تاريخ وتراث فن يقاوم الإندثار .. الأراجوز والعرائس: ملامح الحياة المصرية 

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»: «على الأراجوز  يا سلام سلّم». هي أغنية غناها المنولوجست والفنان المصري محمود شكوكو الذي تفرّغ في أواخر الأربعينات لتصنع العرائس الخشبية وقدّم بها عروضاً مثل «السندباد البلدي» و «الكونت دي مونت شكوكو». غنى شكوكو هذه الأغنية بعد أن توقف، لأسباب مادية، مسرح العرائس الشعبي الذي كان قد أسسه عام 1960. إلا أن شكوكو الذي اشتهر بجلبابه البلدي وعصاه وطاقيته الطويلة ولقب بـ «شارلي شابلن العرب» أعاد إحياء فن الأراجوز من خلال إنشاء مسرح القاهرة للعرائس الذي اعتبر فيما بعد البداية الحقيقية لمسرح الأراجوز والعرائس المصرية. ظهرت بعد ذلك شخصية الأراجوز كإحدى الشخصيات الأساسية في أوبريت «الليلة الكبيرة» كلمات صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي التي وصفت المولد الشعبي المصري معتمدة على العناصر الشعبية العربية كأدوات أساسية لهويته. وصمم العرائس آنذاك الفنان ناجي شاكر الذي تخرج من كلية الفنون الجميلة بمشروع دبلوم عن العرائس. واختير بعد ذلك للاشتراك فى إنشاء مسرح العرائس، فصمم عرائس وديكور مسرحية «الشاطر حسن» و»بنت السلطان» و»الليلة الكبيرة» التي كتبها صلاح جاهين ولحنها سيد مكاوي وغيرها من المسرحيات الشعبية التي أعطت العرائس والأراجوز دلالات ثقافية وسياسية عند الجمهور المصري. استطاع الأراجوز المصري، على مر السنوات، أن يتقن فن اللعب بالرمز عبر تطرقه إلى السلطات الكبرى «الدينية، السياسية والاجتماعية» فاضحا وكاشفا الفساد المتفشي في المجتمع والدولة حتى اشتهر بالكلمة النهائية لعرضه «أطلع بره» وهي الكلمة التي ربطها البعض، رمزيا، بكلمة «إرحل» التي هتف بها المصريون خلال ثورة 25 يناير.
إلا أن فن العرائس والأراجوز، الذي تعود بداياته إلى العصر المملوكي، عاد وانحسر بعد ذلك ببضع سنوات. ومع رحيل جاهين ومكاوي، «تاه الأراجوز» مجددا، وضاعت العرائس واقتصر ظهورها على عروض شعبية متواضعة. والآن، بعد مرور أكثر من نصف قرن، وبعد أن انفض المولد وضاع الأراجوز في فوضى الفضائيات والعالم الرقمي، تصدح الأغنية نفسها من جديد «على الأراجوز يا سلام سلّم» لتذكرنا بحال هذا التراث الفني الذي يقاوم الإندثار. ومع هذا الإنحسار، وفي وقت يطوف فيه عدد قليل من لاعبي الأراجوز شوارع وأحياء مصر الشعبية، نشأت فرقة شابة تجتهد، بقيادة د. نبيل بهجت من أجل إنقاذ وإحياء هذا الفن الشعبي. تحت شعار: «لدينا ما يعبر عنا» وإنطلاقا من إيمانه «بأننا نمتلك مُنتَجًا يوازي المنتج الثقافي يمكن تسويقه والاعتماد عليه» اتخذ بهجت «ومضة» أي »بريق في الظلام الدامس» اسماً لفرقته التي أسسها لإحتضان فن الأراجوز وخيال الظل. إضافة إلى كونه مُخرِجًا وكاتبًا وصانعًا لـ»دُمَى الأراجوز وخيال الظل»، وأستاذًا جامعيًّا في قسم علوم المسرح في جامعة حلوان، يقاوم في سبيل إحياء ما يصفه بـ «تجربة حياة» بدأت منذ عشر سنوات بهدف إعادة الأراجوز إلى الحياة، لإيمانه الشخصي أن «التراث الشعبي هو أحد مصادر تشكيل الوعي المصري والتأريخ للذاكرة المصرية». ويقول لـ «القدس العربي» أن رحلته للبحث عن أعضاء يكون منهم الفرقة لم تكن سهلة، فقد حاول جاهدا  العثور على بعض اللاعبين الذين شاهدهم في بلدته عندما كان طفلا إلا أنه فشل في أولى محاولاته، فطاف شوارع القاهرة وموالد مصر حتى عثر على عدد منهم، وكان أولهم شيخ لاعبي الأراجوز «العم صابر» (إسم الشهرة لمصطفى عثمان ـ مواليد عام 1939) الذي التقى به في مقهى التجارة في شارع محمد علي الذي تحول الآن لمحال تجارية. بعد ذلك عثر بهجت على صابر شيكو في مقهى نجيب السواح، وصلاح المصري في مولد فاطمة النبوية، وسمير عبد العظيم، وحسن سلطان في مولد السيدة زينب، وسيد الأسمر في مولد النبي بإحدى مناطق الهرم. وهكذا كون بهجت فرقته التي تقدم الآن ورشا تعليمية وعروضا مجانية بشكل منتظم في «بيت السحيمي» التابع لصندوق التنمية الثقافية منها «ما أحلاها الايد الشغالة» و»أحلام ملك» و»جحا وحاكم المدينة». كما أنتجت الفرقة 23 مسرحية عرضتها في أكثر من 30 دولة بعدة لغات، وقدمت عروضها في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا واليونان وتونس واليمن وموريتانيا والكويت وتونس، وغيرها من الدول. كما أصدر بهجت كتابين عربي وانكليزي تحت عنوان «الأراجوز المصري»  و19 فيلما وثائقيا عن الأراجوز وخيال الظل» لكي «يبقى لنا شيء منا ويكون نقطة بداية لكل من يحاول أن يكمل طريقة في هذا المجال» يقول بهجت آملا أن تكون فرقته جسرا لأجيال قادمة تتبنى هذا التراث. أما «العم صابر» الذي يعتبر عضوًا مؤسسًا في الفرقة، وأقدم لاعب أراجوز في مصر، ويسترجع  في حديث لـ»القدس العربي» حكايته مع الأراجوز، مستنتجا أنه وبعد احترافه هذا الفن لأكثر من خمسين عاما: «أصبحت أنا الأراجوز، فلا يوجد في حياتي غيره،. هو إبن من ابنائي» يقولها العم صابر ضاحكا. وكان قد دخل عالم الأراجوز عن طريق الموالد الشعبية التي كان يحرص على حضورها ويقول أن أكثر ما جذبه هو الفنان الراحل محمود شكوكو الذي كان يشاهده في ملهى «الكيت كات» في امبابة حيث جمعهم أول لقاء وغنى مع شكوكو أغنيته (على سلم الترماي شعبطني يابوي) وبعدها انطلق في جميع أحياء مصر وموالدها الشعبية. «كانت هذه الأوقات من أسعد لحظات حياتي» يضيف العم صابر وهو يحاول إحياءها ثم يؤكد من جديد: «مفهوم الأراجوز لم ولن يتغير، ذلك أنه سيظل لسان حال المواطن العادي وصديقه وصانع بهجته». إضافة إلى العم صابر، يعتبر الفنان علي أبوزيد الحائز على شهادة في الدراسات العليا قسم المسرح، من كلية الآداب في جامعة حلوان، أحد أهم أعضاء فرقة «ومضة» التي دخلها عام 2004 وتتلمذ فيها على يد الدكتور بهجت في الجامعة والعم صابر في الورشة. ويقول أن أكثر ما جذبه لمشروع بهجت هو أصالته وعروبته «في وقت داهمتنا فيه عروسة باربي وبات مان وروبن هود فكنا أصحاب رسالة تقول (إن لدينا ما يستطيع ان يعبر عنا)». ومع العم صابر وقف أبوزيد مكان (الملاغي) وهو الشخص الذي يقف بجوار الأراجوز ويصنع الإيقاع ويتفاعل مع النمرة التي يقدمها حيث يكون وسيطا بينه وبين الجمهور. وفي ما يلي عرضا تفصيليا عن شخصية الأراجوز ونمره ودلالاته الثقافية والسياسية والتحديات التي يواجهها، يشرحها الدكتور نبيل بهجت خلال حديث مطول مع «القدس العربي».
  
«لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا»
 
لم تكن تجربة بهجت مع الأراجوز وخيال الظل مجرد دراسة تقدم بها لنيل درجة علمية، بل كانت «تجربة حياة»، كما يصفها. ويحكي في هذا السياق عن بداية التجربة التي استلهم منها مشواره الطويل في عالم الأراجوز وخيال الظل: لقد لفت جدي ـ منذ الصغر ـ انتباهي بأمثاله التي كان يرددها: «إيش تاخد يابرديسي من تفليسي»، و»في فرفرتيه سعد رئيسك يا عدلي»، وعندما تفحصتها أدركت أنها تحمل إشارات لوقائع تاريخية. فالبرديسي أحد الحكام الذين فرضوا ضرائب أدت إلى ثورة شعبية بعد رحيل الحملة الفرنسية عن مصر، كذلك حملت العبارة الثانية وقائع الخلاف بين «سعد زغلول» و»عدلي يكن» على رئاسة الوفد المصري، وهكذا حملت كلمات جدي جزءا من تاريخ مصر امتد على مداري قرنين من الزمان، وهو ما يؤكد ما ذهب إليه البعض في إمكانية الاعتماد على التراث الشعبي كمصدر للتاريخ حيث لم يهتم التاريخ الرسمي بأولئك المهمشين الصناع الأصليين للأحداث. ويضيف: «إن رغبتي في فهم العقلية المصرية ومصادر تكوينها وآليات اتخاذ القرار فيها دفعتني للاهتمام بالتراث الشعبي كأحد أهم ابداعاتها، وجاءت هذه التجربة فى إطار رصدي للواقع والتحولات التي تطرأ عليه. كنت أسير منذ عشر سنوات في شارع طلعت حرب، ولاحظت أن دُمَى عرض الملابس ذات ملامح غربية، وكأن المصريين ليست لهم ملامح تستطيع أن تعبر عنهم، ووقع نظري على إعلان ضخم لفتاة أوروبية بملابس البحر كُتب تحته «شهر زاد». تذكرت ساعتها تحولات الشارع في الملبس والمأكل والمشرب حيث تحولت المقاهي الشعبية إلى كافيهات، ومحلات الوجبات التقليدية إلى محلات للوجبات السريعة التي لم يكن يعرفها أحد من قبل، ومثلت هذه الملاحظات دافعاً لبدء التجربة». ومع هذه التأملات خلص بهجت إلى أن اختفاء النموذج المحلي لصالح النموذج الغربي يكرس لمفاهيم العجز وعدم الرضا عن الذات، وهو ما يجعلنا تابعين لبعض الاستراتيجيات الاستعمارية التي ترانا سوقاً لمنتجاتها، ومنجماً لموادها الخام. ذلك أن هذه الممارسات التي يمارسها هذا الآخر تستنسخ نفسها في صور تلغي النموذج المحلي، وتكرّس لثقافة العجز، التي ساعد على تكونها ونموها العديد من العوامل الأخرى أهمها صورة الحاكم وعلاقته بالمحكومين. ومن هنا إستمد بهجت شعار تجربته وفرقته: «إن لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا».
 
 الأراجوز: النشأة والدلالات:

يقول البعض أن كلمة «أراجوز» هي تحريف لكلمة قراقوش، والبعض يرده لكلمة فرعونية تعني «صانع الحكايات». ويقول د. نبيل بهجت أن كلمة «الأراجوز» المكونة من «أرا وجوز»، أي أرى اثنين، ربما جاءت وصفاً لحال الدُّمى المستخدمة؛ إذ يعتمد فنّان الأراجوز على يديه في إخراج عروستين فقط في اللحظة الواحدة. ويرجح أن هذا الاختلاف حول النشأة والبداية ودلالة الاسم هو حال العديد من الظواهر الشعبية التي امتزجت في وجدان الشعب فأصبحت في حد ذاتها دلالة ومرجعية. لكنه يؤكد أنه واستئناساً بما ذكره الرحّالة وعلماء الحملة الفرنسية فإننا «لا نستطيع بأي حال من الأحوال أن ننفي مصرية الأراجوز، بل إن القراءة المتأنية للعناصر الدلالية لهذا الفن تؤكد مصريته».
يرتدي الأراجوز طرطوراً وجلباباً لونهما أحمر، ويوضع شريط دائري أصفر على بداية الطرطور من المنطقة التي تعلو الجبهة مباشرة كما هو الحال عند «العم صابر» وأحياناً يضع البعض وشاحاً أخضر مطرزاً باللون الأصفر على ظهر الأراجوز. ويربط الفنان المؤدي يده بمنديل أبيض ليحدد من خلاله منطقة الخصر، وللأراجوز صوت مميز عن باقي الشخصيات الأخرى حيث يستخدم الفنان آلة تسمى «الأمانة»؛ وهي عبارة عن قطعتين من المعدن يُصنع بينهما تجويف ويوضع بداخلهما شريط من القطن يُشَدُّ كوتر داخل هذا التجويف حيث يوضع طرفه على ظهر إحدى القطعتين، ثم يشد على التجويف وتوضع القطعة الأخرى ويُلفُّ الشريط عليهما أكثر من مرة، وبذلك يصبح لدينا ما يشبه الآلة الموسيقية ذات الوتر الواحد، يضعها اللاعب في سقف الفم لإحداث الصوت المميّز للأراجوز، وتُصنع يد الأراجوز من الخشب على هيئة حدوة حصان.
ويمثل الأراجوز المسرح الحقيقي للشعب المصري الذي أختار الفضاء العام  والشارع والحقول والأسواق مكانا لعروضه. ويعتبر من أشهر الدمى الشعبية في مصر على الإطلاق. وارتبطت عروضه بشكل أساسي بالشارع، وشكلت دورة الحياة أحد أهم موضوعاته، حيث تنوعت بين الزواج والتعليم، والتجنيد، والعمل، والموت.
ولا تخلو نمرة للأراجوز من أغنية ما، وتساهم البداية الاستهلالية للأغنية في تحضير الجمهور للعرض من خلال صوته الذي يستحث الجماهير على المشاركة في الغناء إما مباشرةً أو ضمنياً. ولا ترتبط النمر بأغانٍ محددة وإنما يستدعي كل فنان ما يناسب الموقف، فأحياناً نسمع مقطعاً لأم كلثوم أو عبد الحليم، أو محمد فوزي، أو غيرهم من الفنانين.

 ما وراء الدمى وصناعة العرض
 
يقوم فن الأراجوز في الأساس على الدُّمى، من خلال وسيط محدد هو اللاعب/ الفنان الذي يحركها من خلف «البرفان» دون أن يراه أحد من الجمهور. وهذه الدُّمى بالنسبة للجمهور هي أبطال وشخصيات لهذه الأدوار. وجمهور المتفرجين لم يكن يعلم شيئاً عن هؤلاء المؤدّين (اللاعبين) الذين يحركون الدمى أمامهم من خلف «البرفان» وإنما كانت مشاعرهم وأحاسيسهم كلها مع هذا الوسيط الذي يحرك الأحداث. فالدمى أبطال وممثلون، يقومون بأدوارهم أمام الجمهور، دون أن يذهب المتفرج بخياله إلى ما وراء الدمية وكيفية إمساك المؤدي بها وما إلى ذلك، وأشهر هذه الدُّمى عروسة الأرجواز.
 إن مكونات العرض نفسه تحدد من يستهدف الأراجوز اذ أن مكوناته (الدمى/ وسيط العرض/العنصر البشري الملاغي والجمهور/ الموسيقى والغناء). كذلك فان العلاقة بين الفنان المؤدي/الفاعل والجمهور من الركائز الأساسية لصناعة عروض الأراجوز، تلك العلاقة التي تخلق مجالات مختلفة ومستويات متباينة لأشكال التفاعل التي يحرص الفنان المؤدي عليه، وتكون بالنسبة له مؤشراً على نجاح العرض. وكثيراً ما يوقف بعض الفنانين عروضهم طالبين من الجمهور المشاركة، وكأن الجمهور هو الفاعل الحقيقي للعرض. وترتبط صناعة العروض بخلق مساحات تسمح للجمهور بالتدخل فيه، ومنها البداية الغنائية التي تعتمد على محفوظات مشتركة بين الفنان المؤدي والجمهور، فالمساحة المشتركة بين الفنان الفاعل والجمهور تحوله إلى فاعل من نوع آخر، وتخرجه من مفاهيم التلقي السلبي، يقول بهجت، حيث يتحول إلى ما يمكن أن نسميه بالمتلقي الفاعل. وتتمثل صناعة العرض من خلال الملاغي والجمهور وعالم الدمى ويتم هذا التداخل في الدور الذي يلعبه الملاغي وحالات الملامسة المستمرة، بل وضرب الدمية له وخوفه منها وعبث الدمية به. والملاغي هو مساعد الأراجوز وله دور هام في العروض. فبالإضافة لمسؤوليته عن الإيقاع والموسيقى من خلال «الطرومبيطة» أو «الطبلة» فهو يردد الأغاني التي يغنيها الأراجوز ويستحث الجماهير على الغناء ويشارك الفنان المؤدي الحوار ويخلق الكوميديا اللفظية والحركية. كما يلعب دوراً درامياً في بناء الأحداث في العديد من النمر حيث يتداخل مع عالم الدمى، يشاطرها أحزانها وأفراحها ويتآمر مع بعضها ضد الآخر.
 
عرائس الأراجوز:
 
تتمثل أبرز شخصيات الأراجوز في الأدوار التالية (ابن الأراجوز ـ زوجته «نفوسة» (يطلق عليها البعض زنوبة) ـ زوجته السمراء «بخيتة» (يطلق عليها الست قمر) ـ الفتوة ـ حمودة الأقرع وأخوه ـ الأستاذ ـ البربري ـ الخواجة ـ موشي ديان ـ العفريت ـ الطبيب ـ الشاويش ـ الحانوتي ـ الداية ـ فنان بالعافية «الشيخ محمد» ـ الشحات ويطلق عليه لاعب الأراجوز اسم «الشيخ» ـ كلب السرايا ـ الزبون ـ والد زوجته ـ اللص). هذا بالإضافة إلى عدد من الشخصيات نسمع عنها ولا نراها مثل عديلة في «الفتوة الغلباوي» ووالد الأراجوز في «الشحات». ويستخدم الفنان المؤدي صوته المباشر في التعبير عن جميع هذه الشخصيات فيكسبه أحياناً نبرة نسائية أو لكنة أجنبية أو لهجة أهل الجنوب أو المناطق الشعبية، أو صوت طفل صغير. ويجسد الفنان كل هذه الشخصيات بمفرده، وقد تستخدم دمية واحدة لتجسيد أكثر من شخصية في النمر المختلفة، شريطة ألا تلعب الدمية دورين في ليلة واحدة. كما تلازم الفنان بعض الإكسسوارات المصاحبة مثل أثاث منزل الأراجوز ـ بطانية ومخدة في نمرة « الأراجوز ومراته» ـ أو العصا الطويلة التي تحدث مفارقة في نمرة «الفتوة الغلباوي» والعصى الملازمة له والشنطة في «حرامي الشنطة» وغيرها.
 
الحفاظ على الأراجوز التراثي
 
يقول بهجت: «لقد كانت بيوتنا قديماً مصانع للطعام والعصائر، وكنا نصنع ما نلعب به من دمى، وطيارات ورقية، وعجل، وهي أول السبل التي تدربنا بها منذ الصغر على حل مشاكلنا والابتكار والإنتاج، ومن ثم أصبحنا فاعلين داخل سياقنا. ومن هنا تأتي أهمية النماذج النابعة من البيئات المحلية. فعندما يلعب الطفل بدمية تنتمي إلى تراثه وواقعه فإنها تعزز الانتماء لديه، وعندما يقوم بتصنيعها فإنه يطور قدراته على الإنتاج، وعندما يشاهد عرضاً للعرائس المحلية يعزز انتمائه. وتعد النماذج المحلية التراثية من أهم المصادر الاقتصادية سواء بإعادة إنتاجها بشكل مباشر أو باستخدام عناصرها واستلهامها في مجالات مختلفة». ويضيف بهجت إن الثقافة اقتصاد «فمصر لا تمتلك منتجاً بحجم الثقافة تستطيع أن تسوقه وتعتمد عليه» ولقد بات من شبه المؤكد تفوق سوق الثقافة على ما عداه. فلو قارنا السينما كمنتج بالنفط لأدركنا مدى التفوق الذي تحظى به الثقافة، مع العلم أن النفط ينفد والمنتج الإبداعي متجدد، وربما كانت تجربة الصين مع «فانوسنا» من أدل النماذج، حيث أدى إلى كساد سوق العمل في هذا المجال في الوقت الذي حقق أرباحاً لها.
 
تحديات
 
يقول العم صابر أن فن الأراجوز كان مهددا بالإندثار قبل تأسيس فرقة «ومضة» ذلك «اننا أقمنا العديد من الورش داخل وخارج مصر لتعليم الشباب هذا النوع الخاص من الفنون الشعبية». وحاليا تقام ورشة اسبوعية كل يوم جمعة في مركز ابداع بيت السحيمي التابع لقطاع صندوق التنمية الثقافية بوزارة الثقافة مع عرض للأراجوز وخيال الظل، وتعد من أولى الورش في هذا  المجال. وفي السياق يقول بهجت ان فن الأراجوز وخيال الظل شهد انحسارا ولولا جهود فرقته لاختفى تماما فومضة هي الفرقة الأولى في مصر التي قامت بعمل ورش للدمى ونقل الخبرات. فاستطاعت «ومضة» توثيق الفن وخلق جيل جيد له وربطه بالسوق والاقتصاد والفضاء العام والأكاديمي والإعلامي. ويضيف علينا «ان ننتزع اعترافا محليا وعربيا ودوليا بهذه الفنون والحفاظ على فناني الأراجوز ككنوز بشرية».
وعن كتابه «الأراجوز المصري» يلخص بهجت عنوان تجربة وآمال للمستقبل: «اننا كعرب نعاني من ذاكرة مثقوبة. لقد أعطى لي الأراجوز وخيال الظل أكثر مما قدمت لهما، ومن خلال تجربتي أدعو العاملين في حقل الثقافة إلى تحويل معارفهم إلى واقع عملي، فإنا لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا».

ريما شري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية