علق رجل أعمال إيراني على عملية الإقتراع للانتخابات البرلمانية ومجلس الخبراء التي جرت الأسبوع الماضي قائلا «إذا أردت تغييرا في الشرق الأوسط فامامك خياران: إصلاح ما يمكن إصلاحه أو احصل على (سيناريو) سوريا». ويبدو أن الناخب الإيراني مال في معظمه إلى جانب ما يمكن إصلاحه. فالانتخابات الأخيرة وإن جرت ضمن ثنائية إصلاحي- متشدد التي يحبذ المراقبون الغربيون استخدامها لكنها جاءت ضمن إطار تحالفات قام بها من يحسبون على التيار الاصلاحي والمحافظين، وتعاونوا مع رئيس البرلمان علي لاريجاني الذي يوصف بالمحافظ ضمن ما عرف بقائمة «الأمل» والتي ترأسها محمد رضا عارف الذي عمل مستشارا للرئيس السابق محمد خاتمي. وفازت القائمة بجميع مقاعد طهران للبرلمان فيما فازت بـ 16 مقعدا من المقاعد المخصصة لطهران في مجلس الخبراء. وجاء الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني في المرتبة الأولى من مقاعد مجلس الخبراء أما حسن روحاني، الرئيس الحالي فجاء في المرتبة الثالثة. وفاز الإصلاحيون في مدينة أصفهان التي اكتسحها المتشددون في عام 2012. وجاء فشل شخصيات متشددة مثل آية الله محمد يزدي، رئيس مجلس الخبراء الحالي ومحمد تقي مصباح يزدي المنظر الثوري كدليل على أن الإيرانيين قالوا كما أعلن روحاني بعد الانتخابات أنهم يريدون «تفاعلا» مع العالم لا «مواجهة».
وتعتبر النتائج مهمة بالنسبة للرئيس روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف، حيث جاءت بعد توقيع الإتفاق النووي الذي وإن وافق عليه المرشد الأعلى للثورة الإسلامية إلا أنه كان يريد استخدامه كوسيلة لرفع العقوبات المفروضة على إيران وعدم السماح بالتأثيرات الغربية للدخول إلى الجمهورية الإسلامية. ولهذا السبب لاحظت مجلة «إيكونوميست»(5/3/2016) صورتين للانتخابات واحدة في شمال طهران التي تدافع فيها الناس للتصويت وأجل إغلاق صناديق الإقتراع فيها خمس مرات مقارنة مع جنوب طهران التي تتميز بالمحافظة ولكنها لم تشهد إقبالا مشابها رغم الصور التي سخرت من الرئيس الأمريكي باراك أوباما والشعارات المعادية للغرب والأغاني الوطنية. وتعلق المجلة أن النتائج تمنح روحاني فرصة للتحرك نحو تطبيق إصلاحاته الاقتصادية والتصرف بنوع من الإستقلالية. إلا أن روحاني سيواجه برلمانا صاخبا وعليه أن يقرر فيما إذا كان يريد التركيز على الاقتصاد كما يريد منه المرشد أو التغيير الاجتماعي كما يطالبه مؤيدوه. وبالسياق نفسه تبدو الصورة أكثر غموضا في مجلس الخبراء الذي يتحمل كما يقول البعض مسؤولية اختيار المرشد القادم. فالمجلس الجديد سيظل حتى عام 2024 وما دام المرشد الحالي آية الله علي خامنئي في الـ 76 فقد يواجه المجلس مهمة القيام بالمهمة.
كل هذا لا يعني خسارة المعسكر الذي يطلق عليه المتشددون الجولة، فالمؤسسة المحافظة لا تزال أقوى من الرئيس. ويمكن للمرشد الأعلى ان يصوت ضد قرارات يمررها البرلمان، ولديه من يقوم بالمهمة نيابة عنه وهم القضاة والحرس الثوري. واستفاد المتشددون كما تقول المجلة من العزلة التي فرضها المجتمع الدولي على إيران وعززوا مواقعهم في قطاع النفط الذي كان يشغله في الماضي الأجانب. وتعلق المجلة قائلة «في الوقت الذي كان فيه السيد ظريف، وزير خارجية روحاني يلتقي نظيره الأمريكي، كان المتشددون يجرون اختبارات على الصواريخ الباليستية وذلك لتخريب الفرحة. وقام أزلام المحافظين باعتقال الصحافيين الأجانب ورجال الأعمال في محاولة لتقويض الجهود التي يقوم بها روحاني مع الغرب». وتعتقد «إيكونوميست» أن المؤسسة المحافظة تبدو اليوم أقل جمودا من الماضي، كل هذا بسبب تلميحات من المرشد الأعلى للثورة الذي يفضل الإختفاء وراء الرئيس. فقد كان لافتا موافقة أكثر الرموز المتشددة على الإتفاق النووي فيما تحركت الكثير من الشخصيات المرتبطة بلاريجاني نحو الوسط. وهو ما يجعل من الحديث عن متشددين واصلاحيين بطريقة حدية أمرا صعبا. فقد ينتقد المحافظون الاصلاحيون بأنهم دمى غربية وربما رد عليهم الاصلاحيون وبطريقة خفية بأنهم نسخة إيرانية عن تنظيم الدولة الإسلامية. وفي الحقيقة فالمعسكرات الاصلاحية والمحافظة والمتشددة تغير مواقعها وتحول ولاءها وتتزاوج فيما بينها. وكما أشار الباحث في الشؤون الإيرانية ري تاكيه في مقال نشره موقع مجلس العلاقات الخارجية الأمريكية يوم 19 شباط (فبراير) 2016 فلا يوجد شيء اسمه خلاف بين الاصلاحيين والمتشددين بل الخلاف موجود بين المؤسسة والشعب. فما يهم في النهاية هو صوت الشعب. وأشار تاكيه إلى أن روحاني نفسه ينتمي للمركز وليس للمعسكر الاصلاحي. ففي عام 2009 وافق على ضربه «الثورة الخضراء» عندما كان عضوا في مجلس الأمن القومي. ويرى الكاتب أنه لا البرلمان ولا مجلس الخبراء يمتلكان السلطة الحقيقية، فالأول يحق للمرشد التصويت على قراراته والثاني لا يملك السلطة لاختيار المرشد. ولا يتجاوز دوره عن الإعلان عن المرشد الجديد والتبرير للرأي العام سبب اختياره. ومن سيختار المرشد هم قادة الحرس الجمهوري على حد رأيه. وعليه فالانتخابات الإيرانية وإن كانت خطوة جيدة وتغيرا في المسار فهي لا تتعدى كونها تصويتا شعبيا على روحاني قد تمنحه فرصة للفوز بولاية ثانية في العام المقبل.
والمهم في الأمر هو انعكاسات الانتخابات الإقليمية، ففوز الاصلاحيين تزامن مع بدء الهدنة في سوريا التي اتفقت الولايات المتحدة وروسيا عليها وبدأ تطبيقها يوم السبت الماضي ولا تزال صامدة رغم بعض الخروقات. وجاءت في ظل تصعيد سعودي ضد حزب الله، وكيل إيران في لبنان. بالإضافة لتعقيدات في ملفات إقليمية أخرى ليس أقلها العلاقة مع السعودية التي قطعت علاقتها مع طهران على خلفية تدمير سفارتها في طهران بعد إعدام رجل الدين الشيعي السعودي نمر النمر. وحتى وقت قريب ظل المنفذ المسؤول عن الملفات هذه هو اللواء قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» الجناح الخارجي للحرس الثوري. ورغم دعم روحاني لبقاء بشار الأسد في السلطة إلا أنه لا يملك قرارا في هذه الملفات الإقليمية. ويرى إيان بلاك في «الغارديان» (2/3/2016) أن القيادة السياسية العليا الإيرانية لا تريد قطيعة تامة في العلاقات بين البلدين. ولكن الأجهزة الأمنية في كلا البلدين هما من يدير العلاقات ولذا تتسم بلهجة طائفية قومية. وقال إن حلفاء إيران في الصين وروسيا راغبون بلعب دور لتقريب وجهات النظر بين البلدين وذلك حفاظا على الهدنة ولفتح الباب أمام استئناف المفاوضات بين الأطراف المتصارعة. وعبر المبعوث الأممي استيفان دي ميستورا عن أمله بالعودة إلى طاولة المفاوضات في جنيف الأسبوع المقبل.
ومع ذلك تظل مساحة المناورة بالنسبة لروحاني محدودة في الملف السوري. فمع أن كريستوفر هاريس تحدث في تقرير نشرته «إنترناشونال بيزنس نيوز» (1/3/2016) عن أولويات الرئيس روحاني والتي لخصها بتغيير السياسة نحو سوريا وإقامة علاقات مع الغرب، إلا أن تحرك الرئيس في سوريا محدود، فالمسؤول عن هذا هو المرشد. وأشار هاريس إلى التقارير التي تحدثت عن سحب 2.500 من الحرس الثوري في سوريا. واعتبر تخفيض الوجود العسكري الإيراني بمثابة الضربة للرئيس الأسد والروس. واعترف في الوقت نفسه أن سحب الحرس الثوري لا علاقة له بنتائج الانتخابات.
وعلق قائلا أن التقارير هي تعبير الخلاف في وجهة النظر بين الرئيس والمرشد الأعلى الذي يسيطر على الحرس الثوري ويحدد السياسة في سوريا. ويرى علي نادر من مؤسسة «راند» الأمريكية أن من الصعب التكهن فيما إن كان فوز الاصلاحيين في هذه الجولة الانتخابية سيغير السياسة المتعلقة بسوريا. ويقول هاريس إنه من غير الواضح إن كانت إيران ستواصل سحب حرسها الثوري من سوريا رغم حديث وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عن سحب قوات. وقال في جلسة للكونغرس «قام الحرس الثوري بسحب قواته من سوريا، وتم تخفيض وجودهم». وفي هذا السياق تقول برندا شيفر، الزميلة غير المقيمة بالمجلس الأطلنطي بواشنطن أن تصوير روحاني كمعتدل يمكنه تغيير السياسة الخارجية التي وضعها المرشد هو فهم خاطئ، وقالت «نعطي أهمية كبيرة للعبة الانتخابية في إيران، فالبرلمان لا تأثير له ولا أرى كيف يمكن أن يؤثر هذا على الاستراتيجية المتعلقة في سوريا». وأضافت «المرشد الأعلى هو المرشد الأعلى وهو الذي سيقرر ماهية السياسات الخارجية». وترى دينا إسفنداري وأريان طباطبائي في «الغارديان» ( 1/3/2016) إن من الصعب على وزير الخارجية ظريف التأثير على الأحداث الجارية على الأرض في سوريا أيا كان فوز المعتدلين. وأي تغير في السياسة ستفرضه الظروف الخارجية مثل تزايد أعداد القتلى من الحرس الثوري في سوريا.
وفي المقابل يرى الكاتبان أن علاقة إيران مع دول الجوار تغيرت في ضوء حادث الحج وإعدام النمر والحملة في اليمن والتي منحت كلها المتشددين الذخيرة الكاملة للهجوم على السعودية وقاموا بتنظيم تظاهرات معادية لها، وهي حشود عادة ما تعقد ضد الأمريكيين وإسرائيل. ومن هنا سيجد المحافظون في البرلمان الفرصة لمساءلة وزير الخارجية عن سبب مواصلة الحوار مع دول جارة «معادية» وسيوضحون له إن استمرار التحاور مع الرياض لا يخدم المصالح القومية لإيران. لكن المعتدلين لديهم موقف آخر، فهم يعتقدون أن الحفاظ على الأمر الواقع غير ممكن ولهذا لا يستبعد الكاتبان أن يؤدي فوز الاصلاحيين/ المعتدلين لزيادة محاولات ظريف التواصل مع دول الخليج الصديقة خاصة قطر وعمان وربما واصل محاولاته لفتح حوار مع الرياض. وفي النهاية لا تحمل الانتخابات البرلمانية وعودا للمنطقة. بل ستواصل إيران سياستها في دعم وكلائها بالمنطقة مستخدمة الأموال التي سيفرج عنها. وأشار نيكولاس بلانفورد في «كريستيان سابنس مونيتور» (23/2/2016) إلى أن حزب الله مرشح للإستفادة من الوعود المالية خاصة أنه يواجه حملة من السعودية والولايات المتحدة وخسائر باهظة في سوريا. وفي المقابل فتخلي السعودية عن لبنان كما يقترح البعض يعني فتح الباب أمام تأكيد الهيمنة الإيرانية على هذا البلد. وعلينا كما ترى صنم وكيل من «تشاتام هاوس» في لندن في مقال لها (1/3/2016) أن لا نعول كثيرا على نتائج الانتخابات. فهي أخبار جيدة لروحاني لكن اللعبة الانتخابية في إيران تظل حافلة بالمفاجآت نظرا للطبيعة الفصائلية التي تطبع تعاملات السياسيين فيما بينهم والصفقات التي يضطرون لعقدها في غياب أحزاب سياسية.
إبراهيم درويش