من محاسن الصدف في «القدس العربي» أن رئيسة تحرير الجريدة هي الأستاذة سناء العالول، لذا فالجريدة ليست مضطرة إلى ذلك التقليد العربي المكرر والساذج بتعيين سيدة رئيسا للتحرير في يوم المرأة العالمي، وهو إجراء يكشف عقدة النقص الذكورية في مجتمعاتنا العربية. وكما يقول كبيرنا الذي علمنا الحب الفلسطيني مريد البرغوثي (..كلُّ ما يضع المرأة على حِدَه يهينها، حتى الاحتفال بها).
أما وقد استيقظت صباحا لمتابعة القنوات الفضائية وملاحقة آخر الأنباء في قنوات الفضاء العربي وفي المواقع الإخبارية، لأجد فضاءنا العربي محتفلا بيوم المرأة العالمي بالمرافعات الدفاعية ذاتها عن مجتمع قبلي ذكوري، يحاول جهده في هذا اليوم تحديدا تزيين ذكوريته وتجميلها عبر الإحتفال اليتيم في السنة، بالمرأة التي تقبل بوصفها «نصف المجتمع» دون أن تكون فعليا مكتملة المساواة فيه.
«صباح الخير يا عرب»، البرنامج الأكثر شعبية بين فضائيات العرب، قرر تكريم مقدمته الحسناء «لجين عمران» ليرمزها عن نساء العالم العربي!! فتم تصوير الحلقة على الهواء مباشرة في بيتها الفخم، طريقة تليق بترف «أم بي سي».. وكفى الله المرأة السعودية شر النضال الشرعي لنيل حقوق قيادة السيارة، وفي هذا السياق تبث «أم بي سي» تقريرا في «صباح الخير يا عرب» عن حقوق المرأة السعودية وعموم المتحدثين فيه رجال من السعودية، أحدهم قال إن المرأة السعودية حصلت على حقوق يحسدها عليها العالم، فهي عضو في مجالس إدارة شركات!! مبروك للمرأة السعودية هذا الإنجاز.
محمد عساف والإلتزام الذكوري بالفن
وفي السياق ذاته، انتقد الكثيرون الطير الطاير الكابتن فريق جوي محمد عساف، في حلقته مع وفاء الكيلاني الأخيرة حين صرح باعتراضه أن تدخل شقيقته مجال الفن، معبرا بوضوح عن أنه رجل محافظ يرفض لأخته ما يقبله هو لنفسه!!
الكابتن عساف منسجم مع ذاته، وهي ذات عاشت منغلقة تحت ظروف احتلال وسلطة حكم «زاكي»، في قطاع محاصر بين البحر والموت والتجويع، وحين سنحت له فرصة الانطلاق، انتهزها حين «نط فوق حيط» تجارب الأداء، فانطلق وحلق، لكن بقيت روحه أسيرة القطاع وتقاليده المغلقة، فبقي محمد عساف تحت احتلال العادات والموروث أيضا.
بين ريا أبي راشد وشيماء المصرية
وفي مقاربة «غير عادلة لكن ضرورية» تكشف كيف يمكن أن تهين المرأة كرب عمل، من خلال انتقائية الغباء، كان في تغطية الفضاء والإعلام العربي لحفل الأوسكار الأخير، مثال واضح ونموذجي بين شيماء، التي اشتهرت سلبيا بثلاثين ثانية مصورة حين كشفت حالة التردي التي يعاني منها الإعلام المصري الحديث، مقابل الإعلامية المتميزة فعلا ريا أبي راشد، التي تشكل في حد ذاتها قيمة مضافة لشبكة «أم بي سي» بحضورها وفهمها الذكي لمعنى صناعة الترفيه والصحافة الفنية.
شيماء، التي حتى في اعتذارها ساقت تبريرات غير منطقية لفشلها وإخفاقها، كانت نموذج لإمرأة تم وضعها في المكان الخطأ تماما، من حيث عدم قدرتها على التحدث بالانكليزية بنطق سليم، أو باجتهادها بطريقة الفذلكة العربية بدمج فكرة كونها أول صحافية مصرية في «الأوسكار» وأول أوسكار لليوناردو دي كابريو، الذي لم يلتقط لا هو ولا من معه تلك الفذلكة في السؤال، فظهر حضور المرأة المصرية العربية باهتا بل سمجا جدا.
ولعل من أجمل ما قرأت من تعليقات طريفة كان للصديقة الناقدة السينمائية ماجدة خير الله حين تساءلت بطرافة (طب مش حانشوفلك حاجه في رمضان؟ سؤال أصاب دي كابريو بأزمه قلبيه وملحقش يفرح بالأوسكار)!
في المقابل، كانت رايا أبي راشد، نموذجا لإعلامية متخصصة في الفن وصناعة الترفيه، بلغة إنكليزية مطلقة الكمال، وحضور لافت بدون إسفاف، وأسئلة وحوارات واعية ومحضرة بذكاء يلبي رغبة المشاهد، مع شبكة علاقات عامة مع نحوم السينما متعوب عليها بنوبات جهد وعمل.
شكرا لرايا أبي راشد.. ولها أقول كل عام والمرأة مثلك بخير.
ما لـ «ذا فويس كيدز» وما عليه
وبعد انتهاء «ذا فويس كيدز»، نعيد ونكرر أنه بقدر ما استمتعنا بتلك الطفولة البريئة التي تمتعت بمواهب خرافية أمتعتنا بصدق، إلا أننا نتساءل إن كانت تلك القلوب الصغيرة والحلوة، تتحمل خيبات الأمل التي يقوم عليها البرنامج كله.
لا أنكر أني كنت من متابعي البرنامج بشغف، وكان قلبي يتعلق بكل قلب صغير ينبض بقوة على المسرح، وكانت شفتاي تتهدج مع حشرجة في الحلق مع كل كسر خاطر تترجمه دمعة مخنوقة لهؤلاء الأطفال.. مما كان يجعلني أتساءل عن الحالة النفسية لهؤلاء الصغار جدا، بعد خيبات أمل كبيرة ومبكرة لهم في عالم ترفيه الكبار.
للحظات، كنت أتخيل أننا أمام صنعة ترفيه للكبار، غير شرعية، أبطالها أطفال قاصرون نتسلى على مواهبهم، وأوجاعهم.
أتمنى لو يقدم لنا خبراء دراسة وافية، ترضي ضميرنا أمام برامج كتلك.
نصفي الكامل في الحياة
(كل زغرودة شقت كبد السماء من امرأة أرملة أو عاشقة أو ثكلى.. صارت طيرا.. يا رباه.. ما أكثر الطيور) –هاني نديم.. شاعر عربي سوري.
وفي يوم المرأة، ومع تحفظي على الجندرية الكامنة في تحديد يوم بالسنة لإنسان، لأنه أكثر إنسانية فقط، أجد نفسي واقفا في قوافل ذكور القبيلة التي لا تزال تعاني نقصا في اكتمالها ونضجها الإنساني، فأنا ممن يحملون نزق الذكورة في رواسبه، وأنا أعتذر لنصفي الأفضل.. شريكتي في الحياة، والمبتلاة بتلك الشراكة، رفيقتي وسندي الذي أتوهم أني أنا السند لها، زوجتي ليلى العقاد، إليها في هذا اليوم.. أعتذر ولها أعترف وأقر بالامتنان حد الحب.
هي رئيسة تحرير حياتنا.. طوال أيام السنة.
كاتب أردني يقيم في بروكسيل
مالك العثامنة