عندما تصبح اللغة الإسبانية عنوانا لآفاق الفشل

حجم الخط
4

في خطاب له منذ ثلاثة أسابيع في مجلس الشيوخ في العاصمة الرباط، طالب رئيس الحكومة الإسبانية السابق خوسي لويس رودريغيث سبتيرو من الدولة المغربية تشجيع انتشار الإسبانية في المغرب والاهتمام بها وليس التركيز فقط على الفرنسية.
تصريحات سبتيرو نابعة من دفاعه عن لغة بلاده، وهو أمر طبيعي، وعلاوة على العامل الثقافي، فقد تزامنت دعوته مع قرار الملك محمد السادس إعادة تعليم المواد العلمية في الثانويات باللغة الفرنسية، وبالتالي نحن أمام الجانب السياسي في هذه الدعوة. وتعلم أي لغة يفتح للإنسان فضاءات أكبر وأوسع، فكل لغة هي عالم. لكن أهمية اللغات في الوقت الراهن يتعدى الجانب الجمالي بل حتى المعرفة التي تقدمها في ظل دينامية متواصلة وقوية للترجمة من لغة إلى أخرى، وأصبحت أهميتها تتجلى في التسهيلات والخدمات التي يمكن أن تقدمها للشخص الذي يرغب في تعلم هذه اللغة وآفاق المستقبل.
إسبانيا هي البلد الأوروبي الأقرب إلى المغرب، ومنطقيا، ونظرا لتقدمها كان يجب أن تتحول إلى فاعل سياسي وثقافي واقتصادي حقيقي في تطوير المغرب، كما كان المغرب في الماضي عاملا لتطوير إسبانيا إبان فترة الحكم الأندلسي. وضرورة مساعدة إسبانيا للمغرب هو دين تاريخي، وأطروحة حاضرة لدى بعض المثقفين والسياسيين منذ القرن التاسع عشر. وبينما كان بعض السياسيين مثل كانوفاس ديل كاستيو، مؤسس اليمين الإسباني وأحد أبرز السياسيين في هذا البلد خلال الثلاثة قرون الأخيرة يطالبون باستعمار المغرب، كان آخرون يدافعون عن فكرة التنمية والتعاون. وعلى رأس هؤلاء خواكين كوستا، الذي مال إلى التعاون بدل الغزو، وأطروحته وهي قريبة من العمل غير الحكومي المتعارف في الوقت الراهن، رغم أنه عاش في القرن التاسع عشر. ومن الكتابات العميقة لهذا المفكر حول المغرب، نجد ما جاء في خطابه يوم 30 مارس 1884 في مسرح قصر الحمراء في غرناطة في اجتماع مهم للمهتمين بالعلاقات المغربية – الإسبانية وكذلك مع باقي أفريقيا: «المغاربة كانوا أساتذتنا ويجب احترامهم، وكانوا إخواننا ويجب أن نحبهم، وقد كانوا ضحايانا ويجب جبر الضرر.
سياستنا تجاه المغرب يجب أن تكون سياسة إصلاحية وسياسة وجدانية وسياسة جبر الضرر». مواقف هذا المفكر بقيت حبرا على ورق، فقد ساهمت إسبانيا في استعمار المغرب رفقة فرنسا عندما قام ملك مغربي اسمه عبد الحفيظ العلوي بإدخال الاستعمار للبلاد ووقع على وثيقة الاستسلام، رغم مقاومة الشعب للغزاة وتسطير بعضهم ملامح رائعة مثل ملحمة «محمد بن عبد الكريم الخطابي». وإلى جانب الاستثمار، يعتبر قيام دولة بفتح جامعاتها لطلبة الدول الضعيفة عاملا مهما في مساعدة الآخر، فالدول تتقدم بالعلم وليس بالمهرجانات الغنائية، كما يحدث في المغرب. وهنا تصبح اللغة عاملا تحفيزيا على تعلمها، إذا كانت الدولة الناطقة بهذه اللغة تفتح آفاقا للأجانب.
وفي حالة المغرب، المقارنة بين لغتين الإسبانية والفرنسية تقدم صورة عن هذه التسهيلات، وهذا ليس دفاعا عن لغة معينة ضد الأخرى، الأمر لا يتعدى مبدأ المقارنة. فرنسا تحولت إلى وجهة رئيسية لطلبة الجامعات المغربية ومنذ عقود، وهي تحتضن حاليا أكثر من عشرين ألف طالب قدموا من المغرب، ولا يتعلق الأمر بأبناء المهاجرين. في الوقت ذاته، فتحت الفرنسية للكثير من المغاربة آفاق العمل الثقافي والفني والسياسي، وأسماء بارزة في هذا المجال، سواء من الكتاب أو سياسيين وصلوا إلى مناصب وزارية. في المقابل، نجد العكس في حالة إسبانيا. رغم القرب الجغرافي والعلاقات التاريخية، نسبة عدد الطلبة المغاربة يتراجع من سنة إلى أخرى في الجامعات الإسبانية، بل أصبح حتى طلاب الثانويات الإسبانية في المغرب يجدون صعوبة للحصول على تأشيرة الدراسة. وأصبح الأمر مهمة شبه مستحيلة بالنسبة لطلبة شعب الإسبانية في الجامعات المغربية، خاصة في شمال البلاد لإتمام دراستهم في البلد الذي يسميه المغاربة «جارنا الشمالي». ومقابل كل أربعين طالبا يتوجه للدراسة في فرنسا يختار طالب واحد إسبانيا، ولهذا فنسبة الطلبة المغاربة في فرنسا عشرات المرات ضعف عددهم في اسبانيا، بل يصل الأمر إلى سخرية سياسية وثقافية، إذا علمنا أن نسبة الطلبة المغاربة الذين بدأوا يختارون تركيا لإتمام دراستهم الجامعية أعلى من الذين يختارون إسبانيا.
وفي باقي الدول الأوروبية، هناك آفاق للعمل الثقافي والسياسي، أقسام عربية لمختلف الوكالات وقنوات تلفزيونية بالعربية ومهرجانات للسينما والشعر والكتاب العرب. وقد نختلف أو نتفق على توجهات بعضها، ولكنها تبقى فضاءات. بينما هناك «صحراء قاحلة» في إسبانيا، وإن وجدت بعض المؤسسات التي تحمل اسما عربيا في إسبانيا فإنها تكاد تعلق لافتة «ممنوع مشاركة المغاربة» ومخصصة لناشطي بعض الأحزاب، الذين لم يتم إيجاد وظائف لهم. والمفارقة أن الكاتبة الوحيدة من أصول مغربية التي نجحت في إسبانيا هي نجاة الهاشمي تكتب بالكتالانية وليس الإسبانية.
في الوقت نفسه، تحتضن مختلف برلمانات دول أوروبا مغاربة كنواب، بل وتحتضن بعض الحكومات مغاربة كوزراء بدون الحديث عن البلديات، إلا دولة واحدة، وهي اسبانيا، فيها مليون مغربي وليس هناك ممثل واحد في برلمانها عن الإسبان من أصل مغربي أو ناطق باسم المهاجرين.
اسبانيا لا تقدم مثالا سياسيا اندماجيا مقارنة مع أوروبا، ولا تجعل من اللغة الإسبانية محفزا لتعلمها باستثناء هواة الأدب المكتوب بالإسبانية. ولهذا، فدعوة سبتيرو لتعلم اللغة الإسبانية هي بمثابة دعوة الآخرين للاقتراب من فضاءات الفشل. لكن، قد يكون تعلم الإسبانية مفيدا للمغاربة لأن دولا من أمريـــــكا اللاتينـــية مثل المكسيك وتشيلي والأرجنتين بدأت تقدم محفزات لمتابعة الدراسة الجامعية وتمتلك رؤية أذكى من «الجار الشمالي» للمغرب.

 ٭ كاتب مغربي

د. حسين مجدوبي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية