بغداد – «القدس العربي»: التذمر أصبح صفة دائمة في شخصية المثقف العراقي.. يتذمر مثقفونا من وزارة الثقافة، بسلبياتها وأنشطتها وفسادها. يتذمرون من اتحادات الأدباء، بكادرها الذي لم يتغير منذ سنوات، برؤسائها غير المعنيين إلا بتجميل صورتهم، بمهرجاناتها ومؤتمراتها وتكرار أسماء المدعوين إليها، وبالسلبيات التي يعلن عنها كل مرة من دون أي محاولة لتصحيحها.. يتذمرون من دور النشر وهي تحاول استنزافهم مادياً ومعنوياً، فالأديب العراقي يعمل سنوات من أجل أن يموّل طباعة كتابه في دار نشر غير معنية بالثقافة ولا بالإبداع… يتذمرون من كل ريح ثقافية لا همَّ لها سوى جلب كل ما هو تقليدي وغير ذي فائدة.
المشكلة أننا كمثقفين وأدباء وفنانين نتحدث جميعاً عن مشكلات الثقافة العراقية، حديثا يتشعب لمناطق لا حصر لها، غير أننا فعلياً لم نضع أصبعنا على الجرح الحقيقي الذي يتسبب بمشكلاتنا.. فهل نتمكن من توصيف مشكلات الثقافة العراقية من أجل طرح حلول نهائية أو عامة لها؟
ثقافة وطن
تختلف الآراء التي يمكن أن تقف على أهم المشكلات التي تعاني منها الثقافة العراقية، وأي محاولة لتوحيد هذه المشكلات ستواجه بالفشل… غير أن الناقد عباس خلف يرى أن ثقافتنا العراقية حالها حال الثقافة العربية، قائمة على عدة عوامل مختلفة منها، بيئية ودينية وتاريخية واجتماعية وسياسية، هذه العوامل لا يمكن فهمها من غير فهم طبيعة إنتاجها.. مثلاً البيئة، ماذا يمكن لها أن ترسم أكثر من عادات قارة بكل إشكالها وأنواعها، وكيف نفهم التاريخ من دون أن نفهم حقيقة صناعته وعملية إنتاج الأحداث منه.. أما الدين فلا يُفهم إلا من خلال حضوره الروحي، ولذا تلجأ إليه المجتمعات ليكون رافداً لمفاهيمها القبلية، بسننها وعقائدها، لتمنحها شيئاً من القداسة. وكلما تتقدم باتجاه فرز تلك المكونات تتعقد الصورة أكثر لتكشف لنا في الأخير أن الثوابت الجاهزة والمتوارثة هي من علامات وجودها البارزة والراكزة في الأذهان والمستبدة بالتفرد بحيثيات الواقع وتنميطه.
ويضيف خلف: من هنا نفهم حجم التأثير والتأثر في ثقافتنا ومستوى الوعي الذي يفرز عنه، وهذا ما ضمن بالتالي تجنب مسالك الطرق الوعرة في تنوير الوعي والسير في القوالب الجاهزة، كما هو حاصل في أغلب بحوثنا الجامعية التي تعد مداد الحياة الثقافية، فإنها لا تخرج عن الإطار التاريخي وبعده التوثيقي على حساب المادة المعرفية وبعدها الإبداعي والفكري.. هذا الإخفاق، أدبياً وفكرياً وإبداعياً، انسحب على شيوع ظاهرة الثقافة الصحافية التي توسعت مساحتها، إلى درجة لم تعد تميز فيها الغث من السمين، ناهيك عما يتفشى في مواضيعها من إفساد للذوق بالتسطيح والعشوائية والشللية، ما سيفضي بنا حتما إلى نوع من القراءة التي سمتها الناقدة يمنى العيد بالقراءة الباهتة.
انشغلت ثقافتنا بالحديث عن الجزئيات وليس الكليات، والفرعيات بدل الأساسيات، والنوعيات على الجوهريات، ما أدى إلى نوع من الهشاشة التلفيقية المراوغة في طرح المضامين، سواء الفنية أو الأدبية، وهنا يتبادر السؤال في ذهن خلف: هل بإمكان الجهود الفردية أن تكون ذات كفاءة في ظل الممارسات السائدة بالعشوائية؟ وما مدى هيمنة التوجه التاريخي والأيديولوجي على القيمة الإبداعية، وأسئلة أخرى لابد أن نخوض فيها من أجل استحقاق ثقافي يرتقي إلى مستوى ثقافة وطن.
حس جمعي
من جانبه، يعتقد الناقد حميد حسن جعفر، أن الآخر الذي يعتمد الجهل كسلطة قامعة ما زال يمسك بالعصا من أجل صناعة الخوف.. هل بإمكان الثقافة أن تتحول إلى قوة مضادة… من الممكن ذلك، لحظة يتخلص الإنسان المنتمي للثقافة، وأن يتجرد من أمراض الذات- التسلط. إذا استطاع أن يعترف بالآخر، عند هذا تتم عملية التنازل عما لا يمتلك، إضافة إلى أن التشظي لا يصنع القوة، والمثقفون مأخوذين بالتشظي، بالتفرد بالرأي وتدمير الرأي الآخر، من الممكن أن تتشكل الكثير من السلطات الداعمة للجهل أو للضد منه ضمن مبدأ- الإبقاء والإلغاء- هذا المبدأ الذي قد يتحول في أي لحظة إلى قانون، لا يتشكل في قضاء الثقافة. لأنها تعمل وفق مبدأ الإبقاء بعيداً عن الإلغاء، أي أن الآخر يظل قائماً، قد ينسحب، قد يتخلى، قد تفتر همته، ولكنه سيظل يتحين الفرص لصناعة غزواته، من إلغاء الآخر- المثقف.
ويتساءل جعفر: هل من الممكن أن يتخلى المثقف عن الجماليات؟ فيجيب: لا أعتقد ذلك! هل من الممكن أن يتخلى رجل السلطة عن العنف؟ إذن كيف ستتم صناعة المعادلة؟ هنا تبدو عملية البحث عن الحلول أمراً – وإن لم تكن عسيرة ولكنها غير جاهزة- إنها معضلة الحياة التي تواجه المثقف، ولا تواجه رجل السلطة- اللامثقف. إذن على المثقف أن يشتغل على أكثر من حلقة، رغم أن اللامثقف يمتلك السلطة، إلا أن المثقف يمتلك ما يقف خارج قدرات السلطة، إنه التغيير، هذا يعمل على الإلغاء، وهذا يعمل على الإبقاء… فالصراع إذن لا يمكن أن يموت، وما على المثقف إلا أن يمسك بسلطات المعارف – الحياة، حيث توضع اليد على سبيل الأخذ بيد المجتمع نحو الوعي والمعرفة وإعادة تشكيل المجتمع بما فيه السلطات.
ويشير جعفر إلى أن انهيار مفصل ثقافي أو تسلط قامع، أو غياب ثالث، سوف يشكل سلسلة من التعويضات التي سوف تصيب أكثر من حلقة في السلسلة الثقافية. إن إعادة الروح للثقافة لا تتشكل على نحو فردي، الثقافة فعل جمعي وربما يتسع ليبدو على مستوى الدولة أو مجموعة دول، وعلى المثقف أن يبحث عن سبل الوصول إلى الآخر.. المثقف الموجود في الأطراف الأخرى، الثقافة بحاجة إلى منظومة لا نشعر بوجودها إلا من خلال وجود الآخرين، فلا يمكن الاعتماد على مفصل الدولة/ الحكومة؛ رغم أهميتهما، فالحكومات/ السلطات هي التي تقود الكثير من الحملات التجهيلية تحت رواية سلطة المقدس، ومن أجل بقائها قوة مهيمنة! وما بين سلطة الحكومة وسلطة المعرفة الكثير من التناقضات، لا تشكل الثقافة أكثر من وسيلة يمتلكها الخصوم للإطاحة بالآخر، هكذا تفكر الحكومات في عالمنا العربي أو الإسلامي أو الشرقي أوسطي، الثقافة من الممكن أن تشكل أكثر من عنصر إدامة للمجتمع، بكل مفاصله، هل الإبداع على المستوى الفكري والاقتصادي والاجتماعي والثقافي من الممكن أن يشكل أكثر من قناعة من أن الدولة (الشعب والحكومة والتاريخ) لا يمكن أن تنهض من دون ثقافة الإنسان؛ الفرد- الإنسان، الجماعة بعد إزالة الخط الفاصل ما بين الدولة/ السلطة والشعب/ المثقف.
التقدم إلى الخلف
وفي نظر الروائي ياسين شامل فإن الوضع الثقافي في العراق ليس بالمستوى المطلوب، بل إنه مزرٍ حسب تعبيره، وقد بدأ الانحدار منذ التغيير ولحد الآن. وكلنا ندرك الثقافة الموجهة قبل التغيير في ظل النظام الشمولي، ما لها وما عليها.
ويرى شامل أن شروط وعناصر الإبداع الثقافي دائماً ما تعيقها الحواجز الاجتماعية والسياسية والدينية، لذلك كان الأحرى بصانعي القرار الاستفادة من تجارب الشعوب، والدول المتقدمة التي أدركت بعد فترة من الصراع وإراقة الدماء، أنه لا مفر من حرية الفكر، وأن الثقافة الحقة، لا تخرّج إرهابيين، ولا ظلاميين، ولا جموعا قادمة من ظلمات التاريخ، إنما تخرّج رموزاً خالدة في الفن في الموسيقى في الأدب، وغيرها… تلك الأمم عرفت طريقها عندما أخذت دورها عندما تحول التغيير لديها إلى ثقافة حقة، إلا نحن، فعدنا إلى الظلمات، لم نكن موفقين، فما حدث بعد التغيير في جوانب الحياة وبالأخص في الثقافة تحول إلى خيبات أمل مؤلمة، وما زالت تعايشنا، لذلك من أجل الارتقاء بالثقافة هل يمكن أن نبذل قصارى جهدنا والتحول إلى الأفكار المتحضرة واتخاذ القرارات المسؤولة وتغيير الفكر السياسي، إلى حالة تعتمد العقلانية في فهم العلاقات ما بين الإنسان والكون والمجتمع، ربما ذلك ضرب من الخيال، لكن ليس جديرا بنا اليأس والقنوط.
ويبين شامل أنه كان بالأحرى أن يكون لذلك التغيير هدف مهم هو الثقافة كي نصل إلى الهدف النهائي، إن المثقف مثقل بهموم كثيرة ما بين الطموح، وبين ما هو موجود، لاسيما أنه لا مسرح ولا مؤسسات تعنى بجدية بأمور الثقافة، وإن وجدت بارقة في الأفق، تندرج ضمن الوضع السياسي العام ويحيق به من الشبهات.
ويأمل شامل أن تكون المؤسسات الثقافية فوق الاعتبارات السياسية، ولا يركن المثقف إلى الفئات التي تريد أن تحقق مكاسب سياسية عندما تقوم بعمل ثقافي هنا أو هناك، عليه أن يترفّع عن المصالح المشبوهة، وأن يأخذ دوره في اتخاذ القرار في الوجود أولاً والثقافة ثانياً، ويفعل ما يمليه عليه وعيه ورؤيته من أجل ثقافة خلاقة ترتقي بالمجتمع بكل أطيافه.
تضييق الخناق
غير أن المتسيدين على الثقافة العراقية، بحسب رأي الشاعر جواد كاظم غلوم، من الجهّال الآن، ومن ذوي الآفاق الضيقة وبعض من أنصاف المواهب، هؤلاء أخذوا يتحكمون بالمؤسسات الثقافية على هواهم، وهم في غالبيتهم محسوبون على أحزاب إثنية جاءت بهم رثاثة السياسة من خلال المحاصصات التي برع بها المحتل الأمريكي وفرضها على الساحة الثقافية وغير الثقافية.. ويؤكد غلوم على أن هناك من يريد تحديد نسل المبدعين العراقيين وتضييق الخناق على المبدعين ليطفح الزبد الثقافي عياناً تشويهاً لسمعة العراق المعروف بتألقه ولمعانه الثقافي، وإسقاط إبداعاته وتهميش مثقفيه الحقيقيين ووضعهم في زاوية مظلمة كي لا يظهروا، وكلما ظهرت بادرة حسنة لترميم شأن ثقافي ما لتحسين صورة بلادنا الثقافية ظهر جرذان الثقافة والدخلاء ليقفوا حائلا بالضد منها فيسرقون التخصيصات المالية لأي مشروع ثقافي ويبعدون من نرى فيهم الأمل في الرقي.
ومن أجل الخروج من هذا المأزق، يشير غلوم إلى أن علينا أن نبعد المؤسسات الثقافية، وأولها وزارة الثقافة وكل الدوائر التابعة لها من نظام المحاصصة بشكل عاجل وفوري قبل كل شيء وتطهير مرافقها من الفاسدين والمنتفعين والذيول العالقة بجسد الثقافة وانتقاء النخبة الراقية التي نرى فيها المخرج والمنتشل والمنقذ ليتباروا في انتخابات نزيهة ويكون الصندوق الانتخابي هو الفصل والحكم الذي ينتقي ذوي القدرات الخلاّقة ليتبوؤا قيادة الثقافة وإيصالها إلى مدارج الرقي والبروز، كي نعرف حقاً أننا في عراق السياب والجواهري.. لا نريد تكتلات قابعة تتحكم فينا، سواء كانت يسارية أو إثنية أو حتى ليبرالية التوجه، نريد وعياً ثقافياً عابراً للتوجهات السياسية.
صفاء ذياب