عبدالحميد صالح حمدان يوازن «طبقات المستشرقين» ويراجع أدبهم

حجم الخط
0

في ضوء تزايد الاهتمام بالاستشراق والمستشرقين في الوطن العربي، برزت حاجة الباحثين وطلاب العلم والقرّاء والناشرين العرب إلى كتب ميسّرة في الاستشراق، يمكن أن توضّح ما استغلق على الأفهام في كتاب «الاستشراق»لادوارد سعيد، وإلى معاجم خاصة بالمستشرقين.
ويبدو أن عبد الحميد صالح حمدان تلمّس هذه الحاجة. عمل الباحث بطريقته الخاصة على تلبيتها، ثم بادر لإصدار «طبقات المستشرقين»، فسدّ – عمليًا وشكليًا- ثغرة يصعب إنكارها. استلهم حمدان منهجيّة الطبقات التي استخدمها علماء العرب القدامى «التعريف بطائفة من الطوائف أو فئة من الفئات والإشادة بهم وبتاريخ حياتهم وسيرتهم وأعمالهم تخليدًا لذكراهم وتمجيدًا لدورهم»، ومثّل لنماذجه المشهورة على صعيد تفعيل هذه المنهجية.
الترجمة الوحيدة التي عثرت عليها عبد الحميد صالح حمدان، أوردتها جمعية الترجمة العربية وحوار الثقافات وتعود إلى عام 2005. وجاء فيها أنه ولد في القليوبية في مصر عام 1935، وحصل على دكتوراه الدولة في الآداب والعلوم الإنسانية مع مرتبة الشرف من جامعة باريس في العام 1975. عمل أستاذًا للتاريخ الإسلامي وتمتّع بعضوية اتحاد المؤرخين العرب والرابطة الأمريكية لدراسات الشرق الأوسط والجمعية البريطانية لبحوث الشرق الأوسط، وعمل مراسلاً لدائرة المعارف الإسلامية في ليدن. وحقق عددًا من الكتب في حقول التاريخ والتصوّف والعلوم أبرزها: الجزء العشرون من «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» للعمري، و»الكواكب في بيان أحكام الحيوان والنبات والجماد» لعبد الرؤوف المناوي. كما ألّف ونشر بالفرنسية والعربية، ومن أبرز مؤلّفاته في العربية: «مصر وأصولها العربية» و«طبقات المستشرقين».
صدر كتاب «طبقات المستشرقين» عن مكتبة مدبولي في القاهرة في العام 1997 في 227 صفحة من القطع الكبير. مشتملاً على 228 ترجمة طويلة أو متوسّطة أو قصيرة. وذيّله المؤلف بفهرس زمني للمستشرقين الذين ترجم لهم في أربع صفحات، وختمه بثبت للمصادر والمراجع التي أفاد منها في إعداد كتابه، وعددها 17 مرجعًا عربيًا وثلاثة مراجع إنكليزية ومرجعان فرنسيان. ومن أبرز المراجع العربية التي اعتمد عليها:
تاريخ آداب اللغة العربية، جرجي زيدان.
الأعلام، خير الدين الزركلي.
الاستشراق، إدوارد سعيد.
موسوعة المستشرقين، عبد الرحمن بدوي.
الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا، ميشال جحا.
قدّم عبد الحميد لمعجمه بمقدمة موجزة مكثفة في ثلاث صفحات. نوّه فيها بعلم الطبقات عند المسلمين (طبقات الصحابة والتابعين والفقهاء والمحدثين والتجار والشعراء)، وهو العلم الذي سار على نهجه في إنشاء معجمه الاستشراقي الممتد من القرن السادس عشر حتى القرن العشرين.
أبرز ما يمكن إيراده من ملاحظات بخصوص «طبقات المستشرقين» يتلخص في ما يلي:
حسن التنظيم؛ فالكتاب واضح المعالم والتقاسيم.
تفعيل منهجية الطبقات؛ فدرءًا للتشويش الذي يمكن أن نصاب به جرّاء كثرة المستشرقين وتباين سنوات ولادتهم ووفياتهم وتعدّد بلدانهم ومشاغلهم، بادر حمدان لتفعيل وتوظيف إحدى منهجيات الموروث الإسلامي ممثلة بعلم الطبقات.
اطّراد قالب وأدوات التعريف؛ فهو يحافظ على اطّراد قالب وأدوات التعريف بالمستشرقين، حيث يورد اسم المستشرق بالعربية وبلغته الأم وسنة الولادة وسنة الوفاة، وما تيسر من سيرة المستشرق وأبرز أعماله وطروحاته.
سهولة اللغة ووضوحها.
تحييد العواطف الشخصية؛ فقد حافظ إلى حد بعيد، على تجرّد المترجم والباحث الذي يعدّ كل ترجمة من تراجم المستشرقين موضوعًا محضًا.
التفريط بتوثيق مصادر الترجمات.
استسهال النقل الحرفي عن السابقين؛ فمع أن مؤلفي كتب التراجم يعتمدون اعتمادًا كبيرًا على جهود السابقين، إلا أن الموثوقين منهم لا يدخرون وسعًا لإشعار القارئ بأنهم ينقلون في هذا الموضع أو ذاك من هذا المصدر أو ذاك. وهو ما لم يلتزم به عبد الحميد صالح حمدان، فقد قارنت بين ترجماته لجولد تسيهر وماسينيون ومرجليوث وترجمات عبد الرحمن بدوي للمستشرقين أنفسهم، -على سبيل المثال لا الحصر- فوجدت أنه يجرّد هذه الترجمات من بعض العبارات أو الفقرات التي تشتمل على آراء أو مواقف أو تحليلات أو عواطف شخصية عبد الرحمن بدوي، ثم ينقل ما تبقى منها نقلاً حرفيًا، إلى الحد الذي أخشى أن أقول معه بأن «طبقات المستشرقين» ليس إلا شكلاً من أشكال تلخيص أو تهذيب «موسوعة المستشرقين»!
رشاقة «طبقات المستشرقين»؛ فمعدّ المعجم وناشره، نظرا بعين الاعتبار الشديد على الأغلب، لحقيقة حاجة الباحثين وطلاب العلم، إلى معجم مختصر زهيد الثمن.
وحتى لا نغمط عبد الحميد صالح حمدان، كل حقوقه في هذا المعجم، فقد كان الأجدر به أن يثبت لنفسه صفة «الإعداد» بدلاً من صفة «التأليف» التي وشّح بها صفحة الغلاف. ومع أن صفة الإعداد تقع دون صفة التأليف بدرجات، إلا إنها كانت ستتكفل برد سهام النقاد الرصينين. وربما كان الأجدر به أيضًا أن يطلق على معجمه عنوانًا مثل «موجز موسوعة المستشرقين» من دون أن ننكر جهده الملحوظ على صعيد تفعيل وتوظيف منهجية الطبقات.

كاتب وأكاديمي أردني

غسان إسماعيل عبد الخالق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية