لا نهدف هنا بالدرجة الأولى لانتقاد الطريقة التي تمارس بها إيران حكمها الداخلي، فحتى إذا كانت لا تمنح جميع الإيرانيين حقوقاً متساوية للمشاركة السياسية، فإن ذلك يبقى ضمن «التنويعات» المسموح بها في المجال الديمقراطي، الذي أخبرنا مؤسسوه أنه يجب أن يكفل ليس فقط الحرية والعدالة، ولكن أيضاً الهوية الخاصة للدولة والمجتمع.
ذلك هو ما يجعل مفهوم العملية الديمقراطية نفسه واسعاً وفضفاضاً وأحياناً متناقضاً، بحيث يتسع، حتى في البلدان الغربية، لدرجة تشكيل تهديد للمبادئ التي أوجد ليحافظ عليها. الديمقراطية قد تكون ملكية على طريقة بريطانيا، أو مقصورة على حزبين فقط وعائلات معروفة سلفاً في الغالب، كما في حالة الولايات المتحدة، كما قد تكون دينية تستوجب اتباعك لديانة معينة، قبل أن تسمح لك بالتمتع بمواطنة متساوية، كما في حالة الكيان الصهيوني. كل ذلك مسموح وديمقراطية إيران التي تذهب أبعد من ذلك لتقصر هويتها لا على دين واحد أو مذهب واحد، بل على أفكار اجتهادية صغيرة داخل ذلك المذهب تدخل في إطار ذلك المسموح به أيضاً. قد يكون في وصف أنظمة كنظام إيران، أو النظام الاستعماري الاسرائيلي وغيرهما بأنها ديمقراطية أكبر إساءة للديمقراطية، وأكبر مساعدة لمن يروّجون للقمع بذريعة أن الديمقراطية ليست سوى الغطاء الذي يخفي خلفه مساوئ الاحتكار والاستغلال والظلم والطمع في الثروات. لأعداء الديمقراطية حجة، فهم لا يكفون عن تذكيرنا بكم المجازر والجرائم التي ارتكبت باسم تلك الكلمة، ابتداء من هتلر الذي صعد إلى النجومية السياسية عبر اللعبة الديمقراطية، ومروراً بالمأساة العراقية التي تدخل الآن عقدها الثاني والتي لم تكن سوى نتاج للرغبة الأمريكية في ديمقرطة العراق؟
أهم مشكلات الديمقراطية هي أنه لا يوجد معيار يمكن من خلال تتبعه التوصل إلى تقييم تمثيل الإرادة الشعبية. هذا بالتحديد هو ما يجعل أي انتقاد للتجربة الإيرانية مثلاً غير موضوعي. الشيء الوحيد الذي يحدد ما إذا كانت دولة ما تتمتع بنظام رشيد أو مدى علاقتها مع «المجتمع الدولي»، فإذا كانت دولة قوية ومهمة أو متعاونة مع المنظومة الدولية بشكل من الأشكال فهي دولة ديمقراطية يمكن التغاضي عن جورها على حقوق الإنسان أو عن الطريقة الفريدة التي تدير بها الحياة السياسية، على اعتبار أنها كما قلنا مجرد تنويعة بسيطة من التنويعات التي يمكن القبول بها بلا حرج. أما إذا حدث العكس فكانت دولة مستضعفة أو رافضة التسليم لواقع العلاقات الدولية الحالي، فإن من السهل آنذاك انتقادها، على اعتبار أنها لا تمارس الديمقراطية بحسب «معاييرها المعروفة»، وهي مجرد ذريعة لأنه كما قلنا لا توجد «معايير معروفة» بالضرورة ولا وصفات مسلّم بها. لقد رأينا كيف سمحت منظومة الدول الأهم لنفسها بابتكار ما يصلح لها من ترتيبات سياسية داخلية، مستفيدة من أن لا أحد يمكن أن ينتقد بجدية تجربة الحكم فيها. تلك الدول قد تفرض قوانين متناقضة مع الحقوق الأساسية كالحق في حرية اللباس، أو الحق في الخصوصية تحت مبررالحفاظ على القيم العلمانية، أو الحماية من الإرهاب. المثير أن كل ذلك يحدث من دون أن يشكك أحد في متانة بناء تلك الدول الديمقراطي.
كل شيء نسبي هنا، حتى العلمانية التي جعلوها من أركان الحكم الديمقراطي، تختلف من مكان لآخر داخل العالم الأول نفسه، ففي مقابل علمانية فرنسا المتشددة نجد العلمانية الأمريكية التي تكتب على عملتها «نحن نثق بالله»، وفي مقابل الدور الثانوي للدين عند عدد من الديمقراطيات الغربية، نجد أن دولاً من ذات النادي تتباهى بحضارتها المسيحية التي شكلت ثقافتها الحاضرة.
إن أولئك الذين طبقوا مفهوم الديمقراطية النسبي، تم استدراجهم للاقتناع بضرورة العلمانية التي سيكتشفون أنها كلمة لا تقل نسبية وغموضاً. أما محاولة تنزيل التجارب الغربية على أرض المشرق فقد كانت محاولة لا تخلو من تعقيد، حيث أن طريقة نشوء الدولة نفسها هنا تختلف عن طريقة نشوء الدولة هناك، كما أن المواطنة والحدود والقانون الوضعي، كلها مفاهيم لا تملك بالضرورة المعاني نفسها في كل أنحاء المعمورة. إلا أن العلمانية بمعنى تحييد الدين عن المشهد العام تبقى من أهم سمات الديمقراطية الغربية، بل إن أولئك رأوا في البلدان التي ترفض تطبيق العلمانية، أو تعلن أنها ستكون بلداناً إسلامية تهديداً لا يمس فقط المجتمع المحلي بل السلم والأمن الدوليين، فحركوا الأساطيل من أجل دك الدولة الطالبانية في مجاهل آسيا وانطلقوا بلا هوادة في معارك ضارية في صحارى أفريقيا ضد من أرادوا تطبيق الشريعة في مالي. ليس كما يتوقع البعض لأنهم رأوا أن في ذلك التطبيق إجحافاً أو تطرفاً، بل إن مجرد الدعوة لبناء دولة على أساس ديني، حتى لو كانت معتدلة أو مستنيرة هي شيء مرفوض، خاصة لدى المعسكر الفرنسي. التناقض هنا يكمن في أن المعسكر ذاته كان الداعم الأول للكيان الصهيوني الذي قام على أسس توراتية، وحتى قبل عامين حينما طرح الكنيست قانون يهودية الدولة، فإن أحداً من أولئك لم يعترض إلا على سبيل الهمهمة والصوت الخجول.
أولئك الغربيون كانوا الداعم الأول للخميني، ولم تبعدهم عن دولة الولي الفقيه إلا المصالح التي لما تلاقت نسوا أن تلك دولة دينية بامتياز، يتناقض منطقها مع منطقهم وانخرطوا معها في اتفاقات وشراكات. الإرادة الشعبية وتحقيقها هي الأهم. هكذا يبررون حماسهم للحالة الانتخابية الإيرانية، لكن على أي أساس علمي يمكن القول إن الممالك والإمارات الخليجية مثلاً دول غير ديمقراطية؟ هل الإرادة الشعبية هناك تقف ضد النظام القائم؟ وما هو مؤشر القياس الذي يمكن استخدامه للتحقق من ذلك بطريقة موضوعية محايدة وغير انطباعية؟ إن الحملة التي تشن ضد السعودية، على سبيل المثال، الآن لا يبررها إلا تغير بوصلة المصالح، فالسعودية كانت على طول تاريخها دولة إسلامية ولا يمكن أن يكون الغرب قد انتبه فجأة لأن المملكة تحكم بالشريعة الإسلامية! بالمقابل فإن بإمكانك البحث بلا جدوى حتى الصباح عن الطريقة التي بموجبها تحولت إيران من دولة دينية رجعية داعمة للإرهاب إلى دولة إيجابية منفتحة على العالم. ما الذي تغير حقيقة في السلوك الإيراني؟
الديمقراطيون الغربيون الذين يشيدون الآن بالانتخابات الإيرانية ويرفضون وصف دولة الملالي بالشيعية، لا يمنعون أنفسهم من استخدام مصطلح «الدول العربية السنية». هذا يعني ضمنياً أن العرب بعكس جيرانهم الفرس ما يزالون، بنظر العالم، طائفيين متشددين وغير قادرين على بناء دول ذات ديمقراطية ومساواة على غرار النظام الأوروبي أو الأمريكي.. أو الإيراني!
في الانتخابات الأخيرة التي جرت في فبراير الماضي انتقد البعض التمييز الذي لم يطل السنة وحدهم، ولكن أيضاً الشيعة من أصحاب الآراء والتوجهات المستقلة، الذين يتم استبعادهم من المشاركة عن طريق لجان حماية الثورة وصيانة الدستور التي من واجباتها أن تحدد من يحق له الترشح كنائب. المنطق الإيراني هو عدم السماح للأصوات النشاز بتقويض النظام من الداخل، أو عرقلة الحياة السياسية عبر الآليات الديمقراطية، كالبرلمان الذي يجب أن يبقى متناسقاً فكرياً خدمة لمصلحة البلاد العليا.
إيران في الحقيقة ليست بدعاً في ذلك، فأغلب برلمانات العالم مكونة في معظمها إما من رجال الأعمال ووجهاء مقربون من المجموعة الحاكمة، أو من كتلة غالبية داعمة لأولئك الحاكمين. الجديد في الحالة الإيرانية هو تلك الهندسة التي تتم بموجبها فلترة البرلمان والمجالس المماثلة ليس فقط في المرحلة القبلية الاستباقية، ولكن أيضاً في مرحلة ما بعد البرلمان، حيث تنشأ هيئة باسم «تشخيص مصلحة النظام»، التي تعمل كوسيط بين البرلمان وقيادات الدين والسياسة، لتختار من النقاشات ومشاريع القوانين التي يقدمها النواب المنتخبون ما يصلح لتشكيل المصلحة الوطنية. هذا طبعاً خلاف دورها في توجيه السياسة العامة الداخلية والخارجية في البلاد، بعد الاكتفاء باستشارة «المرشد الأعلى»! أما أكثر ما أعجبني في «الممارسة الديمقراطية الإيرانية» فهو الطريقة التي تسوّق بها، فقد تم الإعلان عن وجود معسكر للإصلاح والاعتدال، وآخر للمحافظين، وفي سوق مقالات الرأي ودوائر التفكير وصنع القرار العالمية تحمس الناس وتشجعوا بطبيعة الحال للفريق الأول.
تظهر النتائج ويتم التبشير بفوز كاسح لأولئك الإصلاحيين الذين ننتبه الآن فقط إلى أن من رموزهم الرئيس الإيراني، الذي رعى بشكل شخصي التدخلات الإيرانية الأخيرة في لبنان وسوريا والعراق، وشخصيات مثل كاظم جلالي الذي اشتهر بمطالبته بإعدام رموز ما يسمى بـ»اليسار الإسلامي» كمهدي كروبي ومير موسوي!
تبدو الصورة كالآتي: تصفية للمنتخبين بحيث لا يبقى إلا المتشددون، ثم تقسيم أولئك المتشددين إلى محافظين ومعتدلين، ثم خلق منافسة بين المتشددين المحافظين والمتشددين المعتدلين!
هكذا تبقى السياسة الإيرانية على حالها، وتبقى السيطرة بيد الولي الفقيه ورفاقه الذين لم ينتخبهم أحد وتبقى إيران ديمقراطية!
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح