلس شباب التبانة وجمعية روح الشباب في جبل محسن، وأكاديمية شباب القبة. وكذلك نتعاون مع جمعية يوتوبيا، ولجنة أسواق طرابلس القديمة. هو تعاون لتأمين نجاح كافة المشاريع. ندعو الجميع لزيارة قهوتنا وتشجيع الشباب، بعد الدعم الكبير من أهالي الجبل والتبانة المتعطشين للسلام، والراغبين بالعيش بكرامة وهدوء. مسؤولية سكان طرابلس كبيرة في تشجيع تلك المبادرة، فليس لجمعية بحد ذاتها ومنفردة أن تقضي على التشنج بين المنطقتين. فإن قررت السياسة أن تواصل دورها السلبي سننجح في مواجهتها عبر جمهور عريض وكبير.

زهرة مرعي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية